سورة النساء | حـ 570 | 5 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 570 | 5 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • يشرح النص تفسير الآية "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا".
  • يوضح أن الله وصف مال السفهاء بأنه مال المجتمع، مما يستدعي تدخل المجتمع للحفاظ عليه من التبذير والإسراف.
  • المال عصب الحياة كما وصفه الله "التي جعل الله لكم قياما"، وقد استعان به النبي صلى الله عليه وسلم في بناء دولة الإسلام بالمدينة.
  • النظام الإسلامي لا يكتفي بمصادرة مال السفيه بل يضمن رعايته ورزقه "وارزقوهم فيها واكسوهم".
  • الرزق يشمل الطعام والعلاج والتعليم والسكن، والكسوة تعني الملبس اللائق.
  • يجب معاملة السفهاء بالكلام الطيب والتأهيل النفسي والتدريب "وقولوا لهم قولا معروفا".
  • هذا النظام يحفظ المال ويرعى الإنسان ويقضي على البطالة ويحقق التكافل الاجتماعي.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة سورة النساء وقواعد الاجتماع البشري والأمن الاجتماعي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يرسم الله لنا قواعد الاجتماع البشري، ويتحدث عن الأمن الاجتماعي الذي أخذه عنّا العالم، والذي نرجو ألا نكون قد نسيناه. نرجو الله ألا نكون قد نسيناه.

لدينا مؤسسات أنشأناها ونحن نعتقد أننا نقلّد الغرب والشرق، ولدينا وزارات؛ فهناك وزارة تُسمّى وزارة التضامن وكان اسمها الشؤون الاجتماعية. هذه الوزارة ينظّم الله سبحانه وتعالى عملها؛ فلدينا شيء يُسمّى بنك ناصر الاجتماعي أنشأناه سنة سبعين.

تفسير آية لا تؤتوا السفهاء أموالكم ومعنى ملكية المال في الإسلام

لكن الله أنزل في القرآن، فقال وهو يعلّمنا كيف نجتمع كبشر كبني آدم، فيقول:

﴿وَلَا تُؤْتُوا ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ﴾ [النساء: 5]

هي ليست أموالكم في الواقع، هذه أموالهم هم. السفيه عنده ماله ويصرف فيه، يُبذّر فيه، يُسرف فيه، وإسرافه وتبذيره مكروه عند الله؛ إنه لا يحب المسرفين. فسمّى ماله «أموالكم».

إذن المجتمع يجب أن يتدخّل، المجتمع الذي هو ماذا؟ الهيئة الاجتماعية. هذا النظام يقول يجب أن يكون لدينا نظام قائم، وما دام هناك نظام قائم يُطبَّق فهو لا ينفع إلا هكذا.

معنى أن المال قيام للحياة وأنه عصب الحياة في القرآن الكريم

﴿وَلَا تُؤْتُوا ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ﴾ [النساء: 5]

من أنتم الذين تؤتون السفهاء أموالكم؟ إن أموالنا لن نعطيها للسفهاء.

﴿ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰمًا﴾ [النساء: 5]

فـالمال عصب الحياة، وهذه كلمة توصّل إليها واحد من رجال الأعمال كحقيقة كونية، ولكن ربنا يقول لنا: ها هي أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا، أي لن تقوموا إلا بالمال؛ فالمال عصب الحياة.

يأتي أحدهم يقول: المال عصب الحياة، هذه دنيوية، هذا شيء سيّء هذا. من الذي قال هذا؟ ربنا هو الذي يقول:

﴿ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰمًا﴾ [النساء: 5]

انظر كلمة «قيامًا» تعني لن تقوموا إلا بالمال.

تجربة النبي ﷺ في بناء الدولة وأهمية المال في نشر الدين

سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في مكة، دعا إلى الله ولكنه لم يستطع في وسط مقاومة الشرك ومقاومة الإلحاد ومقاومة الفساد أن يُنشئ دولة. قال لهم: سنعمل دولة هنا، سأعلّمكم كيف تُنشئون، لا فائدة.

ذهب إلى الطائف، جيران، لا فائدة، وضربوه وأهانوه وآذوه صلى الله عليه وسلم. فذهب إلى المدينة وجاء المال، فبنى دولة وبنى مؤسسات، واستطاع أن ينشر دين الله. بماذا؟ بالمال.

فعندما يأتي المال تنجح.

وجوب الرقابة على أموال السفهاء ورزقهم وكسوتهم من أموالهم

﴿وَلَا تُؤْتُوا ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ﴾ [النساء: 5]

يبقى هناك رقابة وهناك مؤسسة وهناك نظام.

