سورة آل عمران | حـ 476 | 129 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 476 | 129 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يشرح النص معنى قوله تعالى: "ولله ما في السماوات وما في الأرض" وكيفية تحويل هذه الحقيقة الإيمانية إلى منهج حياة.
  • الإيمان بهذه الحقيقة لا يكفي مجرد التصديق القلبي، بل لابد أن يظهر في السلوك والحياة.
  • تتحول هذه الحقيقة لمنهج حياة من خلال الرضا عن الله، مما يولد التأمل ويمنع الإحباط والتهور.
  • الرضا يؤدي إلى التسليم لله، فتفعل الأسباب وتنفذ الأوامر دون تعلق بالنتائج.
  • التوكل على الله ثمرة مهمة، وهو الثقة بما في يد الله ودعاؤه.
  • من ثمار هذه الحقيقة أيضاً عدم الخوف إلا من الله، فمن خاف الله أخاف الله منه كل شيء.
  • يضرب النص مثالاً بالإمام النووي الذي خافه الظاهر بيبرس رغم قوته وبطشه.
  • كان النووي زاهداً متقشفاً، توفي في الخامسة والأربعين، لكنه خالد في ذاكرة الناس بعد قرون لإخلاصه.
  • عندما تتحول الحقائق الإيمانية إلى سلوك، تستقيم الحياة وتتغير العلاقة مع النفس والآخرين.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة في الحقائق الإيمانية في سورة آل عمران وأثرها في حياة الإنسان

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يقرر حقيقة إيمانية يعتمد عليها الإنسان في حياته، وفي سيره إلى الله، وفي علاقته مع نفسه ومع غيره.

والحقائق الإيمانية في القرآن يقررها لنا الله سبحانه وتعالى من أجل ذلك، من أجل أن تستقيم حياتنا، لا من أجل أن نصدقها فحسب وأن نوقن بها فحسب، بل أن نحولها إلى منهج حياة نعيش، فيقول:

﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 109]

الإيمان بملكية الله للسماوات والأرض لا يكفي دون تحويله إلى سلوك عملي

لو قرأتها بمعنى أنها حقيقة أن كل شيء في السماوات وفي الأرض إنما هو في ملك الله، وأنك تعتقد ذلك اعتقادًا جازمًا، حسنًا، لكن لا يكفي ذلك، فهذا جزء من المراد.

لا يكفي أن تؤمن بها وتصدق، قلت لي: لا، أنا لست مؤمنًا بها فحسب، بل أنا أيضًا موقن بها، لا يتطرق الشك إلى قلبي. كل هذا لا يكفي، كل هذا عمل القلب، ولكن لا بدّ أن يظهر هذا العمل القلبي، يظهر ويتجلى في صورة السلوك وفي صورة الحياة.

﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 109]

تحويل الحقيقة الإيمانية إلى منهج حياة يبدأ بالرضا عن الله

كيف نحوّل هذه الحقيقة الإيمانية [أن لله ما في السماوات وما في الأرض] إلى منهج حياة؟ لن أقول لك آمن بها، ولا بد أن تؤمن بها، أبدًا، كلنا مؤمنون بها، ولكن كيف نحولها إلى منهج حياة؟

نحولها إلى منهج حياة أولًا بالرضا عن الله، فأنت ترى أن هذا الواقع الذي نحن فيه هو ما نعيشه في الحياة، ويكون هناك رضا.

هذا الرضا سيجعلك تتأمل وينمي لديك قدرة التأمل، وهذا الرضا لن يجعلك محبطًا أبدًا؛ لأنك تبحث عن الحكمة وراء ما ترى، ولن يجعلك متهورًا أبدًا، بل سيعلمك إنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ثمرات الرضا عن الله في مواجهة المصائب والابتلاءات

سيجعلك [الرضا] تفعل كل فعل من أجل الله، سيجعلك تبحث في كل فعل عن رضا الله، هذا هو الرضا.

أنت راضٍ، فإذا بالمصائب تنزل، فالمرء لا يخاف، ولا ينهار، ولا يُحبط، وليس عنده إحباط، وإنما ينزل عليه الصبر.

لماذا؟ لأنه راضٍ.

﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ [النساء: 78]

يوجد رضا، إن الرضا يؤدي أيضًا إلى التسليم.

