سورة المائدة | حـ922 | 13 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •يحذرنا الله في سورة المائدة من اتباع مسلك بني إسرائيل الذين انحرفوا عن دينهم بخيانة النقل بتحريف الكلم عن مواضعه، وخيانة العقل بنسيان حظ مما ذُكّروا به.
- •التأويل يجب أن يكون منضبطاً بخمسة ضوابط أساسية: موافقته للغة العربية التي نزل بها القرآن، والتزامه بالمصادر الشرعية المعتبرة، وعدم مخالفته للإجماع، ومراعاته لمقاصد الشريعة، وتحقيقه للمصلحة.
- •مقاصد الشريعة تشمل حفظ النفس والعقل والدين وكرامة الإنسان والملكية، وكلها تتحقق بالعدل والرحمة والخلق الكريم.
- •التزم أهل السنة والجماعة بهذه الضوابط في تأويلهم وتفسيرهم واستنباطهم، ووضعوا لذلك العلوم الدقيقة.
- •ظهر في زماننا مدعون للتجديد يهدمون أركان التأويل الخمسة بدعوى حرية الفكر، وأباحوا المحرمات ويجب التمسك بضوابط العلم في مواجهتهم.
مقدمة حول سورة المائدة وانحراف بني إسرائيل عن الصراط المستقيم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يذكر لنا ربنا سبحانه وتعالى فعل بني إسرائيل مع دينهم، وأنهم في الماضي قد انحرفوا عن الصراط المستقيم، وحذَّرنا ربنا أن نكون مثلهم.
ومنَّ علينا بكرمه فحفظ علينا كتابه من غير حولٍ منا ولا قوة، بل بمنَّةٍ منه علينا، نشكره آناء الليل وأطراف النهار لعله يرضى.
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
وحفظه [سبحانه وتعالى لكتابه هو من أعظم النعم على هذه الأمة].
خيانة بني إسرائيل للنقل والعقل بتحريف الكلم ونسيان ما ذُكِّروا به
يقول ربنا سبحانه وتعالى بعد أن بيَّن لنا كيف خانوا [أي بنو إسرائيل] النقل، أنهم خانوا العقل. قال تعالى:
﴿يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: 13]
هذه هي خيانة النقل.
﴿وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: 13]
هذه هي خيانة العقل؛ مع وجود النص، مع وجود النص صريحًا أمامهم، يلجؤون إلى التأويل ويحرِّفون في هذا التأويل.
ضوابط التأويل الأولى: موافقة اللغة العربية وعدم تعارض المصادر الشرعية
التأويل لا بد أن يكون منضبطًا بضوابط. أول هذه الضوابط: الدلالات اللغوية؛ فربنا سبحانه وتعالى أنزل القرآن الكريم بلغة العرب، فمن خرج عن لغة العرب وفسَّر القرآن الكريم بغير لغة العرب فإنه يكون قد انحرف بالتأويل وخان العقل.
ومن أصول التأويل [أيضًا] ألا تجعل القرآن الكريم ولا السنة النبوية المشرفة يضرب بعضها بعضًا، فتُفسَّر تفسيرًا يخالف نص القرآن أو يخالف نص السنة، أو تُفسَّر الحديث بطريقة تكرُّ على القرآن بالبطلان، بل لا بد علينا من مراعاة المصادر حتى لا نقع في خيانة العقل.
ضرورة اعتبار الإجماع وعدم مخالفة الأمة في التأويل والتفسير
ولا بد علينا ثالثًا أن نقف مع ما ألقى الله في قلوب الأمة جميعًا [من فهم] معنى الآية، فلا بد علينا من أن نعتمد وأن نعتبر الإجماع، ولا يجوز علينا أن نخالف الأمة كلها بأي دعوى من الدعاوى.
مراعاة المقاصد الكلية للشريعة عند التأويل والاستنباط
ولا بد علينا عند التأويل والتفسير والشرح والإيضاح والاستنباط أن نراعي المقاصد الكلية للشريعة، بل ولكل شريعة قد أنزلها الله سبحانه وتعالى، فلا نأتي بشيء يكرُّ على مقاصد الشريعة بالبطلان.
فمقاصد الشريعة أن نحفظ النفس التي حرَّم الله [قتلها] إلا بالحق. مقاصد الشريعة أن نحفظ على الإنسان عقله، سواء أكان عقل الفرد أو عقل الأمة بل وعقل البشرية.
من مقاصد الشريعة أن نحافظ على الدين الذي نعبد به ربنا:
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
حفظ كرامة الإنسان وحريته والملكية من مقاصد الشريعة الكبرى
ومن مقاصد الشريعة أيضًا أن نحافظ على كرامة الإنسان، ولا يمكن بعد أن قال الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: 70]
أن نُهين هذا الإنسان، وأن نعذبه، وأن نجعله غير حرٍّ في هذه الأرض التي خلقه الله فيها حرًّا. بمَ استعبدتم الناس وقد خلقهم الله أحرارًا؟
مقاصد الشريعة [كذلك] أن نحافظ على فكرة الملك؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل لنا ملكًا.