﴿ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰمًا﴾ [النساء: 5]

حسنًا، وماذا نفعل بهم؟

﴿وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ [النساء: 5]

ما دمنا قد أخذنا أموالهم هكذا وصادرناها، نصادرها ونتركهم يعضّون في الأرض؟ لا! يبقى ظلم، يبقى تأميم لممتلكات الناس من غير معنى. يجب أن تعمل نظامًا للرعاية والعناية؛ خُذ وأعطِ، وليس تأخذ فقط. تأخذ فقط يبقى ظلمت.

الفرق بين وارزقوهم فيها ومنها ومعنى الكسوة والحياة الكريمة

﴿وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ [النساء: 5]

وليس «منها».

﴿وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ﴾ [النساء: 5]

ارزقوهم فيها واكسوهم. يبقى يتحدث عن الحياة الكريمة، ولم يقل «أطعموهم» بل قال «ارزقوهم»؛ بما يشمل العلاج، وبما يشمل التعليم، وبما يشمل الطعام والشراب، وبما يشمل السكن.

واكسوهم: اكسوهم وليس «استروهم»، وليس أن تأتي له بقطعة خرقة هكذا وتجعله يستر بها عورته. لا، بل تصنع له كسوة، والكسوة تكون منظرها جميل. انظر للكلام!

معنى قولوا لهم قولًا معروفًا والتعامل الإنساني مع السفهاء

﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [النساء: 5]

فيجب أن تعملوا لهم دورات تدريبية وتربوية ونفسية، وتقولوا لهم: أنتم لديكم ثواب عند الله، هذا أنتم هكذا، يجب أن تتدرّبوا وتعملوا، وهكذا إلى آخره. كلام جميل!

أنت تعلم المال الذي أخذناه منك هذا هو الذي يسيّر هذا المجتمع كله. أنت تعلم، أنت يعني اثنان مثلك لا يوجد في الأرض.

﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [النساء: 5]

لا تقهروا أنفسهم، لا تقول له: يا ظالم، يا حرامي، يا مفترٍ، اخرج فأنت كنت تسرق أموال الشعب! لا، ربنا لم يقل هكذا.

المنهج الإسلامي المتكامل في التعامل مع أموال السفهاء وعلاجهم نفسيًا

ربنا قال: نأخذ الشيء ونسيطر عليه ونشغّله ويفيد المجتمع، ولا ننساه، وكذلك نعالجه من الحالة النفسية التي يعانيها من الإسراف. هذا شيء متكامل جدًّا هكذا، نعم والله.

بخلاف عندما يأتي نظام للتأميم، ونظام التأميم يأخذ مال الناس، نعم جيد رقم واحد فقط، ويترك الناس تموت أو تحقد على المجتمع أو تهاجر منه؛ فلا يكون نظامًا كاملًا.

أين إذن «وقولوا لهم قولًا معروفًا»؟ يا إخواننا، لو تركنا عنصرًا من العناصر تختلط والدنيا تضطرب، وإذا أضفنا عنصرًا مؤثرًا تضطرب الدنيا.

ضرورة تكامل عناصر المنهج الإلهي وعدم الاكتفاء بالشكليات دون التطبيق

لقد حلبت قليلًا من اللبن ولكن أضفت إليه ترابًا، فأصبح طينًا وليس ترابًا [أي فسد اللبن]. لقد أحضرت البقرة وأحضرت كل المعدّات، ولكن لم أحلب؛ فلا يوجد إنتاج.

تقول لي: لا، الحمد لله إننا أفضل من غيرنا كثيرًا، فالبقرة موجودة والدلو موجود هذا، والقفّازات هذا، وكل شيء والحمد لله. جيد، أحضرنا البذر والأرض لم نزرعها؛ فلا يصلح الكلام!

إذن نحن المخطئون، ويجب أن نتعامل مع كتاب الله باعتباره يرسم لنا البرامج والخطط، ولكن تحتاج إلى عدالة وإنصاف وشفافية وإيمان ورحمة، ونطبّق لوجه الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.

فلسفة ملكية المال في الإسلام وأن الله هو المالك الحقيقي وتقليب الأموال

﴿وَلَا تُؤْتُوا ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰمًا﴾ [النساء: 5]

هذه الأموال لماذا وما فلسفتها؟ إن آخذها، إن هذه من جعل الله، جعل الله التي جعل الله. من الذي خلق هذه الأموال؟ الله. إذن المالك الحقيقي هو الله.

«جعل الله لكم قيامًا» أي جعلها الله لكم قيامًا، يعني جعل الله القيام بها.

﴿وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [النساء: 5]

لو جلست تتأمّل فقط: «فيها» وليس «منها». «فيها» تُذهب البطالة، تذهب البطالة. «وارزقوهم فيها» يعني تقليب الأموال وليس منها. هذه «فيها» انتبه!

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.