سورة آل عمران | حـ 533 | 179 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الله سبحانه لا يترك المؤمنين على مجرد ادعاء الإيمان حتى يميز الخبيث من الطيب من خلال الابتلاء والامتحان.
- •فكرة الامتحان في الحياة كالامتحان في العلم، حيث يتبين من خلاله من أدى واجبه ومن قصّر، ومن يستحق النجاح ومن يستحق الإخفاق.
- •الله يغضب ممن يقولون ما لا يفعلون، فالإيمان ليس مجرد كلام بل عمل وتطبيق.
- •مع أن الله عالم بالغيب والظاهر والباطن، إلا أنه لا يُطلع عباده على الغيب، ويجتبي من رسله من يشاء ليبلغوا الناس ما يُمتحنون به.
- •التسجيل للامتحان يكون بالإيمان بالله ورسله، ثم التقوى بتنفيذ البرنامج: افعل ولا تفعل.
- •البرنامج محدود ومعلوم: الصلاة والصوم والزكاة والحج، وترك الزنا والقتل والسرقة والكذب وشهادة الزور والظلم والغيبة والنميمة وعقوق الوالدين.
- •نتيجة النجاح في الامتحان ليست النجاة من النار فحسب، بل نيل الأجر العظيم.
مقدمة في حقيقة ربانية يقررها الله للمؤمنين في سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يقرر حقيقة ربانية يعامل بها المؤمنين في الحياة الدنيا، ويوضحها في القرآن الكريم؛ لأنه كتاب يستهدي به المؤمنون، هدى للمتقين.
أما الآخرون وهو [القرآن] يدخل عليهم عمى، ويريد [أحدهم] أن يتلاعب بالقرآن ويتلاعب معه، فتجده كله مغلق أمامه، فيقول لك: ما هذا الكلام؟ ويزداد بُعدًا.
الله لن يترك المؤمنين دون تمييز الخبيث من الطيب
يقول الله تعالى:
﴿مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: 179]
ربنا سبحانه وتعالى لن يتركك وأنت تدّعي الإيمان حتى مع نفسك، بينك وبين نفسك تقول: أنا مؤمن. لن يترك الدنيا هكذا تمضي وتمضي وتمضي حتى يميز الخبيث من الطيب.
فلا بد من أن يميز، أي يكتشف، أي يمتحنا [ليظهر حقيقة إيمان كل إنسان].
فكرة الامتحان والابتلاء وتشبيهها بالاختبار في العلم والدراسة
وفكرة الامتحان التي أخذناها وطبقناها في العلم من ذلك [المبدأ الرباني]، أنك تأتيني طوال السنة من أولها إلى آخرها وتحضر الدرس، فهمت أم لم تفهم، حفظت أم لم تحفظ، قمت بواجبك وإن لم تقم ولم تحفظ ولم تفهم ولم تؤدِّ واجبك، فما معنى حضورك هذا؟ إنه مجرد إثبات حالة [دون عمل حقيقي].
أنا لن أترك الأمور تسير هكذا، لا بد أن أمتحنك حتى أميز من قام بواجبه وحفظ وفهم وأصبح قادرًا على تقديم العلم، فأمنحه الشهادة.
السقوط في الامتحان فرصة للنجاح والابتلاء سنة ربانية لتمييز المؤمنين
أما الآخر فماذا سيحدث له؟ السقوط. انظر إلى كلمة السقوط هذه: سقط، سقط أي أنه وقع في هاوية الفشل، أي أنه يستمر في العام التالي لأجل ماذا؟ لأجل أن يدفعه هذا الفشل للنجاح مرة أخرى، تلك فرصة.
إذن فهذا ما نسميه الامتحان أو الابتلاء. الله لا بد أن يبتلي من أجل أن تثبت أنك لست مجرد إثبات حال، لست فقط كما يقول إخواننا اللبنانيون: اختبرناك أنت تتكلم فقط ولم نرَ منك عملًا.
﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3]
انظر كيف يغضب الله تعالى كثيرًا من هذا الأمر [أن يقول الإنسان ما لا يفعل].
الرد على سؤال لماذا يمتحن الله وهو عالم الغيب سبحانه وتعالى
﴿مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: 179]
حسنًا،
﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ﴾ [آل عمران: 179]
لا يأتي أحدٌ ليقول: أنت عالمٌ يا ربي، عالمٌ بالظاهر وعالمٌ بذات الصدور، عالمٌ بالحاضر وعالمٌ بالمستقبل. نعم، ولكن الميزة [في الامتحان] الخبيثة [والطيبة تظهر] أمامك أنت؛ لأنك لم تنتفع بها [لو لم تُمتحن].
