سورة آل عمران | حـ 491 | 142 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح الكاتب معنى قوله تعالى في سورة آل عمران: "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين".
- •يوضح أن دخول الجنة يتطلب الابتلاء والاختبار والصبر، وأن الله يعلم كل شيء قبل وقوعه.
- •الابتلاء في الإسلام له فلسفة واضحة، فأشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.
- •الصبر الجميل لا يكون مع التبرم والإحباط، بل مع الاستمرار والاستيعاب والتجاوز في طريق الله.
- •تجاوز المحنة والاستمرار في طاعة الله يحول المحنة إلى منحة، فتكون محنة في ظاهرها منحة في حقيقتها.
- •يتناول النص مسألة نحوية في الآية حول كسر الميم في "يعلمِ الله"، موضحاً أنها كسرة صوتية وليست كسرة إعرابية.
- •هذه الكسرة جاءت للتخلص من التقاء الساكنين، حيث أن "لما" من الحروف الجازمة التي تجزم الفعل المضارع.
- •يبين جمال اللغة العربية في معالجة التقاء الساكنين بالكسر الصوتي.
مقدمة في تقرير حقيقة كونية وإيمانية من سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يقرر حقيقة كونية وإيمانية؛ من أجل أن يتعلم المؤمن كيف يتعامل مع الحياة، ومن أجل أن يدرك المؤمن حقيقة من حقائق الإيمان التي يتعامل الله بها معه في الدنيا والآخرة.
تفسير آية الابتلاء وحقيقة دخول الجنة بالجهاد والصبر
يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ [آل عمران: 142]
يعني أتدخلون الجنة مجانًا من غير مشقة؟ أم أن الأمر يحتاج إلى اختبار وابتلاء وامتحان وصبر؟
فيعلم ربنا وهو عليم قبل ذلك بما كان وما سيكون، وما قد يكون فيما لو كان، يعلم كل شيء؛ يعلم ما سيقع في حقيقة الأمر، ويعلم ما وقع، ويعلم أنه لو وقع كذا وكذا فما الذي كان يمكن أن يكون وهو لم يقع، يعني مع الافتراض. فهو عليم بكل شيء ولا يحتاج أن تظهر هذه الأشياء في الحياة الدنيا حتى يعلمها هو.
فلسفة الابتلاء في الإسلام وعودة منفعته على المؤمن
وإنما هو [الله سبحانه وتعالى] يسلّي خواطرنا بأن ذلك الابتلاء والامتحان والاختبار عائد في منفعته إلينا؛ فالله سبحانه وتعالى ينجّحنا فيه ويعطي لنا الدرجة فيدخلنا الجنة.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ [آل عمران: 142]
إذن هذا كاشف لفلسفة الابتلاء في الإسلام. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ، ثم الأمثلُ فالأمثلُ»
إذن عندما تأتيني المصيبة أو البلاء لا أتضجر، وإنما أتعامل معها بما يرضي الله، والذي يرضي الله هو الصبر الجميل.
حقيقة الصبر الجميل وتحويل المحنة إلى منحة بالاستمرار في طريق الله
والله المستعان على ما تصفون، فاصبر صبرًا جميلًا. إذن يجب علينا أن نصبر الصبر الجميل.
والصبر الجميل لا يكون مع التبرّم والإحباط واليأس والانهيار، بل يكون مع الاستمرار ومع الاستيعاب ومع التجاوز ومع الاستمرار في مراد الله سبحانه وتعالى.
أمرنا [الله] أن نتجاوز المحنة وأن نستمر بعدها في طريق الله كما كنا قبلها؛ فإذا فعلنا ذلك حوّلنا المحنة إلى منحة، فتكون محنة في ظاهرها، منحة في حقيقتها.
إعراب يعلمِ الله والفرق بين الكسرة الإعرابية والكسرة الصوتية
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 142]
«يعلمِ» هذا فعل مضارع، وبعد ذلك إذ بقي هنا، ترى عليه ماذا؟ كسرة. الميم عليها كسرة، وأخذنا في المدرسة أن الفعل لا يُنكسر. هذا الذي يُنكسر ماذا؟ الاسم، والجرّ من علامات الأسماء.
كيف نعرف الاسم من الفعل؟ أن الاسم يُجرّ والفعل لا يُجرّ. فهذا هنا فيه كسرة، أليست هذه الكسرة من علامات الجر فيكون الفعل مجرورًا؟ أم ماذا؟ قال لك: لا، هذه الكسرة هنا ليست حقيقية، هذه كسرة صوتية، كسرة صوتية وليست كسرة فعلية.
