سورة المائدة | ح 990 | 50 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 990 | 50 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

12 دقيقة
  • يشرح سؤال الله تعالى في الآية ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ أنه سؤال إنكاري يحمل معنى التنبيه والتحذير.
  • السؤال الإنكاري يوجه للغافلين وليس للمتعمدين، فهو يشير إلى أن المخاطبين ليسوا سيئين بقدر ما هم غافلون عن الحقيقة.
  • يعلمنا هذا الأسلوب منهج التعامل مع المخالفين بالإقناع والرحمة، لا بالصدام والمواجهة.
  • قوله تعالى ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ يتضمن أفعل تفضيل الذي يقتضي المشاركة، أي أن حكم غير الله قد يكون فيه حسن، لكن حكم الله أحسن.
  • العقل البشري قد ينتج أشياء حسنة كقواعد تنظيم المعاش والمرور، وهذا من إلهام الله له ما لم يخالف الشريعة.
  • يربط الله الحكم باليقين في قوله ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ مما يشير إلى أهمية التصور الكلي للإنسان والحياة وما قبلها وما بعدها.
  • النص يوضح المنهج القرآني في مخاطبة العقل والقلب معاً لتصحيح المفاهيم والتصورات.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة تفسير آية أفحكم الجاهلية يبغون من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة يقول سبحانه وتعالى:

﴿أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: 50]

على سبيل السؤال، والسؤال يحتمل في نفسه أن يكون إنكاريًّا؛ عندما ترى شخصًا ما غدًا لديه امتحان وهو جالس يلعب كرة، فتقول [له] تلعب [الكرة والامتحان غدًا؟!] دور المستنكر عليه. فالسؤال قد يكون استفهاميًّا وقد يكون إنكاريًّا.

سؤال الله الإنكاري في الآية وفائدة التنبيه للغافلين

فربُّ العالمين سبحانه ليس محتاجًا أن يسأل أحدًا، فسؤاله هنا [في الآية] إنما هو على سبيل الإنكار.

وصيغة السؤال على سبيل الإنكار تعطينا فائدة التنبيه؛ فالسؤال الإنكاري يتضمن في داخله التنبيه، كشخص يقول: استيقظ! استيقظ!

وهذه العبارة نقولها لمن؟ قال: للغافل، ولا نقولها للمتعمد. حسنًا، المتعمد قاصدٌ عالمٌ مختارٌ متعمدٌ. إذن هؤلاء الناس عندهم غفلة، وهذا ستجدونه في المناقشات أن هؤلاء الناس ليسوا سيئين جدًّا، بل غافلون عن معنى معين، يعني ليس عندهم سوء نية للإضرار بالناس، وإنما ليست لديهم الفكرة الصحيحة التي ينبهنا الله إليها.

الفرق بين الإخبار والاستنكار في وصف طالبي حكم الجاهلية

أهو كل هذا؟ يأتي من السؤال الاستنكاري، أي أن الله سبحانه وتعالى لو قال: هم يريدون حكم الجاهلية [بصيغة الإخبار]، كان ذلك يعني أنهم ضالون تمامًا وانتهى الأمر، وجعل العداء بيني وبينهم مستحكمًا إلى يوم القيامة؛ هؤلاء أناس ضالون مغضوب عليهم، عقولهم مغلقة ولا يريدون الشرع.

لكن عندما يقول:

﴿أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: 50]

فإنه ينبهني إلى أنه وبناءً عليه فهم من الغافلين، وبناءً عليه يستحقون الرأفة والراحة والهدوء، ولا يستحقون الصدام والمصادمة.

أسلوب التنبيه في الآية يشمل المخاطَب والداعية معًا

أفحكم الجاهلية تبغون؟ توقف يا ولد واسحب كلامك، فأنت لا تعرف ما هو مذهبك الذي ستصل به إلى تحكيم حكم الجاهلية، وهذا وبالٌ عليك وعلى الآخرين وعلى من تحب وعليك أنت نفسك وعلى من حولك.

﴿أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: 50]

وهذا السؤال أيضًا لأنه في صيغة السؤال: أفحكم الجاهلية يبغون، نبّههم وقال لهم أصفُ [حالهم]، ونبّهني أنا أيضًا قائلًا: احذر.

أليس هو [سبحانه] قال:

﴿وَاحْذَرْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَاحْذَرْهُمْ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 49]

حسنًا، أنا سأحذرهم، أنا سأحذرهم.

تحذير الله للداعية من الميل إلى أقوال المخالفين وبيان منهج التعامل

فما معنى ذلك وربي؟ يحذرني أنني قد يميل قلبي إليهم ويقتنع ببعض مقولاتهم، فينبهني أيضًا ثالثًا أن أنتبه، فإنك إذا اتبعتهم ستصل إلى حكم الجاهلية.

