سورة آل عمران | حـ 497 | 145 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 497 | 145 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • الآية الكريمة "وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا" تؤكد أن الموت بيد الله وحده، فلا يمكن للإنسان جلبه أو رده.
  • عندما ندرك أن الموت أجل مكتوب، ينبغي ألا نخاف إلا من الله وأن نكون في طاعة دائمة له.
  • قوله تعالى "ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها" يوضح أن الدنيا والآخرة بيد الله.
  • من أراد الدنيا أو الآخرة أو كليهما فعليه بعبادة الله، لأن كل شيء بيده سبحانه.
  • أغلب الناس يطلبون الدنيا فقط، وقليلون من يدعون للآخرة.
  • النبي ﷺ علمنا دعاء جامع: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".
  • الرسول ﷺ كان يحب مكارم الأخلاق حتى من الكفار، لكن الجنة لها شروط وضعها الله.
  • الذكر أفضل من الدعاء، فالذاكر يُعطى أفضل مما يُعطى السائل.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة وتفسير آية الموت بإذن الله من سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ كِتَـٰبًا مُّؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: 145]

وعرفنا في هذه الآية أن لها عبارة وأن لها إشارة؛ عبارتها الكلام الموجود أمامنا والذي يعني أن الأمر بيد الله، والإشارة إلى المعاني التي تتولد في ذهنك عندما تؤمن بمثل هذا [الأمر].

إشارات الإيمان بأن الموت بيد الله وأثره على سلوك المؤمن

لو عرفت أن الموت بيد الله وأنك ليس لك الحق لا في جلبه ولا في رده؛ لأنه يحرم عليك الانتحار، كما أنه ليس في مقدورك أن ترد الموت إذا جاءك، وعلى ذلك لا تخف إلا من الله، ولا بد لك أن تكون في طاعة دائمة.

ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى بعدها:

﴿وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلْـَٔاخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ [آل عمران: 145]

حقيقة أن الدنيا والآخرة بيد الله وعبادته هي السبيل لكليهما

إذا كانت هذه الحقيقة وهي أن الموت أجل مكتوب وأنه بيد الله وحده سبحان الله وتعالى، فالأمر بيد الله، فالدنيا والآخرة بيد الله، فماذا تريد؟

إن أردت الدنيا فعليك بعبادة الله، حقيقةً عليك بعبادة الله؛ لأن الدنيا بيد الله. وإذا أردت الآخرة فعليك بعبادة الله؛ لأن الآخرة بيد الله. وإذا أردت الدنيا والآخرة معًا وكنت طامعًا في فضل الله وكرمه فلتعبد الله؛ لأن الدنيا والآخرة بيد الله.

حقيقة بسيطة لا يصدقها كثير من الناس رغم وضوحها

هذه الحقيقة البسيطة التي نراها بأعيننا لا يصدقها كثير من الخلق مع بساطتها، فالله سبحانه وتعالى ينبهنا إليها أن ملك الدنيا والآخرة بيده سبحانه وتعالى.

ولكننا نرى أن أغلب الناس يطلبون الدنيا فقط لا غير:

﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا﴾ [البقرة: 200]

وهو يقول "ربنا" فيكون مؤمنًا، وهو يقول "ربنا" إذن فهو يعبد، فهو يدعو والدعاء عبادة، وهو يقول "ربنا".

من يدعو بالدنيا فقط وينسى الآخرة في دعائه

ألا تعرف متى قال "ربنا"؟ يمكن أن يكون هناك دعاء مُرسَل ويمكن أن يكون هناك دعاء من خلال الصلاة.

﴿وَمَا لَهُ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ﴾ [البقرة: 200]

ناسٍ الآخرة كلها: يا رب أنجحني، يا رب ارزقني، يا رب زوجني، يا رب أصلح أولادي، يا رب... وجميع الطلبات تجدونها في الدنيا.

كان لدينا أحد المشايخ الكبار وكان الناس يأتون للدعاء، وبعد ذلك بعد أن ينتهي هكذا يقول: يا إخواننا، واحد فقط يقول لي ادعُ لي أن يغفر الله لي خطيئتي يوم الدين! لا يوجد. كلهم لديهم مشكلة: شيك بدون رصيد، الأرزاق قلَّت، الضرائب حاجزة عليّ - كان ذلك قديمًا قبل أن يصنعوا الأشياء الجديدة - لديّ امتحان أريد أن أنجح، لديّ وظيفة تقدمت إليها... كل هذا لا يوجد [فيه ذكر للآخرة].

دعاء طلب الدنيا والآخرة معًا كما علمنا النبي ﷺ

هكذا هو:

﴿وَمَا لَهُ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ﴾ [البقرة: 200]

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 201]

انظر كيف يعلمنا دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالكعبة المشرفة:

«ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»

يعلمنا طيبًا. فهذا يعطيك حقيقة بسيطة لكن ينكرها كثير من الناس: ومن يريد ثواب الدنيا نؤتيه منها، ولكن لا تنسَ أن الله عنده أيضًا ثواب الآخرة.

