سورة المائدة | ح 943 | 25| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 943 | 25| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • يشرح النص قصة موسى عليه السلام عندما خذله قومه بني إسرائيل ورفضوا الجهاد ودخول الأرض المقدسة.
  • التجأ موسى إلى ربه قائلاً: "ربِّ إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين".
  • يقدم النص دروساً للدعاة حين يخذلهم أقوامهم: أولها اللجوء إلى الله وليس إلى العنف أو اليأس.
  • ثانيها التمسك بالمبدأ والحق مادام الداعية متيقناً أنه من عند الله.
  • ثالثها معرفة ما هو مستطاع في حقه وحق من معه.
  • الهداية في القصة تكمن في تطبيقها على واقعنا، وليس مجرد قراءتها كخبر عن بني إسرائيل.
  • يجب قراءة القرآن بوصفه هداية للمتقين، والبدء بإصلاح النفس.
  • يوضح النص قراءات مختلفة لقوله تعالى: "فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض"، ويبين أن علامات الوقف في القرآن مبنية على المعنى وليس على الرواية.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

مقدمة تفسير دعاء موسى عليه السلام في سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، وعند قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام وهو يناجي ربه:

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِى فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ [المائدة: 25]

رفض بني إسرائيل للجهاد والتجاء موسى إلى ربه سبحانه وتعالى

لمّا أن عُرض الجهاد على بني إسرائيل، وعُرضت عليهم الطاعة، وعُرض عليهم التكليف، وعُرض عليهم أن يكونوا في معية الله سبحانه وتعالى صابرين على أمره، وعندما رفضوا وأبوا وتولَّوا وقالوا له:

﴿قَالُوا يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَـٰتِلَآ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ﴾ [المائدة: 24]

التجأ موسى إلى ربه، وهذا شأن الدعاة إلى يوم الدين؛ عندما يخذلهم أقوامهم، فالداعي يدعو قومه إلى الخير ولا سلطان له عليهم، إنما هو يبلغ كلمة الله.

بيان الله تعالى لحال المرسلين وقصصهم للاستفادة إلى يوم الدين

وربنا سبحانه وتعالى يبين له [للداعي] كيف كان حال المرسلين الذين رضي الله عنهم وأوحى إليهم واصطفاهم وأيَّدهم، وقصَّ لنا قصصهم من أجل أن نستفيد بها إلى يوم الدين.

فماذا فعل موسى عليه السلام عندما خذله قومه؟ كان يمكن أن يغيِّر رأيه، أن يعيد حسابه، أن يترك ما كان عليه إلى خطة أخرى، ولكنه لمّا كان متأكدًا من الحق ولمّا أن خذله قومه، استمر ودام على دعوته وعلى مبدئه وعلى رأيه؛ ما دام هو متأكد أنه من عند الله فلا يتنازل عنه أبدًا.

حكمة الداعي حين يعجز عن إكراه قومه على الطاعة

ولا يستطيع [الداعي] أن يُكرههم إكراهًا؛ لأنه لو أكرههم وخرج بهم مُكرَهين لولَّوا مدبرين وتركوه وحده في ساحة القتال.

إذن، إذا لم تستطع شيئًا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع. هذه الحكمة العربية هي حكمة للدعاة الذين يخالفهم أقوامهم ويخذلونهم ويتركونهم ولا ينصرونهم.

ثلاثة دروس للداعي عند خذلان قومه من دعاء موسى عليه السلام

وأول ما يفعله الداعي عندئذٍ أن يلتجئ إلى ربه، وثانيًا أن يتمسك بمبدئه، وثالثًا أن يرى ما هو مستطاع في حقه وحق من كان معه.

قال [موسى عليه السلام]: "ربِّ"، أول شيء هذا هو الدرس الأول: عندما تضيق بك أيها الداعي السبل وترى قومك قد خذلوك، فالتجئ إلى الله، لا تلتجئ إلى العنف، ولا تلتجئ إلى اليأس، ولا تلتجئ إلى الحيلة التي لا حيلة فيها، وإنما اللجوء إلى الله.

قال: "ربِّ"، هذا هو الدرس. "إني لا أملك إلا نفسي وأخي"، هذا ثاني درس: المستطاع، أنا وأخي فقط لا غير، ليس معنا أحد.

الفرق بين اليأس والانتحار وبين الهداية الربانية عند ضيق الحال

ماذا يمكن أن يُفعل بنا؟ ربما لا ينفع شيء، خلاص، الأمر لله، الله غالب.

طيب، فيأس أو غيِّر رأيك، أو تُصاب بإحباط، أو انتحر! فقد كان بعض الفرسان النبلاء في بعض الحضارات، عندما يضيق بهم الحال ويرون أنه لا أمل في تحقيق النتائج، يُقدِم بعضهم على الانتحار. حدث هذا في حضارات أخرى.