لقد نبّههم ونبّهني وعلّمني منهجًا للتعامل معهم وهو:

  • الإقناع والهدوء والرحمة وطول البال.
  • وعلّمني ترحيل المسائل إلى الحكم يوم الدين.
  • وعلّمني أن أكون داعية.

معنى أفعل التفضيل في قوله تعالى ومن أحسن من الله حكمًا

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50]

لماذا يقول لي: تعال، احذر أن يضيق قلبك؟ فواحد في الألف إن ربنا سبحانه وتعالى حِلم، وأحكامه حِلم، وشريعته حِلم، وطريقه حِلم ومستقيم ومنير، والباقي في اضطراب وغموض ومشقة، فتنبّه.

أحسن هي أفعل تفضيل، وأفعل التفضيل يقتضي المشاركة؛ أفعل التفضيل يقتضي المشاركة بين أمرين وأن المعنى في أحدهما أكثر من الآخر، أن المعنى في أحدهما أكثر من الآخر.

أسلوب الحوار القرآني في الاعتراف بحسن نتاج العقل مع بيان أفضلية الشرع

حسنًا، الكلام الذي يقال له [للمخالف] قد يكون فيه حُسن، لكن شرع الله أحسن. وهذه نقطة تستفيد منها وأنت تجادل؛ ونحن كثيرًا ما نجادل الناس، فتقوم وتقول له: لا، كل هذا باطل، كل هذا خطأ.

لا، الله لم يعلمنا هكذا، بل علّمنا: نعم، ولكن أليس هناك خير في كذا وكذا وكذا؟ نعم صحيح، ولكن شره أكثر من خيره.

عندما نسير وراء خطتنا هذه لن نحقق نتائجنا، طبعًا ستحقق نتائجها قطعًا، ولكن ليست هي النتائج المرجوة، ولسنا نحن من سنفيد الجماهير هذه كلها، نعم ولكن ستضر الجيل القادم وهكذا.

قاعدة أفعل التفضيل تقتضي المشاركة في الحسن بين حكم الله ونتاج العقل

نعم، أما التي هي أحسن، أحسن، فمعناها أن هذا الشيء حسن وذلك الشيء حسن أيضًا، لكن حُسن هذا أكثر. فأفعل التفضيل يقتضي المشاركة بين أمرين، والمعنى الذي تأتي به في أفعل التفضيل موجود في أحدهما أكثر من الآخر.

فعندما نقول هذا الولد أقوى من ذلك الولد، فيكون الاثنان قويين لكن هذا أقوى من ذاك. عندما نقول هذا أجمل من ذاك، فيكون الاثنان جميلين لكن هذا جماله أكثر من ذاك. عندما نقول أحسن وأفعل [التفضيل] فالقاعدة الخاصة بها هكذا.

رأي الشيخ الشعراني في الالتزام بنظم غير المسلمين التي لا تخالف الشريعة

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْمًا﴾ [المائدة: 50]

أحسن من الله حكمًا، هو في الحُسن في الحكم الذي لغير الله، من أين يأتي؟ يأتي بما وهبه الله له من عقل.

ولذلك الشيخ الشعراني ينصّ على أنك إذا جئت إلى بلاد غير المسلمين ووجدتهم قد نظّموا للمعاش والارتياش نظامًا لا يخالف الشريعة، فعليك أن تلتزم به؛ فإن ذلك مما ألهمه الله إليهم لتنظيم المعاش ولتحصيل الارتياش.

ذهبت إلى بلد فوجدتهم واضعين شيئًا اسمه قواعد المرور، يجب أن ألتزم بها. لماذا؟ قال: لأن هذا من إلهام الله له. لماذا وضعوها؟ حتى لا نتسبب في حوادث، شيء طيب وجيد، إذن علينا اتباعها.

لماذا قال لهم هذا من عند الله؟ هذا مما ألهمهم الله سبحانه وتعالى به.

المقارنة بين نتاج العقل البشري وأوامر الإله وأفضلية حكم الله

ففي بعض الأشياء في حسن، عندما يأتي العقل فإنه ينتج أشياء - ما لم تخالف الشريعة - جميلة وجيدة.

وماذا عن الذي يخالف [الشريعة]؟ هنا توجد مقارنة بين نتاج العقل البشري وأوامر الإله، وسنرى أن أوامر الإله أحسن.

أما بالنسبة لنتاج العقل البشري، أليس فيه أي حُسن؟ لا، بل فيه حُسن، ولكن [حكم الله] أفضل. يا سلام!

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50]

رجعنا مرة أخرى للعلم وللرؤية وللعقيدة وللتصور الكلي للإنسان والحياة وما قبل ذلك وما بعد ذلك. وهكذا يسير قارئ القرآن معه في انبهار.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.