سورة النساء | حـ 837 | 172 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 837 | 172 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • أكد القرآن الكريم أن عيسى عليه السلام لن يستنكف أن يكون عبداً لله، فالعبودية لله شرف.
  • المسيح كان عبداً مخلصاً لربه، وعندما حاول الشيطان إغواءه قال: "اذهب يا لعين، ما كان لي أن أمتحن الله ولكن الله يمتحنني".
  • المسلم لا يطلب البلاء، بل يقول: "يا رب سلّم"، وإن نزل البلاء طلب الصبر والسكينة.
  • أورد الإمام الغزالي في كتابه الإحياء كثيراً من أقوال المسيح وحكمه، التي تدل على خشيته وإخلاصه وتواضعه لله.
  • رغم المعجزات التي جرت على يد عيسى، كان يزداد تواضعاً لله ولم يتكبر.
  • الملائكة المقربون لا يستنكفون عن عبادة الله بل يستلذون بها.
  • من يستنكف عن عبادة الله ويستكبر فقد سقط من الشرف ودخل في القذارة.
  • المتحابون في الله على منابر من نور يوم القيامة، والحب الصادق في الله يجعل الإنسان مع الصديقين والشهداء والصالحين.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

تقرير القرآن حقيقة عبودية المسيح عليه السلام لله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يقرر حقيقة تضع البشر في مصاف البشر وفي مستواهم، والإله إله:

﴿لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ﴾ [النساء: 172]

أبدًا، فهذه عبودية لله شرف، والمسيح سيد الشرفاء. وكل ما ورد عن سيدنا عيسى، كل ما ورد عنه يدل على أنه كان عبدًا مخلصًا لربه.

قصة محاولة الشيطان إغواء المسيح عليه السلام على قمة الجبل

مما ورد أن الشيطان أراد أن يعارضه [أي سيدنا عيسى عليه السلام]، فأتى إليه وهو على قمة جبل وقال له: ألست روح الله وكلمته؟ ألقِ بنفسك من هذا الشاهق وقل يا ربنا النجاة.

فتنبه السيد المسيح عليه السلام، قال: اذهب يا لعين! عرف أنه لعين؛ هذا الكلام لا يأتي إلا من شخص ليس ظاهره القدرة والتوكل على الله وباطنه [الغرور والتجربة]. قال له: اذهب يا لعين، ما كان لي أن أمتحن الله، ولكن الله يمتحنني.

النهي عن تمني البلاء وطلب الابتلاء والأمر بالتسليم لله

وكان [سيدنا عيسى عليه السلام] يدعو ويقول: اللهم لا تُدخلني في تجربة، في امتحان. الذي نحن [نقوله أيضًا]: يا رب نجّنا وسلّم.

لا تتمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموه فاثبتوا واصبروا، ولكن لا تقولوا: يا رب ائتني بالجهاد وأنا سأريك ماذا سأفعل. لا، بل نحن نقول: يا رب استر. أما إذا جاء الجهاد فيجب أن نثبت ولا نولي الأدبار ولا نفرّ.

إنكار النبي ﷺ على من طلب الصبر لأنه طلب البلاء ضمنيًا

وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهم وهو يقول: اللهم أنزل عليّ الصبر. فقال [النبي ﷺ]: سألته البلاء! أنزل عليّ الصبر، كيف وأنت تقول: يا رب أنا لن أقدر أن أصبر، أنا ضعيف؟

[الصواب أن تقول]: أنزل عليّ السكينة، إذا نزل البلاء تقول: أنزل عليّ الصبر. لكن لا تطلب الصبر [ابتداءً]؛ [فالصبر] شيء ليس حلوًا في ذاته حتى تطلبه.

استدلال الإمام الغزالي بأقوال سيدنا عيسى في كتاب الإحياء

إذا تأملنا في كل ما ورد، ولقد أكثر الإمام الغزالي في كتابه [إحياء علوم الدين] من الاستدلال بما ورد عن سيدنا عيسى عليه السلام من حكمة وموعظة وكلام طيب في الإحياء.

فلو تتبعت ما نسبه الغزالي رحمه الله تعالى إلى سيدنا عيسى لخرجت بكراسة كبيرة فيها جميع أقوال سيدنا عيسى الطيبة. هذا يثبت أنه من أعلى أمثلة العبادة والعابدين في تاريخ البشرية.

﴿لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ﴾ [النساء: 172]

هذه هي الآية. تستطيع أن تراجع الإحياء أربعة مجلدات كبيرة فستجد فعلًا كل ما ورد عن سيدنا عيسى يدل على خشيته لله.

صفات سيدنا عيسى من خشية وإخلاص وتواضع رغم كثرة المعجزات

ويدل [ما ورد عن سيدنا عيسى] على حبه للعبادة وللذكر، ويدل على شفافيته وإخلاصه، ويدل على أنه لم يتكبر ولم يغترّ بنفسه بالرغم من أن المعجزات كانت تجري على يديه باستمرار.