التسليم لله والتوكل عليه ركيزتان لتحويل الإيمان إلى منهج حياة

فليكن في حياتك رقم اثنان: التسليم لله. الله غالب، ولا بد عليك أن تفعل الأسباب وتنفذ الأوامر، والأمر لله، لا تنتظر النتائج ولا يتعلق قلبك بالنجاح.

وماذا أيضًا؟ قال: والتوكل على الله. الرضا والتسليم والتوكل على الله.

والتوكل على الله معناه أن تثق بما في يد الله، أن تدعو الله سبحانه وتعالى، ادعوه.

فإذا نحن أمام شيء عظيم جدًا وهو:

﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 109]

وهذه تؤدي إلى ماذا؟ قال: لا تخاف، أن لا تخف إلا الله، لا تخف أحدًا، خَفِ الله.

من خاف الله أخاف الله منه كل شيء ومن لم يخفه خاف من كل شيء

ولو خفت الله سبحانه وتعالى أخاف الله منك كل شيء، ولو لم تخف الله خفت من كل شيء؛ خفت على رزقك وعلى حياتك وعلى أمنك وعلى سلامتك وعلى جسدك وعلى أولادك وعلى أهلك وعلى مالك، وتخاف من كل شيء.

في حين أنك إذا خفت من الله فإنك تخافه وحده لا شريك له، ولذلك تخاف منك كل الأشياء.

وأخذوا يقولون لنا عندما يتجرد العباد وعندما يتجرد العلماء وخافوا الله، وكيف أخاف الله منهم الملوك والأباطرة والحكام وغيرهم.

قصة الإمام النووي مع الظاهر بيبرس وخوف الحاكم من العالم الرباني

ويحكون عن الإمام النووي أنه نصح الظاهر بيبرس، فغضب الظاهر بيبرس من النصيحة النووية، فلما رآه [الإمام النووي] خافه الظاهر بيبرس، خاف الإمام النووي، خافه وارتعش منه.

والظاهر بيبرس كان قويًا ومتهمًا بقتل قطز قائد الجيش الذي انتصر على التتار، وكان لا يهمه أحد، يقتل بسهولة هكذا وكأنه لا شيء.

قابله [الإمام النووي] فقال له: اتقِ الله، فقالوا له: ما بالك؟ هل خفت أم ماذا؟ فقال: خفت من ماذا؟ إنه مثل الأسد، من يكون؟ الإمام النووي.

حياة الإمام النووي الزاهدة وتفرغه للعلم وتواضع هيئته

هذا [الإمام النووي] مات وهو في الخامسة والأربعين من عمره، كان متفرغًا للعلم، وكان أبوه وأمه في نوى يرسلون إليه بعض الأقراص ليعيش عليها، وكان يصوم كل يوم؛ لأنه لم يكن متزوجًا.

وعندما كان الناس يأتون من الآفاق ليروا الإمام النووي لا يعرفونه؛ لأنه كان نحيف الجسم هكذا، كان وجهه ضامرًا وتحت عينيه سواد من السهر، والملابس التي يرتديها لا تليق بمكانته.

فكان يسأل أحدهم: أين الإمام النووي؟ فيجيب: ها هو. فيذهب السائل إلى الشخص المجاور له؛ لأنه لا يصدق أن هذا هو الإمام. وعندما يسأل الشخص المجاور يقول له: هذا هو حضرة الإمام، فينتقل إلى الشخص الآخر بجانبه من الناحية الأخرى؛ لأنه لا يصدق، أمعقول ذلك؟ ما هذا إلا سخافة!

سر هيبة الإمام النووي أنه علم أن لله ما في السماوات وما في الأرض

فعندما دخل [الإمام النووي] على الظاهر بيبرس خافه، لماذا؟ لأنه كان يعلم أنّ:

﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 109]

كان يعلم هذه الحقيقة أنّ لله ما في السماوات وما في الأرض.

لقيتِ خيرًا يا نوى، ووُقيتِ من ألم النوى، فلقد نشأ بكِ عالمٌ لله أخلص ما نوى، وعلا علاه وفضله فضل الحبوب على النوى.

هؤلاء هم الناس الذين نحن اليوم بعد سبعمائة أو ثمانمائة سنة نذكرهم ونتحدث عنهم ونقول: الله الله!

وكيف حدث ذلك؟ إنه من إخلاص النية، من أنه عرف أن لله ما في السماوات وما في الأرض.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.