سورة المائدة | حـ 853 | 1 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ 853 | 1 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • الآية الكريمة في سورة المائدة تحث المؤمنين على الوفاء بالعقود وتبين حكم الصيد في حالة الإحرام.
  • المحرم تحرم عليه أمور كلبس المخيط المحيط بالجسم، وحلق الشعر، ولبس القفازين والعمامة، والصيد.
  • المحرمات في الشريعة نوعان: حرام بالذات كالخمر والخنزير والميتة، وحرام بالاعتبار كالماء المسروق والصيد للمحرم.
  • الصيد حلال بذاته، لكنه يصبح حراماً بالاعتبار عندما يصطاده المحرم.
  • الفقد نوعان: حسي بعدم وجود الماء، وشرعي بوجود الماء مع عدم جواز استعماله كالماء الموقوف للشرب فقط.
  • التعبد في الشريعة يعني أن الله يحكم ما يريد، فيبين الحلال والحرام بإرادته.
  • مظاهر التعبد كثيرة مثل كيفية الوضوء وعدد ركعات الصلوات وتحديد الصلوات بخمس، وهذا يعني أن الله يحكم ما يريد.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

افتتاح الدرس وتلاوة آية الأمر بالوفاء بالعقود من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة يقول سبحانه وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَوْفُوا بِٱلْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَـٰمِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 1]

تفسير قوله تعالى غير محلي الصيد وأنتم حرم وبيان محظورات الإحرام

وفي قوله تعالى:

﴿غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 1]

يحل لكم أن تأكلوا البهيمة بشرط ألا تصطادوها وأنتم مُحرِمون؛ يعني إذا كنت قد دخلت في الإحرام فيحرم عليك أمور منها:

  1. لبس المخيط المحيط بالجسم.
  2. حلق الرأس أو الشعر.
  3. أن تلبس شيئًا كالقفاز في يديك، أو الحذاء في رجليك، أو تلبس العمامة على رأسك، كل ذلك حرام.
  4. أن تصيد وأنت محرم، ممنوع عليك الصيد.

فإذا صدت كان عليك عقاب وجزاء مثل ما صدت من النعم.

التفريق بين الحرام بالذات والحرام بالاعتبار مع أمثلة توضيحية

ولذلك فهناك أشياء تحرم بالذات وهناك أشياء تحرم بالاعتبار؛ هناك أمور حرام بذاتها وأمور حرام ليست بذاتها بل باعتبارها.

الحرام بالذات: الخمر، احذر أن تشرب خمرًا، والخنزير. هل تشرب خنزيرًا؟ حسنًا.

والذي ليس خمرًا، الماء، هذا حلال. حسنًا، الماء المسروق حرام بالاعتبار؛ هو في ذاته كماء حلال، لكن الحرمة ماذا؟ أن الماء الذي أمامك هذا حرام أن تشربه. لماذا؟ لأنه مسروق، مغصوب.

إذن هذا هو الحرام بالاعتبار.

مثال الصيد في حالة الإحرام كنموذج للحرام بالاعتبار لا بالذات

الصيد: اصطدت غزالة، الغزالة حلال بذاتها، لكن أريد سؤالًا: عند صيد الغزالة هل كنتَ مُحرِمًا أم لم تكن؟ ستجد أنك إن كنتَ مُحرِمًا فيحرم عليك أن تأكل منها، فتصبح حرامًا بالاعتبار وليس بذاتها؛ فهي في أصلها حلال، لكن عندما اعتديت عليها وأنت في حالة الإحرام حُرِّمَت عليك.

لذا يجب أن ننتبه للحرام بالذات والحرام بالاعتبار. إذن فالحرام بالذات هو مثل الخمر، مثل الخنزير، مثل الميتة. الحرام بالاعتبار هو حلال وكل شيء، لكن الاعتبار أنه ليس ملكك.

حكم الوضوء من الماء الموقوف للشرب وجواز التيمم عند فقده شرعًا

الماء الموقوف يحرم منه الوضوء ويجوز معه التيمم. شخص صنع زيرًا وأوقفه لله للشرب، وأنت تسير في الطريق وجدت الزير هكذا، تشرب منه كسبيل (كانوا يسمونه سبيلًا).

فما هو السبيل؟ [هو الماء الموقوف للشرب في الطريق]. وتتوضأ منه؟ لا، يحرم. ابحث لك مياه ثانية؛ هذه مياه موقوفة للآية [أي للمارّة]، للشرب فقط.

المياه أمامي، ماذا أفعل؟ قالوا: تيمم. لماذا؟ قال له: لأنك فقدت الماء الصالح للوضوء.

