سورة المائدة | حـ933 | 18 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ933 | 18 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

12 دقيقة
  • القرآن الكريم يرفض دعاوى التمييز بين البشر، فجاء الإسلام ليساوي بين الأبيض والأسود بينما ميزت الحضارات السابقة بينهما.
  • سيدنا بلال الحبشي مثال لمكانة السود في الإسلام، فقد عُذب في سبيل الله وكان مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم لندى صوته.
  • حادثة وقعت بين أبي ذر الغفاري وبلال حين قال أبو ذر لبلال: "يا ابن السوداء"، فعاتبه الرسول قائلاً: "إنك امرؤ فيك جاهلية".
  • طلب أبو ذر من بلال أن يضع قدمه على خده ندماً، فرفض بلال ذلك من طيبته.
  • بشر الرسول بلالاً بأنه رآه يسبقه في الجنة، فسأله بلال عن السبب، فأخبره أنه ما توضأ إلا وصلى ركعتين.
  • امتنع بلال عن الأذان بعد وفاة الرسول تأثراً، وهاجر إلى الشام ليبتعد عن الذكريات.
  • الإسلام يرفض التمييز ضد الإنسان بأي شكل من الأشكال.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

آية سورة المائدة في الرد على دعوى اليهود والنصارى بالتمييز

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَـٰٓؤُا ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰٓؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ [المائدة: 18]

هذه الآية ومع آيات كثيرة في القرآن من أوله إلى آخره، يُعلن القرآن لكل إنسان أنه ضد الدعاوى؛ دعاوى التمييز، فهو ضد كل تمييز. فكان دائمًا ضد التمييز الذي كان بين البيض والسود، وقامت حضارات وغبرت حضارات وهي تُميّز بين الأبيض والأسود، وجاء الإسلام لا يُميّز بين أبيض وأسود.

إعلاء الإسلام من شأن سيدنا لقمان وصحابة سود البشرة

لدرجة أنه [الإسلام] أعلى من شأن سيدنا لقمان، واختلف المسلمون في شأنه: أهو نبي أم صالح عالم حكيم؟ وعلى كل حال فقد كان أسود اللون.

وهناك من الصحابة الذين إذا ما ذُكروا لا يسع المسلم إلا أن يقول: رضي الله تعالى عنهم، كانوا سودًا. فلو ذكرنا أمام مسلم سيدنا بلالًا فإنه على الفور يقول: رضي الله تعالى عنه.

ومن كان مطلعًا على قصته وإسلامه وجهاده وصحبته وخصائصه ومميزاته اغرورقت عينه من الدموع.

صبر سيدنا بلال على العذاب وتكليفه بالأذان لندى صوته

فهو [سيدنا بلال] الذي عُذّب في الله فصبر، وهو الذي كان تحت وطأة العذاب يقول: أحدٌ أحدٌ، فردٌ صمدٌ.

وهو الذي كان ندي الصوت، فلما رأى الأذانَ عبدُ الله بن زيد رضي الله تعالى عنه وأرضاه في منامه، وجاء يقصّ ألفاظ الأذان على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصباح، فقال له:

قال رسول الله ﷺ: «علِّمْه بلالًا فإنه أندى منك صوتًا»

وكان بلال رقيق القلب رقيق الحاشية، كان طيبًا منوّرًا في ذاته، وأضاف إلى هذا النور، أضاف إليه نورًا على نور من قبس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صحبته معه.

ذكرى سيدنا بلال عند المسلمين وتسميتهم أبناءهم باسمه تيمنًا

فكان سيدنا بلال قصةً ما زلنا نذكرها إلى الآن، وكلما ذُكر فالذي يخطر في بال المسلمين: الطيبة والنور والهدوء والصلاح.

بلال، وسمّى المسلمون بلالًا وأكثروا من التسمية تيمّنًا وتبرّكًا بسيدنا بلال. كان رقيق الحاشية وكان أسود اللون، إلا أنني لا أظن أن أحدًا من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها في عصرنا هذا وما سبقه من العصور، من لدن النبي صلى الله عليه وسلم بل وإلى يوم القيامة، يأتيه بلال الحبشي يطلب ابنته ويتأخر من أجل لونه، بل إنه سيبادر بالموافقة وستبادر البنت المسلمة بالموافقة لأنه سيدنا بلال، بل في ذلك شرف وأيّ شرف لكل مسلم على وجه الأرض أن يُناسب سيدنا بلال.

