سورة النساء | حـ 573 | 7 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 573 | 7 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يقرر النص التفريق بين مفهومي "ما ملك" و"ما ترك" في سياق التصرف بالمال والميراث.
  • المال أحد المقاصد الخمسة الكبرى التي جاءت الشرائع لحمايتها مع حفظ النفس والعقل والدين وكرامة الإنسان.
  • يحق للإنسان التصرف في ماله حال حياته بما يرضي الله، دون إسراف أو تبذير، ويمكنه تخصيص بعض أبنائه بجزء من ماله لسبب معقول.
  • الإنسان حر في التصرف في ملكه حال حياته وتوزيعه كيف يشاء بسبب معقول، حتى وإن لم يساو بين الأولاد.
  • استدل النص بحديث نبوي عندما جاء رجل يطلب من النبي الشهادة على تخصيص ابنٍ بعطية، فقال له: "أشهد عليه غيري".
  • ينبغي عدم الخلط بين التصرف في الملك حال الحياة والتصرف في التركة بعد الموت.
  • التفريق بين الأبناء في العطية جائز مع وجود سبب معقول، لكنه قد يسبب مشاعر سلبية بينهم.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة الحلقة وبيان موضوع أسس العلاقة بين الرجل والمرأة في سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يعلمنا أسس الاجتماع البشري، أسس العلاقة بين الرجل والمرأة، باعتبار ذلك أول أساس لهذا الاجتماع الذي نحن فيه:

﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: 7]

نقف هنا عند كلمة "تَرَكَ"، قلنا في حلقة سابقة أن هذا يشير إلى التركة [أي ما يتركه الإنسان بعد وفاته]، وأن ما تَرَكَ بخلاف ما مَلَكَ؛ فأنا معي مُلك أو مِلك في الدنيا.

المقاصد الخمسة الكبرى التي جاءت الشرائع لحمايتها وحفظ المال منها

هذا المُلك هو من المقاصد الخمسة الكبار التي جاءت كل الشرائع لحمايتها:

  1. حفظ النفس.
  2. حفظ العقل.
  3. حفظ الدين.
  4. حفظ كرامة الإنسان — كنا نسميه قديمًا العِرض، اليوم في أدبياتنا يقولون كرامة الإنسان، حقوق الإنسان هكذا. كرامة الإنسان ألا نعذبه، ألا نمس جسده بعذاب حتى نأخذ منه اعترافًا أو نحمله على أن يقول ما لم يفعل.
  5. حفظ المال — وهو أن المُلك أساس [من أسس الحياة]، وأن الإنسان حر في التصرف في ماله بما يرضي الله.

كرامة الإنسان والملكية [حفظ المال] الذي هو أن الإنسان حر في التصرف في ماله بما يرضي الله.

النهي عن الإسراف والتبذير وحماية المال من السفهاء في القرآن الكريم

لا يجوز له شرعًا أن يُسرف:

﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]

ولا يجوز شرعًا أن يُبذّر ماله وأن يُفقده في كل جانب:

﴿إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوٓا إِخْوَٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ﴾ [الإسراء: 27]

ربنا نهانا عن هذا، وقبل هذا [قال تعالى]:

﴿وَلَا تُؤْتُوا ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ﴾ [النساء: 5]

هي مُلكه، ولكن لأنه سفيه وبدأ في التبذير والتفريط وما إلى ذلك، فجعل [الله] لنا سلطانًا على هذا المال الذي به قوام الدنيا:

﴿وَلَا تُؤْتُوا ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰمًا﴾ [النساء: 5]

يعني تقومون بها هكذا. وقلنا حينئذ أن المال عصب الحياة.

حكم تصرف الإنسان في ملكه حال حياته وتوزيعه على أبنائه بسبب معقول

إذا كان ملكي فيه [أتصرف فيه] كيف أشاء ومتى أتصرف. ويكثر السؤال فيها: بأنني أريد أن أترك أبنائي أغنياء لا يتكففون الناس، فأكتب لهم ملكي أو شيئًا من ملكي.

ما ليس هناك مانع ما دام ذلك لا يُحدث فتنة. والفتنة ما شكلها؟ أن تعطي بعضهم وتحرم بعضهم من غير سبب.

فماذا لو كان بسبب؟ لا، إذن يوجد سبب سأتكلم مع الله به. أعطيتُ، لماذا هذه البنت ولم تُعطِ الولد؟ أقول له: يا رب، لأنها كانت لم تتزوج أو لم تتعلم، أو الولد الله فتح عليه من الرزق الواسع والبنت الله ضيّق عليها في الأرزاق، فأعطيتها لأجل هذا الغرض، وهذا غرض صحيح.

أمثلة على الأسباب المعقولة للتفضيل بين الأبناء في العطاء حال الحياة

أو أنه يعطي الولد مثل البنت لأن البنت لديها أطفال كثيرون، والولد ليس لديه أطفال كثيرون، أي أن هناك غرضًا، أي أن هناك حاجة.

هذا [الولد] ساعدني في التجارة ووقف معي في الحقل يزرع ويقلع، أما أخوه فهو ما شاء الله مهندس وطبيب في المدينة. فهو هذا الولد الذي حرمناه من المدينة وحرمناه أكثر من الثاني، شيء مثل هذا يكون السبب [المعقول للتفضيل].