حرمة نقل الماء الموقوف من غرضه المحبوس عليه إلى غرض آخر ولو كان عبادة

والمياه التي في الزير هذه أليست صالحة للوضوء؟ لا، هذه موقوفة ومحبوسة على الشرب فقط، فيحرم عليك أن تنقلها من حبسها إلى غرض آخر، حتى لو كان عبادة، حتى لو أن الصلاة لا تجوز إلا به [أي بالوضوء]، حتى لو احتجت إليه.

فكل ماء موقوف على محترم — يعني أن الإنسان محترم، الحيوان محترم — أي أن هذا [الماء] سيشرب منه روح ولو كانت بهيمة. قال له: نعم، فلا يصح لك أن تتوضأ منه.

فقال: ماذا أفعل؟ قال له: إذا فقد الماء [الصالح للوضوء] تتيمم.

الفرق بين الفقد الحسي والفقد الشرعي للماء وأثره في جواز التيمم

والفقد منه حسيٌّ ومنه شرعي. ماذا يعني هذا الكلام؟

الفقد الحسي يعني أنني لا أجد ماءً أبدًا، الماء مفقود وغير موجود.

أما الفقد الشرعي فيعني أن الماء أمامي ولكن لا يجوز لي استعماله، مثل الحالة التي نتحدث عنها [حالة الماء الموقوف للشرب]: الماء أمامي لكنني مريض ولا يجوز لي استعمال الماء وأنا مريض، فأكون فقدتها شرعًا وهي أمامي، وأيضًا فقدتها، فيجوز لها [أي في هذه الحالة] التيمم.

إذن، فالفقد قد يكون حسيًّا وقد يكون شرعيًّا، والحرام منه حرام بالذات وحرام بالاعتبار.

تحريم الصيد على المحرم وبيان أن الله يحكم ما يريد سبحانه وتعالى

ولذلك يُمنع أن تصطاد وأنت مُحرِم، فإذا فعلت فالصيد أصبح حرامًا بالاعتبار.

﴿غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: 1]

سبحانه وتعالى، الله يحكم ما يريد ويكلف عباده بما شاء، وهذه حقيقة التعبد.

حقيقة التعبد وأن التحليل والتحريم مرده إلى إرادة الله لا إلى علة حسية

ماء والمياه نتوضأ بها، فما الذي حدث في المياه حتى تصبح حرامًا؟ قال: لا، إن الله هو الذي حرمها. والصيد حلال، فما الذي يمنعني من أكله؟ حالة الإحرام.

ما الذي أضفته [حالة الإحرام]؟ جعل — ماذا يعني؟ — في الصيد يوجد دم، نقص، شيء حسي حدث؟ لا! إن ما يُسمى بالتعبُّد هو مثل هذه الحالة؛ إنها كهذه الحالة، لكنه [الشرع] يقول لك: هذا حلال وهذا حرام.

هذه المياه مثل هذه المياه، وهذا الصيد مثل هذا الصيد، لكن هذا حلال وهذا حرام. ما نتيجة هذا الكلام؟ النتيجة هي إرادة الله، أن الله يحكم بما يريد.

العلة التعبدية في الأحكام الشرعية وأمثلتها في الوضوء والصلاة والنواقض

فيكون الدليل هو — أو العلة التعبدية — قوله تعالى في سورة المائدة:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: 1]

هذه هي القضية، فقد أوجدت لي شيئًا يسمى التعبد، وفتحت للفقهاء مجالًا واسعًا للنقاش.

لماذا نتوضأ بالشكل الذي نتوضأ به؟ الوجه أولًا، ثم اليدين إلى المرفقين، ثم نمسح الرأس، وبعدها نغسل الأرجل. لماذا هذه الأشياء تحديدًا؟ ولكن [لو] كنا نمسح وجوهنا بقليل من الماء وانتهينا!

لماذا تحديدًا صلاة الظهر أربع ركعات والعشاء أربع ركعات بينما المغرب ثلاث ركعات؟ لماذا تحديدًا؟ يعني أن الله يحكم ما يريد.

خاتمة الدرس وتأكيد أن مفهوم التعبد أصل عند العلماء في فهم الأحكام

هل أنت منتبه؟ لماذا تحديدًا خمس صلوات ولم يجعلها ثلاثًا؟ أو لماذا لم يجعلها اثنتين؟ لماذا لم تكن هكذا؟

﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: 1]

نواقض للوضوء تنقض الوضوء فنعيد الوضوء؛ إن الله يحكم ما يريد. وهكذا أبدًا، إلى أن أصبح عند العلماء شيء اسمه التعبد.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.