سورة آل عمران | حـ 545 | 187 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 545 | 187 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • تتحدث الآية في سورة آل عمران عن ميثاق الله مع الذين أوتوا الكتاب، وهذا يشمل المسلمين أيضاً وليس فقط أهل الكتاب السابقين.
  • القرآن ليس مجرد قصص تاريخية بل دروس نستفيد منها في حياتنا إلى يوم الدين.
  • الميثاق الذي أخذه الله على أهل الكتاب يتضمن: تبيين الكتاب للناس، عدم تحريف الكلام، الإيمان بالكتاب كله، وتطبيقه أمام الناس ليكونوا قدوة.
  • من ينبذ كتاب الله وراء ظهره يرتكب جريمتين: معصية الله وإضلال الآخرين.
  • نبذ الكتاب يعني عدم رؤيته وافتقاده في الحياة وإخفاءه عن الناس، فيصبح المسلم حاجزاً بين الخلق وكلام الله.
  • من يفتقد الكتاب يلجأ إلى بدائل أخرى "يشتري بها ثمناً قليلاً"، وهذه البدائل تضله وتبعده عن الله.
  • الهداية الحقيقية يخلقها الله في القلوب التي تتمسك بكتابه.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة في سورة آل عمران وصلة الأمة الإسلامية بمن قبلها

اللهم اشرح صدورنا، واغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يصل الأمة الإسلامية بمن كان قبلها؛ لأنها أمة واحدة:

﴿وَإِنَّ هَـٰذِهِٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ﴾ [المؤمنون: 52]

﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ﴾ [آل عمران: 187]

حسنًا، وهذا يحكيه لنا. لماذا؟ من أجلنا نحن. هذا ليس تاريخًا، هذه حقيقة وليست حقيقة تاريخية نقف عندها، هذه حقيقة تاريخية نستفيد منها في حياتنا إلى يوم الدين.

القرآن يخاطبنا نحن وليس مجرد سرد تاريخي للأمم السابقة

وعندما تقرأ القرآن هكذا، أنه يخاطب الناس أو يخاطب من كان قبلنا أو أنه يحكي لنا القصص، فإنما هو لنا نحن، ليس يحكي لنا حكاية.

﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]

نعم.

﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ﴾ [آل عمران: 187]

يحكي لنا عن أنه أخذ ميثاقًا وعهدًا على الذين أوتوا الكتاب.

من هم الذين أوتوا الكتاب وهل يشمل ذلك المسلمين أيضًا

فمن هم الذين أوتوا الكتاب؟ هؤلاء أحدهم يقول لي: اليهود والنصارى ومن أنزل الله عليه الكتاب. حسنًا، ألم يُنزَل علينا كتابنا أيضًا؟ ما أحد انتبه قط لهذه النقطة! هذا أنا من أهل الكتاب كذلك.

المسلمون أهل كتاب، وكتابهم ما هو؟ القرآن. فيكون أهل الكتاب في القرآن يمكن أن تُطلق على معنيين: معنى السابقين [من اليهود والنصارى]، ومعنى من منحه الله ووهبه ومنَّ عليه بكتاب، فيدخل في المعنى هذا ماذا؟ يدخل فيه المسلمون.

الميثاق الإلهي يشمل المسلمين لأنهم أصحاب كتاب محفوظ

﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ﴾ [آل عمران: 187]

أي أحد أوتي الكتاب يبقى في ميثاق بينه وبين ربه. كذلك نحن ندخل أم لا ندخل؟ ما نحن أصحاب كتاب! هو وكتاب ماذا؟ شيء آخر:

﴿لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: 42]

كتاب ماذا؟ محفوظ:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

كتاب ماذا؟ هدى للمتقين، كتاب فُصِّلت آياته، يعني أمرًا عظيمًا جدًّا. فنحن من الذين أوتوا الكتاب، ولذلك هذا الميثاق يشملنا.

كلمة أهل الكتاب تشملنا وبنود الميثاق الإلهي الأربعة

وليس دائمًا عندما تأتي كلمة الذين أوتوا الكتاب يذهب ذهنك إلى السابقين، لا، بل نحن داخلون أيضًا فيهم.

فما هو الميثاق إذن؟

﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ [آل عمران: 187]

  1. فلا يوجد سر نخفيه [عن الناس من كتاب الله].
  2. والأمر الثاني: ألا نحرِّف الكلام [عن مواضعه].
  3. رقم ثلاثة: نؤمن به كله، كما قال [الله تعالى]:

﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]

  1. رقم أربعة: ننفذه أمام الناس لكي نكون قدوة حسنة لهم؛ لئلا الناس الذين في الخارج الذين لا يعرفون الكتاب يروننا ويظنون أن هذا هو الكتاب [أي أن سلوكنا هو ما يمثل الكتاب].

عدم تطبيق الكتاب يوقع المسلم في مصيبتين المعصية والإضلال

فعندما لا تعمل [بما في الكتاب] تكون مصيبتك مصيبتين: المصيبة الأولى أنك تعصي، والمصيبة الثانية أنك تُضل الناس الذين يرونك خارجًا وليس عندهم الكتاب ليقرؤوه.

﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ [آل عمران: 187]

واللام هنا للتأكيد؛ يجب أن تبيِّنوه. يبقى نحافظ عليه، نؤمن به كله، نُظهره، نطبقه للناس.

التبيين للناس جميعًا وليس للمسلمين فقط وعدم كتمان شيء

ليس لكم فقط! ما قال لتبيِّنُنَّه لكم، [بل قال لتبيِّنُنَّه] نحن نعرفه، والليل وفي النهار قاعدون نقرؤه ونسمعه ونتبرك به وكل شيء. للناس، للخلق جميعهم، الستة مليارات.

يكون فيه إذاعة وفيه تفاسير، يكون لا يوجد سر. العَيِّنة [أي النموذج]: تبيَّنت ما في قلبي هو ما ينطقه لساني، ما أُخفي شيئًا.

﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187]

سنبيِّنه ولن نُخفي شيئًا.

معنى نبذ الكتاب وراء الظهور وجريمة عدم التطبيق

﴿فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: 187]

هذه هي العلة التي حذَّرنا منها. فنبذوه، فإياكم أن تنبذوه أنتم وراء ظهورهم. نبذوه وراء ظهورهم يعني لم يطبقوه.

فيبقى المسلم الذي لا يرضى أن يطبق يرتكب جريمتين: جريمة أنه يعصي، وجريمة أنه يُضل ويُضلِّل ويُتوِّه الآخرين.

﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: 187]

لما نبذوه وراء ظهورهم وما طبَّقوا، انظر الكلام، انظر الكلام، يقول ماذا؟ نبذوه وراء ظهورهم يعني جعلوه على ظهرهم هكذا.

نبذ الكتاب وراء الظهر يعني إخفاءه وافتقاده والحجب عن الخلق

وهذا معناه ماذا؟ أنهم لا يرونه، ومعناه أيضًا أنهم قد افتقدوه في حياتهم، وما معناه أيضًا أنهم يُخفونه.

ها، انظر: المصحف أضعه خلف ظهري هكذا، فأنت لا تراه، حجبته عنك. وما معنى هذا؟ أننا وقفنا بين الخلق وبين الله [سبحانه وتعالى]. الخلق هكذا خلقهم ربنا وأراد أن يوصل إليهم كلمته، لن يكلم كل واحد والله، فذهبنا وجئنا نحن أي حجاب بين الخلق وربهم.

التحول من حامل للكتاب إلى عائق لوصول كلمة الله إلى الخلق

يا له من خبر أبيض! هذا ليس خبرًا أبيض أبدًا، هذا خبر أسود. تتحول وقد أكرمك الله من شخص، من أجل أنك نبذت كتابك وراء ظهرك فحجبته عن الناس بيانًا وتنفيذًا، تتحول إلى عائق لوصول كلمة الله للخلق.

احذروا يا إخواننا أن تكونوا عائقًا لوصول كلمة الله إلى الخلق. احذر لئلا تكون مصيبتها عظيمة جدًّا.

افتقاد الكتاب يدفع الإنسان لشراء بدائل ضالة بثمن قليل

حسنًا، أنا عندما وضعته خلف ظهري وافتقدته وحرمت الناس منه، جريمة. لكن الجريمة الأكبر من ذلك أنني عندما افتقدته لم أعرف كيف أعيش، فأردت أن أعيش بشيء، فبحثت عن هذا الشيء واشتريته.

فتكون حاجتي الأصيلة [وهي كتاب الله] معي وأنا ذاهب لأشتري ما هي حاجة أخرى [بديلة عنه].

﴿وَٱشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 187]

لما افتقدته وأنا محتاج إليه، ذهبت أشتري هداية أخرى، نظامًا آخر، نموذجًا آخر أفكر به لكي أعيش. لا ينفع العيش هكذا، لا بد من شيء يهديني.

كل ثمن يُدفع في مقابل كتاب الله هو ثمن قليل وبئس ما يشترون

أخفينا هذا [الكتاب] ونظرنا، فلما نظرنا اشترينا شيئًا آخر.

﴿وَٱشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 187]

اشتريت شيئًا هكذا بمليون جنيه، فأنا مستعظم جدًّا، مليون جنيه! ما هو مليون جنيه؟ هذا ثمن قليل جدًّا! هذا [الكتاب] لا يُقدَّر بثمن. اشتروا به شيئًا آخر.

﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 90]

ليس نعمة، لا! إن الذي تشترونه هذا سيتسبب في أنكم ستعتادون عليه، وأنه سيُضلكم، وأنه سيُغيِّب عنكم الكتاب. فبعد ذلك لن تعرفوا شيئًا، وتنقلبون إلى الله يوم القيامة فيعاقبكم.

خاتمة الدرس والدعاء بالهداية والتوفيق والسداد

نسأل الله السلامة والتوفيق والسداد؛ فإن الهداية إنما يخلقها الله في القلوب.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.