تحقيق مقاصد الشريعة لا يكون إلا بالعدل والرحمة والالتزام بالشرع
كل ذلك لا يأتي إلا بالعدل، كل ذلك لا يأتي إلا بالرحمة، كل ذلك لا يأتي إلا بالخلق الكريم بالصبر، كل ذلك لا يأتي إلا بالالتزام بالشريعة المكرمة.
ولا يجوز إطلاقًا أن نستنبط حكمًا من القرآن أو من السنة المشرفة يكرُّ على مقاصد الشريعة بالبطلان.
ملخص ضوابط التأويل الخمسة: اللغة والمصادر والإجماع والمقاصد والمصالح
إذن، فهذه هي ضوابط التأويل [الخمسة]:
- أن يكون موافقًا للغة العربية؛ لأن الله أنزل كتابه بها.
- وأن يكون موافقًا للمصادر التي جعلها الله حجة.
- وأن يكون موافقًا للإجماع؛ فإن إجماع هذه الأمة معصوم وحجة.
- وأن يكون موافقًا للمقاصد فلا يكرُّ عليها بالبطلان.
- وخامسها أن يحقق المصلحة التي جعل الله شرعه محققًا لها.
ربنا جعل شرعه يحقق المصالح، ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى جعل هذا قانون التأويل، بحيث إذا خرجنا عنه نكون قد خُنَّا عقولنا.
التزام أهل السنة والجماعة بضوابط التأويل ووضعهم العلوم لذلك
والحمد لله راعى أهل السنة والجماعة هذا [القانون في التأويل] وهم جماهير الأمة، وانضبطوا في التأويل وفي التفسير وفي الاستنباط، ووضعوا لذلك العلوم، وتكلموا في هذا بالدقة المتناهية، وربَّوا أنفسهم على هذا ولم يخرجوا عن هذا قيد أنملة.
ظهور أدعياء التجديد في آخر الزمان وهدمهم لضوابط التأويل الخمسة
حتى إذا ما كنا في آخر الزمان، في زماننا هذا، والله سبحانه وتعالى قد أنزل علينا البلاء، فنسأله أن يُسكِّن قلوبنا وأن ينزل علينا الصبر.
خرج كل ناعق ومنافق يدَّعي التأويل ويُقدِّم نفسه مجددًا لدين الله، ويهدم تلك الأركان الخمسة [لضوابط التأويل]، ليس هدم واحدة ولا اثنتين، ولا أقول ثلاثًا، بل لنقل أربعة، إنما يهدم الخمسة كلها.
وبدأ بعضهم في الشرق والغرب يذهب هنا وهناك بدعوى حرية الفكر وحرية الرأي، وإن خرجت عن العلم، وإن دخلت في خيانة العقل، وإن كرَّت على الشريعة بالبطلان.
نماذج من انحرافات أدعياء التجديد واتساع الخرق على الراقع في زماننا
فإنهم يدعون إلى هدم هذه الخمسة [ضوابط التأويل]، فترى منهم من أباح ترك الصلاة، وترى منهم من أباح الزنا، وترى منهم من أباح عورة النساء والرجال، وترى منهم من ترك الصيام، وترى منهم وترى منهم وترى منهم، في بلاء لم يشهده العالم الإسلامي بهذا الاتساع حتى اتسع الخرق على الراقع مثل ما يحدث في هذه الأيام.
نصيحة للمسلم بالتمسك بالعلم والرد على أدعياء التجديد بضوابط التأويل الخمسة
فكن أيها المسلم في جانب العلم ولا تكن في جانب الهوى والضلالة. كن أيها المسلم واثقًا من نفسك ومن ربك، متمسكًا بأدوات واضحة.
قل له [أي لمدَّعي التجديد] مباشرة وهو ليس من العلماء على كل حال، والحمد لله الذي حفظ هذه الأمة في علمائها وفي المتخصصين الذين أفنوا أعمارهم لدرس سنة رسول الله ولتفسير كتاب الله.
قل له: اللغة، احفظ. قل له، قل له هكذا فقط، ستجد أنه يغلي أمامك كالفول في الماء المغلي. قل له: أنت تخالف اللغة هكذا. قل له: المقاصد. قل له: المصالح. قل له: الإجماع. قل له: المصادر.
خاتمة الدرس والتذكير بخطورة خيانة العقل بعد تحريف النقل
احفظ الخمسة هذه: اللغة، والمصادر، والإجماع، والمقاصد، والمصالح.
وقل لي: إنا لله وإنا إليه راجعون، خُنتَ العقل بعد أن حرَّفتَ النقل.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
