سورة المائدة | ح 946 | 27 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 946 | 27 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • تفسر الآية القرآنية في سورة المائدة قصة ابني آدم اللذين قربا قرباناً فتُقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر.
  • القرآن لم يذكر تفاصيل كأسمائهما (هابيل وقابيل) وسبب الخلاف بينهما وطريقة قبول القربان التي ذُكرت في كتب أهل الكتاب.
  • ركز القرآن على الهدف الأساسي وهو بشاعة العدوان على النفس البشرية وحرمتها.
  • يعلمنا القرآن احترام النفس البشرية بغض النظر عن دينها، كما وقف النبي ﷺ للجنازة اليهودي قائلاً: "أو ليست بنفس؟".
  • قوله "لأقتلنك" استخدم أسلوب التأكيد الشديد لأن السامع كان سينكر أشد الإنكار كونها أول جريمة قتل.
  • الروح التي نفخها الله في الإنسان تعطيه مكانة خاصة، لذلك لا يجوز الاعتداء على الجنين بعد نفخ الروح (بعد أربعة أشهر).
  • لا يجوز قتل الرحمة للمريض الميؤوس من شفائه احتراماً للنفس البشرية.
  • الله يتقبل من المتقين حسب المراد الإلهي وليس وفق رغبات البشر.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

افتتاح الدرس وتلاوة آية قصة ابني آدم من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْـَٔاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]

هنا قرّبا قربانًا فتُقُبِّل من أحدهما.

منهج القرآن في عدم ذكر التفاصيل المأخوذة من كتب أهل الكتاب

لا يزال القرآن لا يذكر التفاصيل التي ذُكرت في التفاسير من كلام أخذناه من تفاصيل موجودة في كتب أهل الكتاب من قبلنا. فتذكر هذه الكتب أنه في ذلك الزمان كانوا إذا قرّبوا القربان فإن الله يتقبل ذلك القربان برفعه إلى السماء واحتراقه، وأن القربان الذي لم يُؤخذ ولم يُحرق فإنه يكون غير مقبول.

وأن اسمَي هذين الابنين هابيل وقابيل، وأن القاتل هو قابيل، وأن المقتول هو هابيل، وأنهما قد اختلفا على الزواج من أخت لهما.

تفاصيل الزواج بين أبناء آدم وكيفية انتشار البشرية في ذلك الزمان

وكان في هذا الزمن حواء تلد في كل بطن ذكرًا وأنثى، وكان قد حُرّم الزواج بين التوأمين من بطن واحدة، ولكن يجوز لهذا أن يتزوج من أخته وإن كانت أخته لكنها أخت غير محرمة عليه من بطن أخرى، وبأصل هذا [الحكم الشرعي] انتشرت البشرية.

كل هذا موجود في التفسير، ولكن الله لم يذكره، وإنما ذكر ما يوصلنا إلى الهدف من بشاعة العدوان على النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، بشاعة هذا العدوان وإنكاره واستنكاره.

وجوب التوبة من قتل النفس لأنه هدم لبنيان الرب الذي أودع فيه الروح

وموقف الإنسان إذا ما ابتُلي بهذا الذنب [ذنب القتل]، وأنه يجب عليه أن يتوب لأنه قد هدم بنيان الرب، وبنيان الرب هو الإنسان الذي أودع الله فيه روحًا من عنده ومن خلقه قامت به، وأن ذلك يستوجب الاحترام المزيد للإنسان.

فيعلمنا أن نحترم الإنسان كإنسان، ولذلك عندما كانت جنازة تمر على النبي صلى الله عليه وسلم فوقف، فقالوا: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي، يعني مات على غير الإسلام.

قال [رسول الله ﷺ]: «أو ليست بنفس؟»

إذن الوقوف هنا احترامًا للنفس البشرية بغض النظر عن كينونتها أو عن إيمانها أو عن دخولها في إطار العقاب أو الثواب عند الله.

تكريم الله للنفس البشرية بسجود الملائكة لآدم بعد نفخ الروح فيه

ولكنه [سبحانه وتعالى] لما خلقها نفسًا بشرية فقد أضفى عليها من الاحترام ما أسجد الملائكة لأبيهم آدم من أجلها، فلما سوّاه ونفخ فيه من روحه أمر الملائكة:

﴿فَقَعُوا لَهُ سَـٰجِدِينَ﴾ [الحجر: 29]

aسجدوا لآدم، فسجد الملائكة كلهم أجمعون.

إذن القضية هي تعظيم هذا الشأن، شأن الروح في الجسد.

حكم العدوان على الجنين بعد نفخ الروح والفرق بين الحياة النباتية والروحية

ومن هنا أخذ الفقهاء أنه لا يجوز العدوان على الجنين بعد أربعة أشهر، وهي المدة التي حددها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفخ الروح في ذلك الجسد، وإن كان ناميًا متحركًا قبلها.

