سورة آل عمران | حـ 547 | 188 - 189 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 547 | 188 - 189 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يشرح الآية الكريمة "لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا" من سورة آل عمران.
  • هؤلاء الذين ينسبون الفضل لأنفسهم ويزيلون ذكر الله من حياتهم يقعون في عذاب الدنيا قبل الآخرة.
  • من لا يذكر الله ولا يحمده ولا يتوكل عليه لا يعرف كيف يتعامل مع المصائب والابتلاءات.
  • البعد عن الله يجعل الإنسان في حالة انهيار دائم، فهو في عذاب نفسي مستمر.
  • بعض الناس يشعرون بأنهم محاصرون في هذا العذاب ولا يستطيعون الخروج منه رغم إدراكهم لمعاناتهم.
  • العذاب الأليم وصف دقيق لحالتهم، فهو فاعل ومفعول، يسبب الألم والألم يسبب العذاب.
  • الله مالك السماوات والأرض وقادر على هدايتهم أو تركهم في ضلالهم.
  • المطلوب هو التوازن بين الخوف والرجاء، والسير على الصراط المستقيم، فلا إفراط ولا تفريط.
  • المؤمن الحق يعبد ربه ويعمر الكون ويزكي نفسه.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

تفسير آية التحذير من الفرح بالباطل ونسبة الفضل للنفس

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿لَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 188]

بمفازة من العذاب أي ليسوا ببعيدين عن العذاب، ولهم عذاب أليم. إذا هذا العذاب في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة.

صفات من ينسبون الفضل لأنفسهم ويرفعون الله من حياتهم

هؤلاء الناس الذين ينسبون الفضل لأنفسهم، هؤلاء الناس الذين لا يجعلون الله في حياتهم، رفعوا الله من حياتهم، لم تبقَ هناك كلمة "الله".

فيرى [أحدهم] لنفسه حولًا وقوة، ويرى لنفسه فعلًا، فيقع في الكذب وينسب لنفسه المنّة والفضل والخلق الإلهي. وتراه دائمًا يريد أن يعظّم شأنه ويعظّم ذاته.

غياب ذكر الله من حياة الإنسان وأثره عند المصائب

لا يوجد الله [في حياته]، فلا يوجد "الحمد لله". لا يوجد "الحمد لله"، إذن لا يوجد "توكلت على الله". لا يوجد "توكلت على الله"، إذن لا يوجد "لا حول ولا قوة إلا بالله".

فلمّا يقع في المصيبة لا يعرف كيف يقول "إنا لله وإليه راجعون"، لا يعرف ما هو فيه؛ لأنه غير معتاد [على ذكر الله]. عندما يقع في المصيبة لا يعرف أن يقول "حسبنا الله ونعم الوكيل، سيؤتينا الله من فضله ورسوله"، لا يعرف؛ لأنها بعيدة عن عقله.

عذاب الدنيا لمن أبعد الله من حياته وفقد ما يتمسك به

ما رأيك أنه في عذاب بهذا الشكل؟ هو في جهنم في الدنيا! تخيّل أنه لا يوجد شيء يتمسك به عند الألم.

"يا ربّ خفّف عني هذا" — "يا ربّ" هذه جميلة جدًّا.

«حسبنا الله ونعم الوكيل»

هذه تريح الإنسان. تصوّر أن أخانا هذا منهار أو سينهار، هذا هو العذاب.

فهو ليس بعيدًا في الدنيا عن العذاب؛ لأنه بعيد عن الله. أزال ربّنا من عقله، من نفسه، من قلبه، من حياته، فلم يبقَ له إلا العذاب مع نفسه.

شهادة من ابتعد عن الله بأنه يشعر بالراحة عند ذكره ثم يعجز عن الاستمرار

هكذا قابلنا كثيرًا من هؤلاء الناس وتكلّمنا معهم عن الله، فقالوا شيئًا غريبًا جدًّا: "أنت كلّما تكلّمت معي عن ربنا الذي تتحدث عنه هذا، كلّما أشعر وكأنني مجروح وتبرد جرحي."

"وعندما أمضي وأذهب إلى البيت أفكّر: ما دامت هذه الحاجة حلوة فسأفعلها؛ لأن فيها مصلحتي، وليس لأن الله موجود حقًّا، وليس لأن الله مستحقّ للحمد حقًّا، وليس لأن الله فعلًا هو حسبنا وكفايتنا، بل إنما شيء يريحني هكذا ومنوّره هكذا."