علامات تمييز الاسم عن الفعل والحرف في النحو العربي
الكسرة الفعلية [الإعرابية] هي التي من خصائص الأسماء؛ بالجرّ والتنوين والنداء وقبول «أل» ومُسنَد إلى الاسم، تمييز حاصل.
يعني الاسم يتميز عن الفعل والحرف؛ إن الاسم ما يُجرّ. كذلك هو [الفعل «يعلمِ»] يُكسر ولكن كسرة ما [هي] حقيقية. إذن هذه كسرة ما؟ قالوا: لا، هذه كسرة صوتية.
يعني ما كسرة صوتية؟ يعني أصل هو الفعل هنا مجزوم، يعني ما [معنى مجزوم]؟ يعني عليه سكون، ولكن هذه هنا عليها كسرة ما [هي إعرابية]؟ نعم، هذه كسرة صوتية.
شرح التقاء الساكنين في ولمّا يعلمِ الله وكيفية التخلص منه بالكسر
إذن هي أصلًا ما هي [كسرة إعرابية]؟ أصلًا «ولمّا يعلمْ» سكون، ها هي، فهي «يعلمْ الله». «يعلمْ الله»، همزة لفظ الجلالة وصل، يبقى فيها سكون أيضًا، يبقى فيها سكون.
إذن نحن فتحناها، لماذا؟ لأن نحن بدأنا بها؛ عندما نأتي نبدأ نفتح: «الله». آه، قال: «الحمدُ لله». آه، هذا نفتح. هذا قال: «الحمدُ لله». آه، قال: ولد، قال: بنت، كل «قال» يجب أن تبقى مفتوحة.
قال: طيب، هيّا ماذا نوصلها؟ رأيتَ، الرأيتَ الولد، رأيتَ البنت. ذهبت، أين الهمزة؟ قال: هذه سقطت وُصِلت.
مشكلة التقاء الساكنين في يعلمِ الله وحلها بالكسرة الصوتية
فهذه ماذا؟ «رأيتَ الله»، «رأيتَ الله في كل شيء» مثلًا. فجاءت الميم ساكنة والهمزة بعدها ماذا؟ ساكنة. انطقهما هكذا، لا تقدر! وهذا يسمونه التقاء الساكنين.
التقاء الساكنين: وعندما «يعلمْ الله»، وعندما «يعلمْ الله»، وعندما «يعلمْ الله»، هذا ثقيل الكلام. التقاء الساكنين هذا يكون أمرًا صعبًا جدًّا؛ سنظل نفعل هكذا، نقول: «يعلمْ الله».
طيب، هو لا يعرف ثقله؟ العرب كانت نزيهة وكانت جميلة هكذا وسهلة. قال: طيب، ونتخلص من الساكنين كيف؟ قال: بأنها تُكسر.
تطبيق قاعدة الكسرة الصوتية للتخلص من التقاء الساكنين في القرآن
حسنًا سنكسر، ماذا أكسر؟ الميم كسرة، أي كسرة صوتية. إذن هذا ليس جرًّا ولا شيء، هذه كسرة صوتية للتخلص من التقاء الساكنين: «يعلمِ الله».
والله هذه جميلة! انظر إلى جمال اللغة العربية: «يعلمِ الله»، أجمل. غلام اسمه يحيى، أجمل. زادتني الحسنى جمالًا، جميلة جيدة.
هل تنتبه؟ قم، فماذا تجد فيها كسرًا هكذا؟ فما هذا الكسر؟ إنه كسر صوتي للالتقاء، للتخلص من التقاء الساكنين؛ ساكن وساكن، نتخلص منهما بماذا؟ نتخلص منهما في الحالة التي مثل هذه بالكسر.
إعراب لمّا الجازمة في الآية وختام الدرس
فيكون إذن:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا ٱلْجَنَّةَ﴾ [آل عمران: 142]
وأما «لمّا» فما هي؟ «لمّا» هذه يقول لك من الجوازم؛ أربعة حروف تجزم هكذا، وهناك أشياء أخرى في الشرط تجزم. فهنا عندما مثل «لم» تجزم هكذا بلا [حركة]، ولا [شيء]، من طالب: ضع جزمة في الفعل هكذا بـ«لم».
وعندما أما «لمّا» هي حرف [جزم]، أما يبقى هذه «لمّا» الخاصة بنا هذه: «ولمّا يعلمِ الله».
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
