سورة المائدة | ح 968 | 38 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 968 | 38 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • جريمة السرقة من الكبائر التي وضع الله لها حداً شديداً في سورة المائدة، لتهديدها أمن المجتمع واستقراره.
  • الكبيرة هي ما ورد فيها لعن من الله أو رسوله، أو ورد فيها حد، أو ورد بشأنها خلود في النار.
  • السرقة عدوان على الملك، وهو مقصد إلهي من مقاصد الشرع الخمسة: حفظ النفس والعقل والدين والعرض والملك.
  • قوله تعالى: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" يعلمنا المساواة بين الرجل والمرأة في التكاليف والحقوق والواجبات والمآلات.
  • الإسلام لا يميز ضد المرأة، بل يوزع الأدوار ويحترم الخلقة ويسير وفق الفطرة.
  • الرجل والمرأة في الإسلام مكلفان معاً ومسؤولان أمام الله، كما ظهر في قصة آدم وزوجته.
  • الإسلام يرفض تماماً محاولات طمس الفوارق بين الجنسين بدعوى الحرية.
  • المسلم والمسلمة يرضيان بأمر الله، ويربطان عملهما في الدنيا بالآخرة.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة حول حد السرقة في سورة المائدة وعقوبتها الشديدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يضع ربنا سبحانه وتعالى حدًّا شديدًا إزاء جريمة من جرائم المجتمع، الجرائم التي تصيب المجتمع بعدم الأمن وعدم الاستقرار، وهي جريمة السرقة؛ يضع إزاءها عقوبة شديدة وحدًّا من حدود الله.

علامات الكبيرة في الشريعة الإسلامية وأمثلتها من الذنوب

وكما قلنا مرارًا أن الكبيرة هي التي ورد فيها لعنٌ من الشارع [أي من الله] أو رسوله، أو ورد بإزائها حدٌّ كالسرقة والزنا والحرابة والقتل وأنواع هذه الجرائم أو الذنوب، أو ورد بشأنها خلودٌ في النار.

فإذا ورد شيءٌ من هذا كانت من الكبائر؛ علامة الكبيرة أن يرد فيها شيءٌ من هذه الثلاثة [اللعن أو الحد أو الخلود في النار].

آية قطع يد السارق وبيان أن السرقة كبيرة تخل بأساس المجتمع

وهنا قال تعالى:

﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]

فاقطعوا أيديهما حدٌّ، إذا فاقطعوا أيديهما جعلت السرقة كبيرة من الكبائر. وكلمة كبيرة معناها أن تركها [أي ترك عقوبتها] يُخلّ بأساس المجتمع.

السرقة عدوانٌ على المال، والمال في ملك صاحبه، فالسرقة عدوانٌ على الملك في أساسها، إذن يُحرّم ربنا العدوان على الملك.

المقاصد الخمس للشريعة الإسلامية وحفظها في جميع الأديان

وتعتبر الشريعة الإسلامية العدوان على الملك عدوانًا على مقصدٍ إلهي من الخلق ومن الشرع، قد حُفظ في كل الأديان:

  1. حفظ النفس
  2. حفظ العقل
  3. حفظ الدين
  4. حفظ كرامة الإنسان ونسميها العِرض
  5. حفظ الملك [أي المال]

فمن اعتدى على النفس فقد ارتكب كبيرة، ومن اعتدى على العقل فقد ارتكب كبيرة، ومن اعتدى على الدين فقد ارتكب كبيرة، ومن اعتدى على كرامة الإنسان فقد ارتكب كبيرة، ومن اعتدى على ملك الإنسان فقد ارتكب كبيرة.

فمقصد الشرع من شرعه أن يشعر الناس في الاجتماع البشري بالأمن والأمان.

المساواة بين الرجل والمرأة في التكاليف والحقوق والمحاسبة

والسارق والسارقة، وهنا يعلمنا ربنا سبحانه وتعالى المساواة بين الرجل والمرأة في التكاليف، في الحقوق، في الواجبات، في المآلات، في المحاسبة. فإن الرجل والمرأة معًا مسؤولان مسؤولية تامة أمام الله سبحانه وتعالى.

ومن أجل ذلك بيّن لنا منذ بداية الأمر في قصة آدم مع زوجته التي نسميها حواء - والقرآن لم يذكر اسم حواء إنما ورد في السنة أمكم حواء - حاسب الاثنين.

قصة آدم وحواء دليل على المساواة في المسؤولية والمحاسبة

وعندما تكلم [الله سبحانه وتعالى] بشأن الاثنين أنهما قد استجابا للشيطان، ليست المرأة هي التي أغوت، لا، ولا الرجل هو الذي ضغط على المرأة أبدًا، بل قال [تعالى]:

﴿فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: 36]

انظر إلى المساواة [في المسؤولية بين آدم وحواء]! ومع ذلك يتهمون الإسلام بغير ذلك، فصبرٌ جميل والله المستعان على ما تصفون.