قصة ابنة حاتم الطائي وسؤالها عن أبيها هل هو في الجنة

وعندما طمعت ابنة حاتم الطائي لأبيها في الجنة فقالت: يا رسول الله، أهو [أبي حاتم] في الجنة؟ قال [رسول الله ﷺ]: لا، لم يقل يومًا قط: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين.

إنما كان [حاتم الطائي] يفعل ما فعل لسمعة يتسمعها، أي هكذا هو سمعة، هكذا لكي يقولوا أجود العرب حاتم الطائي، وقد كان.

وكان [النبي ﷺ] يحب حاتمًا كثيرًا. لماذا؟ لأنه يفعل مكارم الأخلاق. قال ﷺ: إن أباك كان يحب مكارم الأخلاق. فقالت له: هو في الجنة؟ قال: لا، في النار، ليس في الجنة.

حب النبي ﷺ لمكارم الأخلاق حتى من الكافر وموقف الإسلام من ذلك

فسيدنا رسول الله ﷺ يحبه [حاتمًا الطائي] لأي معنى؟ الكرم والعطاء. كان هو ﷺ يحب الشهامة ويحب مكارم الأخلاق حتى من الكافر، حتى من الكافر.

يعني الناس الذين يفتحون مستشفيات ويقومون بأعمال خيرية ويعلمون الناس ويدعون إلى السلام من الكفار، نعم هؤلاء أناس طيبون نحبهم.

نحن إذن ما قصة الكفار؟ لماذا إذن ألا تقولون هكذا إذن يجب أن تعطوهم نصيبًا في الجنة؟ ونحن ما شأننا؟ هل الجنة ملكنا نعطيهم نصيبًا فيها ونبيعها لهم؟ أم أن الجنة في يدي [أنا] منعت أم قلت يدخل أم لا؟ يا رب أدخل جميع الناس الجنة وأنا ما لي! لا.

الجنة ملك الله وحده وقد وضع لها شروطًا لدخولها

لماذا أنتم لا تقولون إنهم في الجنة؟ والله إنها لشيء غريب جدًا! هل هذه الجنة ملكنا نحن ونوزعها على الخلق؟

يا إخواننا كونوا عقلاء، الجنة هذه ملك ربنا، وضع لها شروطًا، من أراد فليأخذ ومن لم يرد:

﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]

وأنا ما لي أنا؟ إذن ما لي أنا في الدنيا هنا؟ لست آتيًا لكي أغير كلام الله، وليس معنى العصرية والمعاصرة أن أقول كلامًا لم يقله ربنا، هذا حماقة، هذا عمل أحمق.

حب النبي ﷺ لحاتم الطائي وعبد الله بن جدعان مع بيان مصيرهما

ولكن ما الصحيح أن سيدنا رسول الله ﷺ يعلمني إياه؟ يقول: الخير تحبه، وأنا أحب حاتمًا [الطائي] وأحب عبد الله بن جدعان.

فعائشة [رضي الله عنها] قالت له: أهو [عبد الله بن جدعان] في الجنة؟ قال: لا، كان يعبد أصنامًا. فماذا أفعل له أنا؟ ما لي دعوة [في ذلك].

إنما كان ﷺ يحبه، وكان يحب عمه أبا طالب. أبو طالب في قولين: هل أسلم أم لم يسلم؟ وهكذا إلى آخر الأمر، شغله [أي شأنه] هو يحبه الله يا أخي.

النبي ﷺ قرآن يمشي على الأرض والقرآن نبي مقيم

وكان ﷺ يحب أمه عليه الصلاة والسلام وذهب فزارها في الأبواء وكان يحبها هكذا.

يعلمنا إذن ما هو هذا الأسوة الحسنة، ما هو هذا القرآن الذي يمشي على الأرض، ما هو هذا الذي مدحه ربنا وقال:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]

فقالت عائشة [رضي الله عنها]: كان خُلُقُه القرآن. هكذا هو، ولذلك قالوا: كان قرآنًا يمشي على الأرض في وصفه هكذا.

والقرآن نبي مقيم، انتبه! القرآن نبي مقيم؛ لأن ما من نبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم، والنبي قرآن يمشي على الأرض. إذن النبي قرآن والقرآن نبي. أنت منتبه؟ نعم.

القرآن حبل الله المتين وجزاء الشاكرين والذاكرين

النبي قرآن يمشي على الأرض وكان خلقه القرآن، والقرآن نبي مقيم؛ لأنه حبل الله المتين الذي يصل بين الله وبين الناس. ربنا لا يكلم البشر مواجهة، وإنما أنزل لهم كتابًا وسمح لهم بأن يقرأوه وعرّفهم كيف يقرأوه. فاللهم علمنا مرادك من كتابك.

ومن يريد ثواب الدنيا نؤته منه، ومن يريد ثواب الآخرة نؤته منه، وبعد ذلك:

﴿وَسَنَجْزِى ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ [آل عمران: 145]

فوق هذا أو هذا يكون إذا لدينا دعاء ولدينا ذكر:

«من شغله ذكره عن مسألتي أعطيته أحسن ما أعطي السائلين»

فيكون الدعاء سيعطينا خيرًا والذكر سيعطينا أكثر.

وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.