أنا [الله سبحانه] أعلم كل شيء، وهذا [الامتحان] لمصلحتي أنا [أي لمصلحة العبد]، لا يناله [الله] منا شيء، لا نفع ولا ضر. فنحن هذا [الابتلاء] يفعل لنا نحن من رحمته سبحانه؛ لأنه رب العالمين، المربي الخاص بنا الذي ربّانا.
لماذا يمتحن الله عباده وهو عالم بكل شيء والرد بأن الامتحان لإقامة الحجة
﴿مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: 179]
والرد الآن على السؤال: أنت يا رب عالم بالحاضر والغائب وعالم بالحاضر والمستقبل وعالم بالظاهر والباطن، فلماذا تمتحننا؟
قال [الله تعالى]:
﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ﴾ [آل عمران: 179]
أنت راسب تقول له: لماذا؟ في أيِّ شيءٍ؟ وماذا بالضبط؟ فأنا آتي [أي أعترض]. ها، لو قال لك الأستاذ: أنت راسب هكذا، فهو من دون اختبار [لا تقوم عليك حجة].
معنى اجتباء الله للرسل واختيارهم لتبليغ الامتحان الرباني
﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ﴾ [آل عمران: 179]
يجتبي: أي يختار. يجتبي: أي يُعلي قدره. فـالاجتباء فيه اختيار واصطفاء وعلوّ. يجتبي من رسله من يشاء.
وبعد ذلك فإن الرسل هم الذين يوحى إليهم، [هم بمثابة] الأساتذة الذين معهم الامتحان. والامتحان عبارة عن افعل ولا تفعل [أي] برنامج. خذ البرنامج هذا، وانظر كيف يكون فيه اختبار هدفه تمييز الخبيث من الطيب بواسطة الرسل الذين يختارهم الله سبحانه وتعالى من بين البشر.
حكمة إرسال الرسل بدلاً من تكليم الله للناس مباشرة وضرورة الغيب في الاختبار
ليس كل من يكلمنا [الله مباشرة]، كان يمكن أن يجعلنا نرى رؤيا في الليل لكل شخص، لا يوجد رسل ولا شيء، والله يكلمنا. انظر، رؤيا في الليل الله يقول لنا كذا وكذا، كان ممكنًا.
لكنه لم يُرِد هكذا. كان ممكنًا أن يكلمنا مباشرة كما يكلم الملائكة، لا، ما كنا عصينا أبدًا [لو كلّمنا مباشرة]. إذن، ما كان ليكون هناك غيب وهو يختبرنا فيه، هذه النقطة [الجوهرية في حكمة الابتلاء].
ولذلك يقول:
﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ﴾ [آل عمران: 179]
حتى يوحي إليهم، حتى يبلغوكم الامتحان.
الإيمان بالله ورسله شرط التسجيل في امتحان الابتلاء الرباني
﴿فَـَٔامِنُوا بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [آل عمران: 179]
هذا هو أول شرط: أن تسجل [في منهج الإيمان]. إن لم تسجل فلن تُمتحن. لا بد أن تسجل، لا تأتيني هكذا من الخارج وتقول لي: أرنا هذا الامتحان وأنت خارج الدرس وخارج الجامعة، لا بد تسجل.
طيب، والتسجيل هنا ماذا؟ الإيمان بالله ورسله. آمنت بالله ورسله.
﴿وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: 179]
تسجلوا، آمنتم، كفى. الآن فأنا مسجل وانتهى الأمر؟ لا! وتتقوا.
التقوى هي تنفيذ برنامج افعل ولا تفعل من أوامر الله ونواهيه
فتكون التقوى ماذا؟ أنك تنفذ البرنامج: افعل ولا تفعل.
افعل ماذا؟ صلِّ، صُم، زكِّ عندما يكون لديك مال كذا وبالشروط كذا، حُجّ عندما يكون كذا وكذا وكذا.
ولا تفعل: إياك أن تزني، إياك أن تقتل، إياك أن تسرق، إياك أن تكذب، إياك أن تشهد الزور، إياك أن تغتصب الأراضي، إياك أن تظلم الناس، إياك أن تؤذيهم. لا لا لا لا تفعل.
حسنًا، وهل هذا كثير؟ أبدًا، هذه أمور محدودة يمكن أننا ذكرناها كلها. انتبه، ثم بعد ذلك: لا تغتب، ولا تنمّ، ولا تعقّ والديك، والسحر حرام. إذن هو فقط [هذا البرنامج] وانتهى الأمر، هؤلاء فقط إذا كان معنا البرنامج.
ثمرة الإيمان والتقوى النجاة من النار والفوز بالأجر العظيم
﴿فَـَٔامِنُوا بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 179]
فإنكم تنجون من النار، ليس هذا فحسب، بل لكم أجر عظيم! ما هذا! ما هذه الحلاوة! هذا لن ينجحني فقط، بل سينجحني ويعطيني مكافأة [عظيمة من الله تعالى].
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