فيقول الفقهاء عن ذلك الحياة النباتية؛ فالجنين في بطن أمه قبل الشهور الأربعة التي تُنفخ عندها الروح كان حيًا حياة نباتية وليست حياة نُفخت فيها الروح، تستوجب بعد ذلك المؤاخذة وتستوجب بعد ذلك القصاص.

حرمة قتل الجنين المشوه وتحريم القتل الرحيم بإجماع العلماء

وهذا الجنين الذي نُفخت فيه الروح شأنه حتى مع تشوهه أو مع عجزه أو احتمال عجزه، شأن من أُصيب من بني الإنسان فقُطعت أطرافه أو أُصيب عقله أو مخه أو أُصيب بأي شيء، فلا بد عليه [أن يُحترم]، لا يمكن القول بأن نقتله رحمةً به أو نقتله حتى نتخلص منه أو هو يتخلص من آلامه.

ولذلك اتفقت كلمة العلماء على أنه لا يجوز قتل الرحمة لمريض ميؤوس من شفائه يتألم ويطلب أن يعطيه أحد حقنة تميته أو أي شيء، فهذا ممنوع احترامًا للنفس البشرية.

دلالة استخدام أدوات التأكيد في قوله لأقتلنك على أن الجريمة لم تُعرف من قبل

﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْـَٔاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ [المائدة: 27]

وهنا نراه يستعمل أدوات التأكيد؛ لأن كلامه يعني لا يُصدق أولًا، لم تُرتكب مثل هذه الجريمة من قبل.

فماذا يعني أن تقتلني؟ أنني لا أفهم معناه أن تقتلني كما نقتل الحيوان ونذبحه، وقد سلّطنا الله عليه ومكّننا منه من أجل المنفعة والأكل والشرب. وتقتل [إنسانًا]؟! يعني لا أفهم! يعني لأن السامع منكر استعمل المتكلم صيغة التأكيد: لأقتلنك.

قاعدة بلاغية: إذا كان السامع منكرًا أشد الإنكار وجب أشد التأكيد

لو قال له سوف أقتلك، إن شاء الله أقتلك، هكذا فقط من غير اللام والنون والتأكيد، هذا ما كان صدقه، كان سيقول له: ماذا؟ أنت تمزح!

لكن نحن نقول إن المتكلم إذا رأى السامع منكرًا أشد الإنكار يؤكد أشد التأكيد، فلما تكلم بكلام فيه أشد التأكيد عرفنا أن السامع كان سينكر أشد الإنكار. لو لم يكن كذلك [لقال]: لقتلتك [بدون تأكيد].

الإعجاز البلاغي في القرآن ودلالته على أنه ليس من عند بشر

وهذا يدل على [إعجاز القرآن]، انظر، حسنًا، وهذا لو كان هذا القرآن من عند محمد [صلى الله عليه وسلم]، يعني كيف يفكر محمد في هذه المسألة؟ لا تصلح والله، هذه مشيئة من عند الله، هذه مشيئة من عند الله.

«سأقتلك» في هذا الموقف لماذا [لا تكفي]؟ لأنها أول مرة تحدث في العقل، ولأنها غير مصدقة، فالسامع ينكرها أشد الإنكار، فاستوجب ذلك أشد التأكيد.

هذا لو كان شخص يجلس يبحث ويتفلسف، لن يصل إليها. انتبه عند الإنشاء يعني أنني أكتب لا آتي بها، أما عند التفسير فأجلس وأتأمل فيها هكذا.

تدبر القرآن يكشف إعجازه المتجدد عبر القرون وتأكيد صيغة لأقتلنك

كيف أن هذا الكلام بعد أربعة عشر قرنًا، وربما الكلام الذي أقوله هذا لا تجده في التفسير، لم يخطر على بال أحد، وربما تجدها، لكنني لم أجدها، أي لم أرها من قبل.

لكن كل ما تتدبر القرآن كل ما تجده معجزًا، شيئًا يعجز عنه أن يقوم به فرد أو جماعة أو مجموعة أو غير ذلك.

﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ في هذا الموقف كان يكفي «لأقتلك» وحسب، أو «سوف أقتلك»، لا، بل لَأَقْتُلَنَّكَ استخدم أشد التأكيد.

رد هابيل على أخيه بأن الله إنما يتقبل من المتقين وسبب الخلاف بينهما

﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]

لماذا تقتلني؟ إن الله يتقبل من عباده من المتقين، ويُتَقَبَّل حينما يكون هناك تقوى.

وقال [المفسرون] إنه اختلف مع أخيه على أنه يريد أن يتزوج توأمته، والآخر يقول: هذا حرام وخطأ وممنوع، فاختلفوا على هذه المسألة، فقرَّب كل منهما قربانًا، فتُقُبِّل من أحدهما ولم يُتَقَبَّل من الآخر.

الحديث طويل مع كتاب الله سبحانه وتعالى، فإلى لقاء آخر، نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.