أي تحدث معجزة تلو معجزة تلو معجزة، وكلما جرت معجزة على يديه عليه السلام كلما ازداد لله تواضعًا. والصبر الذي صبره والبلاء الذي ابتلاه [الله] به منذ صغره وهو في كنف الله.

﴿لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ﴾ [النساء: 172]

وهو يقول هكذا في الأناجيل: أبي الذي في السماء، أبوكم الذي في السماء، أبانا الذي في السماء. وهكذا يعبد ربه بإخلاص.

الملائكة المقربون لا يستنكفون عن عبادة الله بل يستلذون بها

﴿وَلَا ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: 172]

يستنكفون عن عبادته سبحانه، بل يستلذّون بها.

﴿لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]

أبدًا ما يوجد عصيان؛ الساجد ساجد، والراكع راكع، والمسبّح [مسبّح]، وما من عصيان. لا يستنكف أحدهم وهم في غاية العلو والرقي أن يكونوا عبيدًا لله.

يعني ما المشكلة أن يكون سيدنا عيسى عليه السلام عبدًا لله؟ أم ماذا؟ ما النقص الذي يناله عندما نقول أنه عبد الله ورسوله؟

هذا شرف وليس فيه نقص.

أدب القرآن في ذكر المسيح بالاسم عند النفي وعدم افتراض استنكافه

حسنًا، ومن يستنكف عن عبادته [سبحانه]، العكس إذن: هبْ أن شخصًا — لا أستطيع أبدًا أن أقول هبْ أن سيدنا عيسى [استنكف]، سيدنا عيسى ماذا؟ سيدنا عيسى هذا في المقام الأعلى.

لا أستطيع أن نقول هبْ أن شخصًا [استنكف]. انظر أدب القرآن:

﴿لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ﴾ [النساء: 172]

صرّح باسمه في حالة النفي وفي حالة طيبة. والذي يستنكف لم يقل: وإن استنكف المسيح؛ لا يمكن أن يستنكف، هذا شرف. وفي مقابله قذارة؛ الذي يستنكف هذا يصبح مجرمًا.

التحذير من الاستنكاف عن العبودية لله والفرق بين الشرف والقذارة

شخص استنكف عن عبادة الله واستنكف أن ينتسب عبدًا لله، هذا يصبح مجرمًا. انظر، ينبّهنا [القرآن] لماذا؟ لكي لا تقع في هذا المزلق يا بشر.

هذا سيدنا عيسى، شرف له أن يدّعيه لنفسه وهو محقّق فيه أنه عبد الله، وهو يفتخر به يقول: يا إخواننا أنا عبد الله ورسوله، شرفًا له.

ولكن إذا أحد جاء يستنكف ويقول: أنا لست عبد الله، انتهى! ابتدأنا من الكلمة الأولى هذه، سواء بعد ذلك ادّعى الألوهية أم ادّعى الحلول والاتحاد أم ادّعى أي شيء، انتهى. هكذا سقط من نظرنا وخرج من الشرف ودخل في القذارة.

مصير المستنكفين يوم القيامة وحشرهم جميعًا إلى الله تعالى

﴿وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: 172]

فعندما نأتي في يوم الأشهاد سنرى الأنبياء والمرسلين والشهداء والصالحين والصدّيقين أنهم في ظل الرحمن يوم لا ظل إلا ظله. وسنرى أن الأنبياء والشهداء والصدّيقين والصالحين يغبطهم الناس يقولون: يا ليتنا كنا مثلهم.

فضل المتحابين في الله وكونهم على منابر من نور يوم القيامة

وسنرى أقوامًا ليسوا بأنبياء وليسوا بشهداء وليسوا بصدّيقين يغبطهم الناس، وهم على منابر من نور يوم القيامة، وهم المتحابون في الله.

فيكون لديك فرصة أن تحب أخاك حبًّا حقيقيًّا في الله، حبًّا صافيًا، حبًّا ثابتًا. والحب الصافي والحب الثابت هذا الذي سيجعلك مع الصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.

صفات الحب في الله من الستر والنصيحة وحمل همّ الأخ المسلم

كيف يكون شكله [الحب في الله]؟ أن لا تتأثر [محبتك]؛ ما دام محبته في الله ولا تتأثر. فلنفترض أنه ارتكب معصية، فاستر عليه وادعُ له بإخلاص بقلبك، هكذا بالحرقة من داخل قلبك.

واذهب وانصحه في الخفاء هكذا وكأنك أنت الذي ارتكبت هذه المعصية، واحمل همّه.

المتحابون في الله على منابر من نور يوم القيامة.

وإلى لقاء، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.