واقعة سيدنا أبي ذر مع بلال وتوبيخ النبي له على التمييز العنصري

سيدنا بلال له واقعة مع فردٍ من أفراد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن هم في علو المقام، وهو سيدنا أبو ذر الغفاري. سيدنا أبو ذر من كبار الصحابة العلماء الفقهاء، أصحاب المواقف وأصحاب العبادة وأصحاب الرضا من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

سيدنا أبو ذر يلتقي سيدنا بلالًا وتجري بينهما مشاحنة لأي سبب كان، وتفلت لفظة من فم سيدنا أبي ذر ويقول له: يا ابن السوداء.

ويصل الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول له:

قال رسول الله ﷺ: «يا أبا ذر، إنك امرؤ فيك جاهلية»

رسول الله يحب أبا ذر، رسول الله يُقدّر أبا ذر، رسول الله يُعطي أبا ذر منقبةً لم يُعطها لأحد من قبله ولا من بعده، وهو الذي يقول له:

قال رسول الله ﷺ: «تعيش وحيدًا، وتموت وحيدًا، وتُبعث يوم القيامة وحيدًا فريدًا»

رضي الله عنه.

أثر كلمة النبي على قلب أبي ذر واعتذاره لبلال بوضع خده على الأرض

تخيّل أن رسول الله يحبك، وتخيّل أن رسول الله يختصّك بهذا، ثم تخيّل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنك امرؤ فيك جاهلية. يعني معنى الكلام أن هذا وقع على قلب أبي ذر تأثيرًا شديدًا غيّر حياته.

وهم الذين كانوا على استعداد أن يُضحّوا بحياتهم في سبيل الله ورسوله وقضية الإسلام، أيّ حياة لا تساوي شيئًا عنده في مقام رضا الله ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم. فيقول له: يا أبا ذر، إنك امرؤ فيك جاهلية.

لأجل من؟ لأجل هذا الأسود المرضيّ عنه من الله، الذي علّم المسلمين كيف لا يُميّزون بين أحد من البشر على أساس اللون، وقد ميّز الناسُ جميعًا.

فيذهب [أبو ذر] ويقول لسيدنا بلال: أنا سأضع خدّي على الأرض وأنت ضع قدمك ونعلك على خدّي، طأ وجه ابن البيضاء.

عفو سيدنا بلال عن أبي ذر ورفضه وضع قدمه على خده لطيبته وشفافيته

ما هذا؟ وعلى الفور ومباشرة وبلا تردد، لم يقل له [أبو ذر]: حسنًا، إنه ابن السوداء صحيح وأنا كذبت وأنا قلت شيئًا لم يقله. لم تكن لديهم هذا اللؤم، كانوا أناسًا شفافين قريبي العهد بالله ورسوله.

فوضع رأسه على الأرض وقال له: ضع حذاءك فوق خدّ ابن البيضاء. فرفض سيدنا بلال؛ فهو طيب وعنده عفو. هكذا صفح سيدنا بلال.

رؤيا النبي لبلال يسبقه في الجنة وسبب ذلك بالوضوء والصلاة

الذي [سيدنا بلال] يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول له:

قال رسول الله ﷺ: «يا بلال، رأيتك بالأمس تسبقني في الجنة، وأسمع خشخشة نعليك قبلي في الجنة»

فيرتعد بلال ويقول: يا رسول الله، أنا لا أعرف، ما بيني وبينك أتدخّل؟ فقال: بمَ هذا؟ قال: لا أعرف إلا أنني كلما توضأت صليت ركعتين. قال: بها يا بلال.

من الذي سيسبق رسول الله؟ ما من أحد. هذه الرؤية رمزية؛ فسيدنا بلال بلغ من المنزلة عند الله ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يراه يسبقه في الجنة.

امتناع بلال عن الأذان بعد وفاة النبي وهجرته إلى الشام شوقًا إليه

سيدنا بلال عندما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى امتنع عن الأذان، ولم يستطع أن يؤذّن؛ لأنه كلما أراد الأذان غلبته عيناه، يتذكر حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يقوى على إكمال الأذان.

بل إنه هاجر من المدينة إلى الشام من أجل أن يبتعد عن هذه الوجدانيات الطاحنة التي كانت تطحن قلبه رضي الله تعالى عنه شوقًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

حتى إذا ما جاء مرة طلبوا منه الأذان فأذّن، فأبكى من في المدينة كلها، وتذكّروا عهد رسول الله وهو قريب العهد بهم.

خاتمة الحلقة وتأكيد موقف الإسلام الحاسم ضد التمييز بكل أشكاله

الإسلام ضد التمييز بأي شكل كان، ضد التمييز ضد الإنسان.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.