سورة المائدة | حـ 897 | 7 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ 897 | 7 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • الآية "واذكروا نعمت الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور" تتضمن تعبيراً قرآنياً فريداً يفوق كلام العرب.
  • تركيب "وكفى بالله وكيلاً" من أعالي الكلام، وفيه إشكال إعرابي حيث دخلت الباء على لفظ الجلالة وهو الفاعل، فمنعته من الضمة وظهرت الكسرة.
  • النحاة كالنحاس يرون أن الباء زائدة من ناحية العمل، وأصل العبارة "كفى الله وكيلاً".
  • القرآن يحتوي تراكيب عالية قد تتجاوز قواعد النحو المعتادة، فالنحو اختص بغالب اللغة وليس بأعلاها.
  • تعبير "عليم بذات الصدور" يعني أن الله يعلم كل شيء في الظاهر والباطن، في القلوب والعقول.
  • الله غير قابل للمخادعة، فهو يعلم النوايا والأسرار، والإنسان منكشف أمامه دائماً.
  • معرفة أن الله عليم بذات الصدور تدعو الإنسان للتأدب مع الله، وهذا يضعه في الطريق الصحيح.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

افتتاح الدرس بالتلاوة من سورة المائدة وذكر نعمة الله والميثاق

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، وربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَٱذْكُرُوا نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَـٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِٓ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ [المائدة: 7]

التعبير القرآني من أعالي الكلام وتراكيبه تفوق كلام العرب

وهذا التعبير تعبير قرآني وهو من أعالي الكلام؛ فكان هناك تراكيب فريدة تفوق كلام العرب، حتى إنك تجد في إعرابها إشكالًا؛ لأنها تتجاوز كلام العرب.

وعدّوا من هذا [التراكيب القرآنية العالية] قوله تعالى:

﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: 81]

هذا التركيب العرب لا تعرفه، تسمعه فتنبهر به، ولكن «كفى» فعل ماضٍ، والباء حرف جر، ولفظ الجلالة تسلطت عليه الباء فجرّته في اللفظ. هذا «بالله»، وكفى بالله وكيلًا، يعني حال كفاه حال كونه وكيلًا وحسيبًا وحفيظًا.

إعراب تركيب وكفى بالله وكيلاً وبيان الفاعل فيه عند النحاة

إذن أين الفاعل في «وكفى بالله وكيلًا»؟ من هو الفاعل لـ «كفى»؟ من الذي قام وصدر منه الكفاية؟ الله [سبحانه وتعالى].

إذن لفظ الجلالة هو الفاعل. النحاة قال لك إن الباء - كما قالوا - من ناحية العمل زائدة، لا زائدة في القرآن [أي زائدة من حيث الإعراب لا من حيث المعنى]، فتكون «كفى اللهُ وكيلًا» أصل العبارة هكذا، ودخلت الباء فمنعت الضمة التي للفاعل وجعلتها كسرة.

وهكذا التركيب الذي يقوله النحاة: إن «كفى» فعل ماضٍ، والباء زائدة، ولفظ الجلالة هو الفاعل، مُنع من ظهور الضمة عليه وظهرت الكسرة عوضًا عنها لانشغاله بحركة الجر من أثر الباء، و«وكيلًا» كذا [حال منصوبة].

الفرق بين منهج النحاة ومنهج المفسرين في التعامل مع القرآن الكريم

حسنًا، كلام من هذا؟ كلام النحاة، كلام المفسرين الذين يحبون القرآن ويرون القرآن شيئًا عظيمًا. النحاة وإن خدموا القرآن وتعاملوا معه وجعلوه مصدرًا، إلا أن لهم صناعتهم: أين الفعل؟ أين الفاعل؟ أين المفعول؟ أين الحال؟ أين التمييز؟ أين كذا؟ يريد أن يجيب حسب صنعته.

لكن المفسر وإن استعمل النحو، فليس كما يستعمله النحوي؛ فهو هنا وقال: على فكرة، هذه العبارة من أعالي الكلام بحيث أنه لا إعراب له.

تركيب وكفى بالله وكيلاً يتجاوز قواعد النحو لعلوّ كلام الله

«وكفى بالله وكيلًا» هذا تركيب عجيب وعالٍ جدًا لدرجة أن النحو إنما اختص بغالب اللغة، ولم يختص بالعالي جدًا من الكلام ككلام الله وتراكيبه العجيبة الغريبة العالية.

