سورة آل عمران | حـ 509 | 156 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يحذر الله المؤمنين في سورة آل عمران من التشبه بالكافرين لاختلاف المنهجين جوهرياً.
- •المنهج الإيماني قائم على الالتزام والمراقبة، بينما منهج الكفر مبني على الاعتداد بالقوة والرأي الشخصي.
- •العلاقة بين المنهجين كالمسير في اتجاهين متعاكسين، مشرق ومغرب، لا يلتقيان.
- •وردت أحاديث نبوية كثيرة تحث على مخالفة المشركين في التفاصيل السلوكية تأكيداً لاختلاف المنهج.
- •الإيمان بضع وسبعون شعبة، وكذلك المعاصي تمثل شعب الكفر المقابلة.
- •الضرب في الأرض يعني السفر بمقاصده المختلفة كطلب الرزق والعلم والجهاد.
- •يورد النص مثالاً للتشبه بالكافرين: قولهم عن إخوانهم الذين قُتلوا في السفر "لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا".
- •هذا القول يتناقض مع الإيمان بأن الموت بيد الله، والإنسان يموت في أجله المحتوم أينما كان.
- •جعل الله هذا الاعتقاد حسرة في قلوبهم لأنه مخالف للإيمان بالقضاء والقدر.
افتتاح الدرس والتمهيد للحديث عن الفرق بين منهج الإيمان ومنهج الكفر
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَكُونُوا كَٱلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: 156]
المنهج الرباني المبني على الإيمان بالله والإيمان برسول الله والإيمان بالوحي والإيمان بالتكليف والإيمان باليوم الآخر، مختلف عن المنهج الذي ينكر ذلك؛ لأن هذا المنهج منهج التزام ومراقبة، والكفر منهج يرى لنفسه حولًا وقوة، ويرى لنفسه فعلًا وتأثيرًا، ويرى لنفسه رأيًا يتخذه حتى لو خالف المعقول والمنقول، وحتى لو خالف مراد الله من كونه.
بيت الشاعر في الفرق بين المؤمن والكافر واستحالة التقائهما
ولذلك فيصلح للفرق بين الإيمان والكفر قول الشاعر: سارت مشرّقةً وسرتُ مغرّبًا، شتّان بين مشرّقٍ ومغرّب.
أي أن هناك أناسًا ساروا في الشرق وأناسًا ساروا في الغرب، فكيف سيلتقون؟ هؤلاء لا يوجد بينهم التقاء؛ فهذا سيذهب حتى المحيط الأطلسي، وذاك سيذهب حتى المحيط الآخر، فعليهم إذن أن يعبروا البحر [ليلتقوا].
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَكُونُوا كَٱلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: 156]
ولو وقفنا عند هذا [النهي العام] يصلح، ولكنها تعبر عن أمر عام [في مخالفة المؤمنين للكافرين في كل شيء].
أحاديث النبي في مخالفة المشركين والفرق بين منهج الإيمان ومنهج الكفر
ولذلك نجد كثيرًا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خالفوا المشركين»، اعملوا كذا، افعلوا كذا، «خالفوا الكفار»، اعملوا كذا وافعلوا كثيرًا.
لماذا؟ [لأنه] منهج مختلف، وإن كانت جزئيات بسيطة، لكن هذا ناتج من اختلاف المناهج؛ منهج الإيمان المبني على الالتزام، ومنهج غير المؤمن المبني على الحول والقوة المنسوبة للبشر.
ومن كنوز العرش:
«لا حول ولا قوة إلا بالله»
ما توجد صورة كهذه من الصور بذاتها؟ قال: نعم، يوجد هنا، يوجد هنا في هذا الموطن صورة من صور المخالفة [بين المؤمنين والكافرين].
النهي العام عن مشابهة المؤمنين للكافرين وشعب الإيمان والكفر
وقالوا لإخوانهم، هذه هي الصورة. إذن يوجد نهي عام أن يشابه المؤمنون الكافرين، وهذه المشابهة في المنهج، وتأتي تحت المنهج صور كثيرة.
فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان»
يقول ابن القيم: وكذلك المعاصي شعب الكفر، يعني المعاصي كلها التي تضاد هذا [الإيمان]؛ فإن لا إله إلا الله ضدها الشرك بالله، وإماطة الأذى ضد وضع الأذى، والحياء ضد الفجور، يبقى الفجور وكذلك إلى آخره. هذه من شعب الكفر؛ كان الإيمان شجرة والكفر شجرة معاكسة لها.
معنى الضرب في الأرض وأغراض السفر المتعددة في القرآن الكريم
هنا:
﴿وَقَالُوا لِإِخْوَٰنِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 156]
الضرب في الأرض معناه السفر، والسفر قد يكون لأغراض كثيرة، من ضمن هذه الأغراض:
- •طلب الرزق
- •صلة الرحم
- •طلب العلم
- •هجرة الإيمان
- •هجرة الأمن
- •الجهاد في سبيل الله
وسُمّي الضرب في الأرض ضربًا؛ لأن الإنسان يعاني فيه وضع القدم ويدبّ بها على الأرض وكأنه يضربها، أو [من] وضع قدم حافر الحصان أو الإبل أو الدابة كما تضرب الأرض.
التضمين النحوي في قوله تعالى ضربوا في الأرض ومعناه اللغوي
فهنا قال: ما له إذا ضربوا في الأرض؟ حسنًا، لم يقل ضربوا الأرض، لماذا قال هكذا؟ لأنهم لا يريدون أن يضربوها، هم ليسوا ممسكين بعصا ويضربون الأرض، هم لا يريدون هذا، بل هم ساروا فيها.
فـ«ضربوا» هنا متضمّنة — يسمّونه التضمين في النحو — متضمّنة فعلًا آخر، يعني لو كانت هي وحدها لقالوا: ما ضربوا الأرض، يعني يضربونها بالفأس، إذن يضربونها بالقنابل.
ولكن هنا «ضربوا فيها» يعني لا بد أن «ضربوا» لماذا يعني «فيها» فعل آخر بداخلها وهو فعل السير. ضربوا في الأرض، ضربوا في الأرض، هذه تعني معاني كثيرة.
السفر قطعة من العذاب ومشقته المستمرة حتى العصر الحديث
وضربوا في الأرض مشقة، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«السفر قطعة من العذاب»
ورُوي عن عائشة [رضي الله عنها] أنها قالت: ولو شئتُ لقلتُ العذاب قطعة من السفر.
ولا يزال السفر — مع كل التسهيلات التي حصلت في الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة — ما زال قطعة من العذاب إلى يومنا هذا. وما زال ركوب الطائرات فيه ضغط وفيه [أثر] على العينين وعلى القلب وعلى ذلك إلى آخره.
ما زال حتى الآن بعض الناس يقول لك: ممنوع أن تركب الطائرة إلا كل خمسة أيام، حسنًا، بسبب الضغط وبسبب هذه الأمور، عذاب، قطعة من العذاب.
مقولة الكفار لو كانوا عندنا ما ماتوا والرد القرآني عليها
سافروا في الأرض فتحمّلوا المشقة، وتحمّلوا أيضًا نهاية الحياة في الغربة. هذا هو الكلام؛ أصبح [الكافر] يقول لك: ما دمتَ كنتَ في حضني هنا، فلماذا [تذهب]؟ ما أنا في حضنك هنا أم هناك، هي وهي هي [النتيجة واحدة].
سنموت سنموت:
﴿لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: 154]
فهي هي [النتيجة واحدة]. طيب، ضربوا في الأرض للعلم وللرزق وللصلة وللهجرة ولكذا إلى آخره، وارد، ولكن هم يقصدون ماذا؟ القتال في سبيل الله.
فماذا قال [الله تعالى]؟
﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ [آل عمران: 156]
فتكون صورة من الصور الخاصة بالضرب في الأرض.
حسرة الكفار على موتاهم وبيان أن الله يحيي ويميت أينما كان الإنسان
لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قُتلوا؛ الضرب [في الأرض] فيه الموت، والغُزاة يكون فيه القتل.
﴿لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 156]
لأنهم ميّتون ميّتون، والله يحيي ويميت، هنا أو هناك.
﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران: 156]
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
