سورة النساء | حـ 677 | 54 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 677 | 54 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • الآية الكريمة ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ تبين استنكار الله للحسد وضرورة الرضا بقسمة الله.
  • الرضا والتسليم بأمر الله لا يعني الخنوع، بل يعني السعي مع الرضا، فالإنسان يسعى ويعمل ويدعو مع تسليمه لأمر الله.
  • يتحقق الرقي بالجمع بين الوعي والسعي والرضا والتسليم، دون تعجل أو تبرم أو اعتراض.
  • كلمة "الناس" في الآية عامة تشمل الأنبياء والفقراء والرجال والنساء والمؤمنين والكافرين، وهذا العموم مع خصوصية القاعدة دليل على إعجاز القرآن.
  • التدبر في عبارة "أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله" يكشف اتساعها لتشمل الحسد على الصحة والمال والجمال والعلم والقوة وغيرها.
  • القرآن الكريم يحتاج إلى تحليل لغوي محايد يكشف عن كونه كلاماً إلهياً وليس بشرياً.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة تلاوة آية الحسد من سورة النساء وبيان معناها

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54]

فأُقِرُّ هنا أن الناس تحسد الناس، وأن الحسد قد تولَّد من الغيرة، وعرفنا أن الغيرة منها ما هو طيب ومنها ما هو غير ذلك. وهذا سؤال للاستنكار: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ؟ فهذا الحسد ينكره الله سبحانه وتعالى، وعدم ذلك الحسد هو الرضا بأمر الله.

الفرق بين الرضا والتسليم وبين الخنوع في فهم الإسلام

كان الناس الطيبون في الماضي عندما يجدون شابًا يعترض على طبقته وعلى أبيه وعلى أمه وعلى رزقه وعلى حاله وما إلى ذلك، بعض الناس يقولون: يا بني، أنت ستغير الكون؟ انظر إلى هذه العبارة، فيها رضا وفيها تسليم، لكن ليس فيها خنوع.

هذا [القول بأن الرضا خنوع] فهمٌ ممن قرأ عن الإسلام لا في الإسلام، فهمٌ ممن نظر نظرة عجلى من غير تدبر ولا تربية على يد شيخ، أن هذا خنوع، فدعا إلى عدم الرضا وعدم التسليم خطأً.

نحن ندعو إلى عدم الخنوع مع الرضا والتسليم، وهذا فن. أصبح فن التربية: كيف تكون راضيًا؟

الجمع بين الرضا بقضاء الله والسعي الدائم للتغيير

رضي الله عنهم ورضوا عنه، يعني أنت سترضى عن ربنا وتتلذذ هكذا فيما أقامك الله فيه، ولكن سبحان الله، ما أنت ساكت، أنت تسعى. ما أنت ساكت، أنت تغيّر.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]

ما أنت ساكت، إنك تعمل ليلًا نهارًا. ما أنت ساكت، إنت تدعو وتقول: يا رب. فإذن عندك وعي وعندك سعي وعندك رضا وعندك تسليم.

ومن هنا يحدث أنك تسير في الحياة دائمًا وأبدًا من رقي إلى رقي، وفي نفس الوقت ليس هناك تعجل وليس هناك تبرم وليس هناك اعتراض.

الدعاء مع العمل لا مع الكسل هو طريق نيل فضل الله

وليس هناك جملة تجمع كل هذا الاضطراب [اضطراب النفس بين الرضا والسعي]؟ أنت تقول: يا رب، ولكن يا رب ليس وأنت مستلقٍ على قفاك تحلم، بل يا رب وأنت تعمل.

﴿أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54]

فـ"يا رب" تجعلك تنال من فضله، والرضا والتسليم يجعلك غير متضجر، والسعي يجعلك تنتقل من حال إلى حال بأصل وعد الله لك.

عموم لفظ الناس في الآية يشمل جميع البشر على مر العصور

﴿أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54]

حسنًا، قلنا في حلقة سابقة أن هذا [القرآن] لا يكتبه بشر. لماذا؟ العبارة متقنة جدًا، محكومة جدًا، وفي نفس الوقت عامة جدًا.

أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ، ناس، مَن يدخل فيهم؟ الأنبياء يدخلون، يدخل فيهم الفقراء، يدخل الرجال نعم، النساء نعم، الماضون نعم، الذين سيأتون غدًا نعم، المؤمنون نعم، الكفار نعم. الله! ما هذا!

الجمع بين العمومية والخصوصية في ألفاظ القرآن دليل على مصدره الإلهي

﴿أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ﴾ [النساء: 54]

كلمة عندما تجلس تبحث فيها وتزيد في البحث تتعجب؛ كلمة في غاية العمومية وهو يتكلم عن قاعدة في غاية الخصوصية. هذه المسألة [الجمع بين العموم والخصوص] لا تأتي إلا للأمم بعد تفكُّر عشرات السنين، بل مئات السنين، بل آلاف السنين، وتتولد من هذا الحكمة، وتتولد من هذا الأمثال الشائعة الجارية.

إذن، وسيدنا محمد ﷺ الذي انتقل إلى الرفيق الأعلى في اثنتين وستين سنة وبضعة شهور، والذي أوحي إليه وهو ابن أربعين سنة، ثلاثة وعشرين سنة متفرغ ليفكر كل هذا التفكير الحكمي وكل هذا التفكير اللغوي؟ لا، الحقيقة يعني هذا ممن خلق الشعوب وخلق الزمان وخلق اللغة، هذا هو الله الذي يتكلم.

التأمل في شمولية الآية وسعة معنى ما آتاهم الله من فضله

يقول [الله سبحانه وتعالى]:

﴿أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ﴾ [النساء: 54]

المرء عندما يجلس ويتمتع بالقرآن، يقف عند هذا: أم يحسدون الناس، ما هذا! هذا إلى هنا العبارة هكذا تدخل في تقرير شيء عجيب غريب.

﴿أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ﴾ [النساء: 54]

وبعد ذلك: على ما آتاهم الله، الذي هو ماذا؟ الصحة أو السلطة أو الجمال أو المال أو الذكاء أو العلم أو القوة أو الحضارة أو السعادة أو ماذا بالضبط أو الوحي، ماذا بالضبط الذي هو؟ يحسدون الناس على ما آتاهم الله، هاه، شيء واسع جدًا.

معنى من فضله وكثرة التفاسير المتولدة من إحكام الآية القرآنية

من فضله، من فضله يعني من زيادته، يعني هو مغرقهم في الخير، أو من فضله يعني بأمره وكما يشاء، تصلح وتصلح [كلا المعنيين].

الله! إذا كانت الآية بهذا الشكل سيكون فيها تسعمائة تفسير، فيها تسعمائة تفسير وهي لم تكتمل سطرًا؟ ماذا هذا؟ ما الأمر؟ أخبروني إذن، أحضروا لي شيئًا وافعلوا به هكذا [أي ائتوا بكلام بشري يضاهي هذا الإعجاز].

دعوة جاك بيرك لتحليل القرآن لغويًا والتأكيد على إعجازه وختام الحلقة

لقد كان هناك مترجم اسمه جاك بيرك ترجم معاني القرآن إلى اللغة الفرنسية، فكتب مقدمة مليئة بما في القلوب، فقال: نريد أن نحلل القرآن تحليلًا لغويًا.

حسنًا، تعال، تعال لنحلله تحليلًا لغويًا، ما هذا؟ حسنًا، نحن موافقون، تعال وحلله تحليلًا لغويًا، لكن حلله تحليلًا لغويًا محايدًا، لا أن تحلله تحليلًا لغويًا واضعًا في ذهنك أنه من كلام البشر، بل حلله تحليلًا لغويًا باحثًا عما إذا كان من كلام البشر أم لا.

وتعالوا الآن انظروا ما هذا، ما هذا الكلام، إنه كلام جميل والله:

﴿أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.