سورة النساء | حـ 688 | 59 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 688 | 59 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • تتناول الآية الكريمة "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها" وجوب طاعة الله والرسول وأولي الأمر.
  • الاجتهاد في الإسلام باقٍ إلى يوم القيامة ولا ينغلق أبداً، وهو فرض في كل عصر.
  • لا يخلو عصر من المجتهدين رغم قلتهم، فعددهم عبر الزمان لا يزيد عن المائة.
  • يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد للأمة أمر دينها.
  • عند فساد أولي الأمر تكون المسؤولية مشتركة ويُتداول الأمر كما يأمر الإسلام.
  • عند التنازع في أي أمر يُرد إلى كتاب الله وسنة رسوله، فهما النظام الذي يعلو على الأشخاص.
  • من سر إعجاز القرآن مرونته وصلاحيته لكل زمان ومكان، فهو معجزة باقية ومحفوظة.
  • يحتاج القرآن إلى من يفهمه، ويحتاج المسلم إلى السعي العلمي مع الدعاء لفهم مراد الله.
  • النظام الإسلامي يجعل السيادة للشرع لا للأشخاص، فالمسلم حر في عبوديته لله.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

افتتاح الدرس وتلاوة آيتي الأمانة والطاعة من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، ومع تلك الآية العظيمة التي أوردها الله سبحانه وتعالى في إثر آيات الأمانة:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِٱلْعَدْلِ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِٓ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: 58]

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ وَأُولِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]

سؤال عن فساد أولي الأمر أو انعدامهم وكلام الجويني في غياث الأمم

وسألنا سؤالًا: ماذا لو فسد أولو الأمر أو انعدموا؟ أما الانعدام فمتصوَّر في العلماء؛ لأنه قد يُعدَم المجتهد.

وهكذا تكلم الإمام الجويني كلامًا حسنًا طويلًا فيما لو خلت الأرض، خلت الأرض من المجتهد، في كتابٍ سمّاه «غياث الأمم في التياث الظُّلَم». يعني يريد أن يُنوِّر الظلمة، يريد أن يُنير عندما يحدث أن العلماء قد ذهبوا وأن المجتهد لا وجود له؛ تصبح مصيبة.

بقاء الاجتهاد فرض كفاية في كل عصر وكتاب السيوطي في ذلك

ولذلك رأى المسلمون أن الاجتهاد باقٍ إلى يوم القيامة، وأن الاجتهاد لا يُغلق أبدًا، وأنه من الفروض أن يكون في الناس مجتهد في كل عصر.

فألّف الإمام السيوطي كتابه الماتع «الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض». فلا بدّ لله من حجة في كل عصر يقوم، وإن كان قليلًا؛ فإن المجتهدين عبر الزمان لا يزيد عددهم عن المائة، ولكن لا يخلو عصر من الاجتهاد ومعرفة الحوادث وأحكام الله فيها وإرشاد الناس وإحياء علوم الدين كما يسمّي الإمام الغزالي كتابه.

بشارة النبي ببعث مجددين على رأس كل مائة عام لإحياء الدين

فهناك كما بشّر رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لأمتي أمر دينها»

فإنه في كل مائة عام يبعث الله سبحانه وتعالى ويوفّق الله من المسلمين من يُحيي شباب الإسلام في صدور الأمة، ومن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ومن يوضّح لهم المنهاج والسبيل إذا انحرفوا ومالوا عنه، ومن يُرقّق القلوب لذكر الله؛ فإن من الناس من إذا رأيته ذكرت الله.

الحمد لله على نعمة الإسلام وحفظ الكتاب والأمة إلى يوم القيامة

فالحمد لله على نعمة الإسلام وما منّ الله به علينا من حفظ نبينا، ومن حفظ كتابنا، ومن حفظ كعبتنا، ومن حفظ أمتنا إلى يوم القيامة.

فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين وأوضح لنا سُبُل الدين.

ماذا نفعل إذا فسد أولو الأمر والمسؤولية والمشاركة والتداول في الإسلام

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ وَأُولِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]

فإذا فسد أولو الأمر فماذا نفعل؟ المسؤولية، والمشاركة، والتداول يأمر بها الإسلام قديمًا. أخذوها منا وعرفوا كيف ينظّمونها وكيف يطبّقونها إلى مؤسسات وإلى برلمان وإلى فصل السلطات وإلى كذا وكذا.

