سورة النساء | حـ 693 | 63 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشير الله في سورة النساء إلى طائفة من المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، وكيفية التعامل معهم.
- •هؤلاء المنافقون موجودون في كل عصر ومصر، يتميزون بالتكبر والجهل واتباع الهوى والصد عن سبيل الله.
- •وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "يصبح الرجل منهم مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي كافرا ويصبح مؤمنا".
- •الله وحده يعلم ما في قلوبهم ويمكنه الحكم عليهم، وليس للإنسان أن يتسرع في الحكم عليهم.
- •يوجه الله المؤمنين للتعامل معهم بثلاثة أمور: الإعراض عنهم وعدم التأثر بكلامهم، وعظهم بشكل عام بتذكيرهم بأيام الله وأوامره.
- •ثم بشكل خاص أن يقول لهم في أنفسهم قولاً بليغاً، فيجمع بين العمل السلبي والإيجابي، والعام والخاص.
- •الاستماع لهم والاطلاع على ما يقولون يورث الحيرة والاضطراب والتشويش.
مقدمة تلاوة آية سورة النساء عن المنافقين الذين يعلم الله ما في قلوبهم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِىٓ أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: 63]
يتحدث ربنا عن طائفة من المنافقين كما نراهم في العصر النبوي مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله يعلّمنا كيف نتعامل معهم.
صفات المنافقين في كل عصر من التكبر والجهل واتباع الهوى
نراهم في مجتمعنا المعاصر، في كل عصر وفي كل مِصر، نراهم وهم يهذون بما لا يعرفون، في تكبّر زائد عن الحد، وجهل وجهالة بالواقع ونفس الأمر، واتباع للهوى، ورفض وصدّ عن سبيل الله.
نراهم وهم يأبون أن يرجعوا إلى الله ورسوله.
الله وحده يعلم ما في قلوب المنافقين وأمرهم ملتبس على الناس
﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء: 63]
أسمع كلامك أصدّقك، وأرى أمورك أستعجب! فإذا ما استمعت إليه استمعت إلى حلوٍ من الكلام، وإذا رأيت فعله وبرنامجه اليومي رأيت عجبًا عُجابًا وأمرًا مستغربًا.
وإذا بحثت عنه في جملته وفي رجوعه إلى الله سبحانه وتعالى وجدته أنه لا يذكر الله إلا قليلًا. ما هذا؟ كيف نحكم عليه؟ لو أن أمره كان ظاهرًا لحكمنا عليه بالخروج عن الإسلام جملةً وتفصيلًا، لكنه ليس كذلك، بل إن أمره ملتبس ومشتبه.
فربنا سبحانه وتعالى أعلمنا وهو عليم بذات الصدور أنه هو وحده الذي يعلم قلوب أولئك [المنافقين].
وصف النبي ﷺ لتقلب أحوال المنافقين بين الإيمان والكفر
وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يجعلنا نتسرع في الحكم عليهم بالإيمان أو بغيره، قال:
قال النبي ﷺ: «يُصبح الرجل منهم مؤمنًا ويُمسي كافرًا، ويُمسي كافرًا ويُصبح مؤمنًا»
سبحان الله! وصلت الحكاية إلى حدّ الاختلاط، وهذا في كل عصر وفي كل مِصر.
الله وحده يعلم حقيقة قلوب المنافقين المتقلبة بين الإيمان والكفر
فالله يقول:
﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء: 63]
يعلم الله لا أنت ولا أمتك؛ سيعلم [الله] الذين في قلوبهم [النفاق]، لأنه يصبح كافرًا ويمسي مؤمنًا، ويمسي كافرًا فيصبح مؤمنًا. فمتى هو مؤمن ومتى كافر؟ لا تعرف. فمن الذي يعرف إذن؟ الله [وحده].
الأمر الأول في التعامل مع المنافقين هو الإعراض عنهم وعدم التأثر بكلامهم
فماذا أفعل أنا في الحالة التي مثل هذه؟ أول شيء لكي تطمئن نفسك ولكي تثبت قلبك: فأعرض.