لكن الهداية الربانية فرَّقت بيننا وبين القوم الفاسقين، وهيَّأ لنا من أمرنا رشدًا.

معنى دعاء موسى بالفرق بينه وبين القوم الفاسقين وسبب وصفهم بالفسق

انظر إلى هذا الدعاء الجميل، يعني: يا ربِّ وفِّقني فيما أقمتني فيه.

﴿فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ [المائدة: 25]

ولِمَ هم فاسقون؟ لأنهم عصوا أمر الله سبحانه وتعالى.

كيفية تحويل آيات القصص القرآني إلى هداية شخصية في حياة المسلم

آية قصيرة تتحدث عن تاريخ، لكن الهداية فيها هي أن تحوِّلها إلى نفسك أنت، والهداية فيها كيف تعيش هذه الآية في عصرك وفيما أنت سائر فيه في طريق الله إلى الله.

فلا بد عليك أن تقرأ القرآن وعينك على هذا [الاستفادة الشخصية]، لا أن تقرأه بأنه خبر عن بني إسرائيل، أو أنه سبٌّ في بني إسرائيل، أو أنه ينبغي علينا أن نُراكم العداوة لبني إسرائيل لهذا الخلل الفظيع الذي فعلوه عبر القرون إلى آخر ما هنالك من مواقف.

بل الموقف الصحيح: ابدأ بنفسك ثم بمن تعول، ابدأ بنفسك ثم بمن يليك. الموقف الصحيح أن تجعل القرآن هدايةً لك؛ لأنه هدى للمتقين، فلا بد أن تُدخل نفسك في دائرة المتقين.

إجابة الله لموسى بتحريم الأرض المقدسة على بني إسرائيل أربعين سنة

قال [الله تعالى]:

﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [المائدة: 26]

يعني قال ربنا سبحانه وتعالى إجابةً لموسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض.

علم الوقف والابتداء في القرآن مبني على اجتهاد العلماء لا على الرواية

فتجد علماء الوقف والابتداء — والوقف والابتداء في القرآن مبنيٌّ على المعنى وليس مبنيًّا على الرواية — يعني لا توجد رواية عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول لنا متى نقف وأين نقف، بل كل هذه الوقوف التي وضعها علماء القرآن الكريم إنما جاءت من كلام المفسرين، أهل الله وأهل القرآن، أهل العلم. إذن هو اجتهاد الأمة.

شرح علامة التعانق في المصحف ومعناها وكيفية الوقف عندها

ومن ضمن هذه الوقوف ما يسمونه بـعلامة التعانق، حيث يضع لك ثلاث نقاط، وبعد كلمتين أو كلمة أو شيء ما يضعون ثلاث نقاط أخرى.

ما معنى ذلك؟ معناه أنك إذا وقفت على الأولى فلا تقف على الثانية، وإذا لم تقف على الأولى فقف على الثانية. قف على أحدهما؛ فإذا وقفت على الأولى فلا تقف على الثانية، وإذا لم تقف على الأولى فلا بد أن تقف على الثانية.

لقد سمَّوا هذه علامة التعانق، ووضعوها هنا [في هذه الآية] بعد كلمة "عليهم" وبعد كلمة "سنة".

القراءة الأولى للآية والوقف بعد عليهم لتحديد مدة التيه بأربعين سنة

نقرأ على القراءة الأولى:

﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 26]

هذه وقفة، ثم نُكمل:

﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [المائدة: 26]

مدة التيه هي الأربعون سنة، والحُكم أن هذه الأرض محرمة عليهم [تحريمًا مطلقًا]. هذه أول وقفة.

القراءة الثانية للآية والوقف بعد سنة لتحديد مدة التحريم بأربعين سنة

حسنًا، نريد أن نقرأ مرة ثانية بطريقة أخرى. قال:

﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [المائدة: 26]

ثم:

﴿يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [المائدة: 26]

إذن مدة التحريم هي الأربعون سنة [في هذه القراءة].

هل هذه الأربعون سنة هي مدة التيه أم مدة التحريم؟ في البداية [القراءة الأولى] تكون هذه مدة التيه، وإذا وقفت في الثانية تكون هذه مدة التحريم.

ثمرة الوقف على القراءة الثانية ونفي الحق التاريخي لبني إسرائيل في الأرض

حسنًا، قال:

﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [المائدة: 26]

أنا متفق مع ذلك [القراءة الثانية]، وسأقرأها هكذا، ويكون معناها أنها محرمة عليهم وأنهم لن يدخلوها، أو إذا دخلوها فسيكونون قد دخلوها في حالة الافتراء.

محرمة عليهم وانتهى. أربعون سنة يأتي هنا [ظرفًا] إلى الأرض، ليس عليها مدة التَّوَهان أربعين سنة، فلا يكون له [لبني إسرائيل] حق تاريخي ولا حق غير تاريخي.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.