وحدة التكاليف والحقوق بين الرجل والمرأة مع اختلاف الأدوار والوظائف

إن الإسلام في أصل الخلقة جعل الرجل والمرأة مكلفين، وهناك [في] سورة النور:

﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُوا كُلَّ﴾ [النور: 2]

إذن في وحدة في التكاليف، وحدة في الحقوق، وحدة في الواجبات، وحدة في المآل، ووحدة في المحاسبة في مساوئه.

حتى وإن لم يكن هناك تساوٍ [مطلق في كل شيء]؛ فأقام الله الرجل لوظيفة وخصيصة ومركز قانوني وضعه فيه، فكلّفه بإزاء هذا المركز القانوني وأعطى له حقوقًا ورتّب عليه واجبات، ترتيبٌ وتقسيم. وجعل للمرأة شيئًا آخر يتناسب مع خصائصها ووظائفها ومراكزها القانونية، ومنع الخلط بينهما.

لعن المتشبهين والمتشبهات وحدود الإسلام الفاصلة بين الجنسين

وقال صلى الله عليه وسلم:

«لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء»

لأنك تريد إفساد الكون.

«ولعن الله المتشبهات من النساء بالرجال»

هذه حدود فاصلة، هي حدود الإسلام. هناك أفكار أخرى، هناك أفكار تدعو إلى التساوي [المطلق بين الجنسين].

﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]

هذه العبارة تُقال هنا: لكم دينكم ولي ديني.

لا تمييز ضد المرأة في الإسلام بل توزيع للأدوار واحترام للفطرة

نحن نراها هكذا، لا يوجد تمييز ضد الأنثى في الإسلام، ولكن يوجد توزيع للأدوار، واحترام للخلقة، وسيرٌ في خضم الفطرة وتيارها.

ولكن ليس هناك أي تمييز. الذي يريد أن تغلب الحرية على الخلقة فيجوز للرجل أن يختار ما يشاء من كونه رجلًا أو غير رجل، ويجوز للمرأة أن تختار ما تشاء، هذه رؤية هكذا، لكن لا علاقة لها بدين الإسلام.

نقول لهم:

﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]

أنا أعيش هكذا.

المرأة المسلمة راضية بأمر الله ولا تحتاج لمن يدافع عن حقوقها

أما المرأة المسلمة فترضى بأمر الله، وهي مسرورة بذلك، ولا تستطيع أن تخرج عن هويتها ولا عما أمرها الله به، وتربط كل ذلك في الدنيا بالآخرة راضية، مبسوطة، الله [يرعاها].

فيأتي [أحدهم] ليقول لها: لا، دافعي عن حقوقك! فتقول له: أنا حقوقي معي وآخذة إياها، أنت ماذا تريد؟ يريد أن نقلده، لا يريد أن نعطي حقوقنا لأنفسنا [بل يريد أن نتبع نموذجه].

رضا الرجل والمرأة بخلقتهما ورفض محاولات تبديل الأدوار باسم الحرية

عندما تكون المرأة راضية بكونها امرأة وفخورة بذلك، والرجل راضٍ بأنه رجل وفخور بأنه كذلك رجل، فما شأنك أنت؟ تريد أن تجعل المرأة رجلًا والرجل امرأة لكي تثبت الحرية المزعومة.

وهم يريدون أن يطيعوا ربهم. أوليس من الحرية أن تتركني أدخل الجنة كما أنه من الحرية أن أتركك تدخل النار؟ أين هي الحرية الآن؟

الحرية في الإسلام لا إكراه في الدين ومسؤولية الاختيار

دعك من هذا، أنا أقول عليك أن تدخل النار، ودعك من [ذلك].

﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]

﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]

﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]

حرية! حرية في ماذا؟ في أن يكفر؟ في أن يختار طريق النار؟ هو حرٌّ.

﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]

﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الغاشية: 22]

أنا ما لي؟ أنا بلّغت. ولكن أليس من العدل أن تتركني أدخل الجنة كما أنه من العدل أن أتركك تدخل النار؟

إنكار النار لا ينفي وجودها والتمسك بالعقيدة واجب على المسلم

كلما أقول لهم هكذا يقولون: لا تقل هكذا لأننا لن ندخل النار. ما السبب؟ قال: لا توجد نار، خلاص لا توجد نار! أنت حرٌّ.

أنا قلت ما بداخلي من عقيدة أنه في نار، وأنك أنت إن شاء الله ستدخلها إذا لم يُنجِك الله سبحانه ويهديك. فإذا لم يهدِك فقد كتب الله عليك هذا.

﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]

وإلى لقاء آخر نستودعكم الله عند هذه الآية، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.