ولذلك فإننا عندما استحسنّا أن نفعل هذا [أي تنظيم الحكم بالمؤسسات] لم نستحسن شيئًا خارج الإسلام.

نظام الطاعة الفردي والجماعي في مختلف مستويات المجتمع الإسلامي

نظام فردي نطيع فيه الله والرسول ومن يأمرنا في جماعتنا: في جماعة مسجدنا نطيع الإمام، وفي جماعة مدرستنا نطيع المعلم، وفي إدارتها نطيع ناظر المدرسة ومديرها، في المصنع يطيع [العاملُ] المهندسةَ ورئيسَ العمال. وهكذا أولو الأمر [في كل مستوى من مستويات المجتمع].

حكم التنازع ورد الأمر إلى الله والرسول وتحويل العلاقة الشخصية إلى نظامية

ثم بعد ذلك يقول [الله تعالى]:

﴿فَإِن تَنَـٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍ﴾ [النساء: 59]

والشيء يُطلق على ما قلّ أو كثر، يُطلق على أي موجود وثابت وحاصل شيء.

فإن تنازعتم في شيء فماذا نفعل؟ ها نحن الآن قد أصبحت علاقتنا هي علاقة إنسان بإنسان، فنريد أن نحوّلها إلى علاقة الإنسان بالنظام.

تبقى إذا كان المخرج هو تحويل الأمر عندما يصل إلى حدّ النزاع من علاقة شخصية إلى علاقة نظامية؛ إذن هذا معناه أنه لا بدّ من وجود نظام يعلو على الأشخاص ويبقى بعدهم ويكون قبلهم نظامًا.

كتاب الله وسنة رسوله هما النظام الأعلى الذي لا يُتجاوز

وما النظام؟ كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هما النظام؛ لا يمكن أن نتجاوز، هو [كتاب الله] الذي يُنشئ النظام السائد فلا نتجاوز، أو لا يكون ذلك [النظام الذي نضعه] مخالفًا؛ لأن هذا الكتاب صالح لكل زمان ومكان أبدًا.

إن هذا سرّ إعجازه: أنه من المرونة في التشريع، ومن العمومية فيه، ومن الخصوصية أيضًا في جزء منه، ما جعله قد رسم سقفًا يصلح للبشرية إن أرادت الإيمان إلى يوم الدين.

القرآن معجزة محفوظة تغني عن إرسال نبي جديد وتبقى نظامًا خالدًا

وهذا هو الذي جعل هذا الكتاب معجزة للرسالة، نبيًّا مقيمًا فيما بيننا من غير حاجة إلى إرسال نبي ولا رسول. جعله الله محفوظًا؛ لم يأته الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولم يُتصرَّف في حرف فيه ولو على مستوى الأداء الصوتي.

إذن هذا الكتاب هو النظام، ولكنه يحتاج إلى من يفهمه، ويحتاج منا أن ندعو الله سبحانه وتعالى مع سعينا العلمي الحثيث لإدراك المناهج بأن يوفّقنا لمعرفة مراده [سبحانه].

ردّ التنازع إلى الله والرسول يعني الرجوع إلى الكتاب والسنة كنظام

﴿فَإِن تَنَـٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ [النساء: 59]

الله والرسول يعني النظام: الكتاب والسنة.

﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ﴾ [النساء: 59]

لا بدّ عليكم أن تجعلوا لأنفسكم مرجعًا تحوّلون فيه الشخصنة إلى النظام.

الإسلام أعلى من الديمقراطية في سيادة النظام وتحقيق الحرية الحقيقية

فهل يوجد من كتب في الديمقراطية من كتب أعلى من هذا؟ إنهم يدّعون أن يسيطر النظام على الأشخاص، والله سبحانه وتعالى لا يجعل السيطرة لأحد إطلاقًا حتى في وضع النظام.

فنحن أشدّ حرية في عبوديتنا لله من كل أحد، والحمد لله رب العالمين. يفهم من يفهم، ولا تصل الرسالة إلا إلى قلوب من فتح الله عليهم.

فاللهم بلّغ بنا دينك يا رب العالمين، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.