يعني أُعطي شيئًا من ملكي أو كل ملكي، أنا حر أتصرف فيه كيف أشاء، ثم تمّت [الهبة]، فلا أترك شيئًا، لا أترك شيئًا، أو أترك شيئًا قليلًا: تركتُ الساعة، تركتُ الثياب، تركتُ المصحف، تركتُ شيئًا قليلًا.

الفرق الجوهري بين التصرف في الملك حال الحياة والتصرف في التركة بعد الوفاة

لكن ما دام التصرف في عين الحياة [أي حال حياة الإنسان]، فليس هذا التصرف فيما تَرَكَ، بل فيما مَلَكَ. فهذا ملف وذاك ملف آخر.

بعض الناس يذهبون ليسألوا المشايخ فيخلطون عليهم. يسأله الشيخ فيقول له: هل يجوز للشخص أن يتصرف في تركته؟ فالرجل [الشيخ] يقول له: لا، وهو محق، فلا يجوز [التصرف في التركة لأنها حق الورثة بعد الوفاة].

يقول له: لكن نحن سمعنا شيخًا يقول إنه يتصرف في تركته! فيقول له: هذا ضلال. نعم، هو صحيح، هو صحيح الكلام من الشيخ هذا هو صحيح، لكن السائل هو الذي مخطئ؛ لأن السائل يسأل في ملف ما تَرَكَ وليس ما مَلَكَ.

أهمية صياغة السؤال الصحيح وأثره في الحصول على الجواب الشرعي السليم

عدّل السؤال واسأله: هل يجوز للإنسان أن يتصرف في ملكه كيف يشاء؟ فسيقول لك: نعم، بإجماع الأمة، لا جدال في ذلك.

إذن انتبهوا: حتى السؤال يجعل الجواب خاطئًا؛ لأن السؤال خاطئ في حد ذاته. فيكون لدينا ما تَرَكَ ولدينا ما مَلَكَ.

أما فيما مَلَكَ فلا بد عليه أن يتصرف بما يرضي الله، بسبب معقول. له أن يتصرف بما يرضي الله وبسبب معقول، بما يرضي الله فيكون: ما لا إسراف ولا تبذير ولا سفه، وبسبب معقول. نعم، يجوز أن يوزع على الأولاد، وحتى لو لم يُساوِ بينهم أو لم يُراعِ نسبهم [في الميراث الشرعي]، فإنه ما دام بسبب [معقول يجوز ذلك].

قصة الرجل الذي جاء النبي ﷺ ليشهد على عطيته لابنه واستدلال الإمام الشافعي

لأن النبي ﷺ لما جاءه الرجل قال له: ماذا يا رسول الله؟ اشهد عليّ، اشهد [أنني أعطي ابني]. فقال [النبي ﷺ]:

«أأعطيتَ كلَّ ولدك مثله؟»

قال: لا. فافترض أنه قال: نعم، لكان النبي ﷺ قال له: ما لك، تعال أشهد عليك. ولكنه قال: لا ما أعطيتُ، أنا أعطيتُ هذا فقط. قال [النبي ﷺ]:

«أشهِد عليه غيري، أشهِد عليه غيري»

يقول الإمام الشافعي: إذن فهو صحيح [أي العقد صحيح]؛ فإن النبي ﷺ لا يأمر بالإشهاد على شيء باطل. والله! والباقي لا [يقولون بذلك]. نعم، هو خطأ ولكن صحيح.

كيف صحيح؟ صحيح، عقد صحيح، انتهى الأمر، يملكه ويتصرف فيه.

التحذير من تخصيص بعض الأولاد بالعطاء بدافع الغيظ والكيد بين الزوجات

فإذا خصّ الولد عن بقية إخوته، نعم سيحدث في القلوب شيء [من الحزن والغيرة]. وأزيد على ذلك أنه إن كانت أم هذا الولد هي التي دفعته إلى أن يكتب للولد لكي تُغيظ المرأة الأخرى — فقد كان متزوجًا من اثنتين — وذاهب ليقول للنبي ﷺ هكذا لكي يُغيظ المرأة الأخرى أيضًا.

وعلى فكرة، نحن جعلنا النبي ﷺ يشهد على ما نحن فيه هكذا! فقال له [النبي ﷺ]:

«أشهِد عليه غيري، لا تستعملوني أنا في الأمور التي بينكم هذه»

ها، عليه الصلاة والسلام:

«أشهِد عليه غيري، أنني لا أشهد على ظلم، إنني لا أشهد على جَور»

الفرق بين العدل والمساواة في توزيع العطايا والتفريق بين ما ملك وما ترك

يبقى إذن عدم الشهادة على الجور جاءت من أين؟ جاءت من أنه لم يعدل بين أبنائه. عدل تساوٍ ولا مساواة؟ لا، عدل مساواة، يعني يعطي هذا أكثر من هذا، يعطي هذا قدر هذا، ما فيه مانع، وهكذا.

ولذلك لا بد علينا هنا أن نفرّق بين ما مَلَكَ وما [تَرَكَ].

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.