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [النساء: 63]
أعرض عنهم، أعرض عنهم، يعني لا تتأثر بكلامهم، يعني اتركهم. إذن أعرض عنهم، أعطهم عرض كتفيك، إذن يعني هم يتكلمون في وادٍ واتركك أنت في وادٍ آخر.
فأعرض، أعرض هكذا هو، اذهب إلى الناحية الأخرى. فأعرض عنهم، أول شيء أن تجعل بينك وبينهم حجابًا؛ لأنهم جعلوا بينهم وبين ربهم ورسولهم حجابًا، فاضطربت أحوالهم ونزلت المصائب عليهم بسببهم وبأيديهم.
وجوب الإعراض عن قراءة كلام المنافقين وعقوبة من لم يمتثل بالحيرة والتشويش
فأعرض عنهم وأزلهم من منظومتك تمامًا ولا تقرأ لهم. تقول لك: الله! أنت تأمر الناس بالمقاطعة، فماذا سيفعلون؟ الله، لا منك ولا كفاية، شرك هو! لا بد أن نسمع لهذا الهراء.
طيب، وإذا شغلت نفسك بالقراءة لهم، إذا شغلت نفسك بالقراءة لهم وقعت في الحيرة عقابًا لك؛ صدّقت الغيبة والنميمة التي يذكرونها عن أولياء الله ورسله وأنبيائه وصحابته الكرام، أذيت نفسك بنفسك.
وعلى قدر معصيتك تكون العقوبة، ولذلك هذا جزاء من لم يمتثل [أمر الله بالإعراض عنهم].
عاقبة من لم يعرض عن المنافقين الحيرة والاضطراب وتشويش الذهن والقلب
فأعرض عنه. قال له: لا، هذا أنا يجب أن أرى ماذا يقولون. حسنًا انظر، لن تزداد إلا حيرة، ولن تزداد إلا معصية، ولن تزداد إلا اضطرابًا وتشويشًا.
ذهنك الصافي لن يبقى صافيًا بل سيصبح مشوّشًا، قلبك الصافي سيتعكّر. فأعرض عنه.
هذه أول شيء: أعرض عنهم. هل هذا سلبي أم إيجابي؟ لا، هذا سلبي؛ لأن هذا أنا لن أسمع ولن أطّلع على هذه الحكاية. فأعرض عنه.
الأمر الإيجابي بالموعظة المستمرة والتذكير بأيام الله وأمره في كل مجلس
وأما الإيجابي: فعِظهم. كل شوية وأنت تسير هكذا، وأنت تتحدث، وأنت في المجالس، وأنت تربي أولادك، تقول: بالمناسبة يا إخواننا الكذب حرام، بالمناسبة يا جماعة النفاق سيُدخل النار، بالمناسبة يا إخواننا هذا الذي لا يردّ إلى الله ورسوله يكون غير صالح وسيّء.
وهكذا تظل تذكر الصدق كما أنهم يظلون يذكرون الكذب. وعِظهم، والموعظة هي التذكير بأيام الله والتذكير بأمر الله، ولا تملّ أنك تظل تعظ تعظ تعظ.
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]
الجمع بين الموعظة العامة والخاصة بمجالسة المنافقين ومحاورتهم بالقول البليغ
طيب، وهذا عام أم خاص؟ قالوا: لا، هذا عام؛ موعظة تتكلم عادةً في خطبة، في مقالة، في مجلس. أنكتفي بهذا أم نأتي بالخاص أيضًا؟ أن نجلس معهم ونقول لهم ونناقشهم ونحاورهم؟ لا، نجلس معهم ونناقشهم ونحاورهم.
فقال:
﴿وَقُل لَّهُمْ فِىٓ أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: 63]
فإذا أُمرنا بالسلب والإيجاب، وأُمرنا بالعموم ثم أُمرنا بالخصوص، فهذه هي النتيجة: إذا أُمرنا بالعمل فيجب علينا أن نعمل له سبحانه وتعالى.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