عجز الإنسان عن الخروج من عذابه وتذكر آية الحيلولة بين المرء وقلبه

"فأجد نفسي غير قادر." انظر إلى الكلام! قلت له: غير قادر كيف؟ قال: "أنا في جهنم التي تتحدثون عنها هذه ولا أستطيع الخروج منها، لا أستطيع، لستُ أريد [الخروج]."

فتذكّرت قوله تعالى:

﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]

تخيّلوا أنكم تريدون الإيمان ولا تعرفون! يا للعجب، نحن في نعمة يا أولاد.

مثال حواري عن من يعيش في عذاب ولا يستطيع الخروج منه

أيّ عذاب هذا؟ إنه يضع روحه في النار والباب مفتوح، وأنا أقول له: "تعال اصعد"، فيقول لي: "لستُ قادرًا." فأقول له: "أفأنت مسرور؟" قال: "لا، إنني أتعذّب." فأقول له: "اصعد"، فيقول: "أنا لستُ قادرًا."

إيّاك أن تعتقد أنه يقدر أن يفوز بالنجاة — بمفازة من العذاب — فهو لن يستطيع أن يبتعد عن العذاب بإرادته. وبخلاف ما يمليه عليه عقله، يقول له: "حسنًا، أليست هذه شيئًا جميلًا؟ ألا تأتي لنفعلها؟" [فيجيب:] "لا أستطيع." ويبقى هكذا في العذاب.

معنى العذاب الأليم وكيف يحيط بالإنسان من كل جانب

وبعد ذلك، هذا العذاب في الحقيقة ليس طيّبًا ولا جميلًا ولا سهلًا، إنه أليم، أي مؤلم.

"أليم" على وزن فعيل، أي اسم فاعل واسم مفعول [في آنٍ واحد]: عذاب يسبّب الألم، وعذاب آتٍ من الألم. النار قد تحرق في الجلد مثلًا، وهذا الحرق يسبّب عذابًا، ففي عذاب يسبّب الألم، والألم يسبّب عذابًا، فيكون العذاب محيطًا به.

هذا هو العذاب الأليم. قال ماذا؟ انظر: ليس مؤلمًا فحسب — "مؤلم" يكون في اتجاه واحد فقط — لا، بل هو فاعل ومفعول. والفاعل والمفعول معناهما ماذا؟ عمل دائرة، فيكون هو داخل هذه الدائرة: عذاب الدنيا وعذاب الآخرة محيط به ولازمه.

الكفر بالله ورفض الحقيقة الكبرى وملك الله للسماوات والأرض

كل هذا [بسبب] الكفر بالله؛ غير راضٍ أن يصدّق الحقيقة الكبرى التي تظهر لكل أحد حتى بفطرته.

﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 189]

انظر إلى الآية هذه، جاءت بعد الآية [السابقة التي تتحدث عن العذاب]. يعني أنت والسماوات والأرض ومن فيهنّ ملك الله سبحانه وتعالى، وهو قادر على كل شيء: فقادر على هدايتك، وقادر على أن يتركك في ضلالك بعد أن أنكرت وجوده ولم تؤمن به، وقادر على أن يخفّف العذاب، وقادر على أن يستمرّ العذاب.

وجوب الجمع بين محبة الله وخشيته والبدء بالرحمن الرحيم

فيجب أن تحبّه وتخافه مع بعض.

حسنًا، عندما تحبّه وتخافه، من أين تبدأ: بالحب أم بالخوف؟ قال لك: اقرأ إذن الكلام، قال لك: "بسم الله الرحمن الرحيم"؛ لأنه عندما تتأمّل في هذا الكلام [عن العذاب] قد تخاف أكثر من اللازم، وهو لا يريدك أن تخاف أكثر من اللازم، ولا يريدك أيضًا أن تتهاون أكثر من اللازم.

يريدك أن تسير على الصراط المستقيم الذي تدعو ربّك في كل فاتحة وأنت تقرؤها:

﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]

لا يريدك أن تخاف كثيرًا بحيث تقول: "يا أخي أنا لا شأن لي، أنا سأترك الدنيا وما فيها جميعًا"، ولا يريدك أن تفسد في الأرض وتخرّب فيها. يريدك هكذا: إنسانًا تعبد ربّك وتعمر كونك وتزكّي نفسك.

ختام الحلقة بالتذكير بملك الله وقدرته على كل شيء

﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 189]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.