ولا بما هو أدنى من أخطاء الإعراب؛ أخطاء الإعراب عندما يتحدث شخص عربي أعرابي باللغة العربية ثم يخطئ أو يرتبك فيخطئ، فيكون النحو لا علاقة له بذلك.

مثال خرق الثوب المسمار من الأخطاء الإعرابية الواردة في كلام العرب

وقد وردت في اللغة العربية أشياء فيها هذا الخطأ [الإعرابي]، الأخطاء مثل: «خَرَقَ الثوبُ المسمارَ»، بينما في الحقيقة الذي خرق الثوب هو المسمار ليس الثوب. ونقول «المسمارَ» وليس «المسمارُ».

لكن بهذا الشكل جعلنا الثوب هو الذي خرق المسمار. المسمار كما هو الذي اخترق، وتغير الثوب [أي قطعة القماش]؛ كانت سليمة، وبعد اختراق المسمار فيها أصبحت فيها خرق.

إذن ما الذي تغيّر؟ الثوب، فيكون هو المفعول به. وما الذي ظلّ ثابتًا؟ المسمار. فقال لك [النحوي]: والله من بدايتها [كان الأصل أن يكون المسمار هو الفاعل]، لكنه ورد هكذا: «خَرَقَ الثوبُ المسمارَ».

تبرير النحاة لتركيب خرق الثوب المسمار ومثال مكره أخاك لا بطل

إن كل ما هو متلقٍّ لك فأنت متلقٍّ له؛ فما دام المسمار اصطدم بالثوب، فكأن الثوب أيضًا اصطدم بالمسمار. هذا كلام النحاة، لا بد أن يأتي بتبرير.

حسنًا، وبعد ذلك ماذا سنفعل؟ «مُكرَهٌ أخاك لا بطل»، كما ورد في المثل العربي هكذا. على العادة نقول: «مكرهٌ أخوك لا بطل» (مبتدأ وخبر)، لكن «مكرهٌ أخاك» لماذا هكذا؟ هكذا ورد، وبعد ذلك لنبحث فيما يبرر ذلك.

معنى عليم بذات الصدور وأن الله لا يخفى عليه شيء في الظاهر والباطن

والله هنا يقول تعبيرًا عجيبًا غريبًا في العجب وفي العلو: أن الله عليم بذات الصدور. «عليم بذات الصدور» هذا ما نسميه أنه تعبير، أنه تركيب متماسك، ومعناه أن الله سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، في الظاهر ولا في الباطن، في الحقيقة ولا في نفس الأمر.

في عقلك، في قلبك، في أفعالك التي يراها الناس والتي لا يراها أحد.

﴿يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: 7]

يعلم السر وما تُخفي الصدور، عليمٌ بخائنة الأعين، عليمٌ بما تفكر فيه، بل إنه أعلم بك منك، منكشفٌ له كل شيء، لا تخفى عليه خافية.

من يخادع الله ناقص العقل لأن الله غير قابل للمخادعة

يبقى إذن الله غير قابل للمخادعة، والذي يخادع الله لا يرتكب فقط مخالفة شرعية دينية أخلاقية، بل إنه ناقص العقل.

يعني الذي يخادع الله ليس فقط مرتكبًا لذنب، إنه شخص أخرق هكذا، هذا شخص مغفّل؛ لأن الله سبحانه وتعالى غير قابل للمخادعة. فهو يعلم نيتك ويعلم من أين جاءت، ويعلم ما هو أخفى من ذلك من السر وسرّ السر في قلبك.

وأنت منكشف أمامه، لا يغيب عنك ولا يغيب انكشافك أمامه في أي لحظة كانت، ولو كانت كطرفة العين بل أقل من ذلك. فسوف تخدع على ماذا؟ وستخدع من؟ عندما هو يراك.

دعوة الإنسان للتأدب مع الله الذي يعلم ما في الصدور والختام

فليس بعد قوله أنه عليم سبحانه وتعالى بذات الصدور إلا أن تتأدب مع الله. تركيب عجيب يشمل كل ما ذكرناه [من معاني علم الله بالسر والعلن والظاهر والباطن].

وهذا يؤدي إلى دعوة الإنسان للأدب مع الله؛ فإذا تأدبت مع الله فلا تخف ولا تحزن، فأنت في الطريق الصحيح.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.