سورة المائدة | ح 1011 | 64 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 1011 | 64 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • يذكر النص كيف نعت اليهود الله بصفات لا تليق به، فقالوا "يد الله مغلولة"، فلعنهم الله وطردهم من رحمته.
  • ثبت في التاريخ اليهودي أنهم عبدوا الأوثان بعد موسى، وافتتحوا خمسة معابد للأوثان في فلسطين.
  • يصف بعض اليهود إلههم بصفات لا تليق، كأنه يلعب الشطرنج مع الملائكة، واتخذهم أبناءه وأحباءه.
  • القرآن قدم صورة صحيحة لله: "قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد".
  • أسماء الله الحسنى في القرآن بلغت مائة واثنين وخمسين صفة تصف الله تعالى.
  • سورة الفاتحة خطاب شامل للإنسانية جميعاً، ولم تخص أحداً بالعنصرية، فهي للناس جميعاً.
  • صلاة اليهود تبدأ بـ "الحمد لله الذي خلقني ذكراً"، وهذا يستثني النساء.
  • الإسلام دين متسامح يفتح ذراعيه للعالم كله، ويسعى لهداية الناس جميعاً.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

مقدمة تفسير آية وقالت اليهود يد الله مغلولة ولعنهم بسبب اعتدائهم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: 64]

واللعن هو الطرد من الرحمة، وهذا سبب طردهم من رحمة الله سبحانه وتعالى؛ أنهم يعتدون على الله.

ثبوت عبادة اليهود للأوثان بعد موسى في التاريخ اليهودي

ولقد ثبت في التاريخ اليهودي المكتوب بأقلام يهودية صرفة أن اليهود بعد موسى عليه السلام عبدوا الأوثان، وأنه تم افتتاح نحو خمسة معابد لعبادة الأوثان في فلسطين.

وهذا ثابت، هم الذين يكتبونه؛ في فترة من التاريخ عبدوا فيها الوثن. فكان هذا سببًا في لعنهم وغضب الله عليهم.

وكذلك لما اعتقدوا في الله سبحانه وتعالى غير الحق، فإن الله سبحانه وتعالى رد عليهم باللعن والطرد من الرحمة.

الرد على زعم اليهود بأنهم يعبدون الإله الأصلي وبيان تحريفهم

بعض اليهود يقولون: إننا نعبد الإله الأصلي وأنتم تعبدون النسخة المشوهة.

ما هو الإله الأصلي [عندهم]؟ أنه يلعب الشطرنج مع الملائكة؟ وما هو الإله الأصلي؟ أن يده مغلولة؟ وما هو الإله الأصلي؟ أنه جسد يغير رأيه وفكره متى أراد؟

ويوحي [مفهوم] الإله الأصلي [عندهم] أنه اتخذهم أبناءه وأحباءه، وأنه قد جعل الأمم كلها خدمًا له [أي لبني إسرائيل]. هذا هو الإله الأصلي! سبحان الله! صورة محرفة مشوهة عن الرب سبحانه وتعالى.

كيف أخبر الله عن نفسه في القرآن الكريم إجمالاً وتفصيلاً

أما الله فقد أخبر عن نفسه في قرآنه الذي هو مهيمن على ما بين يديه من الكتب، فقال:

﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4]

وقال:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]

وقال:

﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ [الأنعام: 103]

وقال:

﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]

وقال:

﴿قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 95]

ما هذا! ما هذه الروعة! هذا هو ربنا.

الأسماء الحسنى والبسملة عنوان الخطاب الإلهي للبشرية

ثم أخبر [الله] عن نفسه إجمالًا وأخبر عن نفسه تفصيلًا، ففي مائة واثنين وخمسين صفة في القرآن تصف الله سبحانه وتعالى، التي نسميها الأسماء الحسنى، والتي يقول فيها:

﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]

أول ما يصدر [في القرآن] يقول ماذا؟

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]

ماذا هذا؟ بسم الله الرحمن الرحيم، أول آية في الفاتحة، أو الآية [الأولى] في القرآن، عنوان الخطاب [الإلهي للبشرية].

سورة الفاتحة نسق مفتوح يشمل الإنسانية كلها بلا تمييز

وبعد ذلك يقول لك: في هذه الفاتحة، ما الذي تفعله بها؟ قال: يصلي بها [المسلم] كل يوم سبع عشرة ركعة، فجعلها [الله] لنسق مفتوح يشمل الإنسانية كلها؛ رجالها ونسائها، فقرائها وأغنيائها، حكامها ومحكوميها.

ليس لدينا دم أزرق ولا دم أصفر، ولا دم ثقيل ولا دم خفيف، كله عباد الله. فيقول:

﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]

هكذا هو [الإسلام في خطابه للبشرية جمعاء].

معنى العالمين في الفاتحة وشمولها لعالم الغيب والشهادة

من هم العالمون هؤلاء؟ قال [العلماء]: ما سوى الله، فيكون منه عالم الغيب وعالم الشهادة، فيشمل الإنس والجن والملائكة والحيوان والجماد والنبات.

﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]

أتخجل منها؟ هذه لا تخجل وأنت تقولها.

﴿مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4]

هو المالك الحقيقي ليوم نعود هناك إلى ربنا يوم القيامة للحساب، للعقاب والثواب. لماذا تخجل منها؟ لماذا تخجل أن تقولها للناس؟

الفاتحة ليست ضد حقوق الإنسان بل دعاء شامل للجميع

يعني أنت بهذا [الكلام] ضد حقوق الإنسان أو ضد حقوق النساء أو ضد حقوق الصبيان أو ضد حقوق أي شيء؟ لا، وأنت واقف هكذا تقول كلامك هذا يعني أمام كل الناس:

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]

تخجل منها؟

﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]

اهدنا جميعًا، يعني هكذا أنا والمستمعون، وهؤلاء المستمعون مسلمون وغير مسلمين، عرب وأعاجم. أي شيء أتخجل أن تقولها؟ أقول لك: لا تخجل.

معنى صراط الذين أنعمت عليهم وعدم تحديد المغضوب عليهم والضالين

﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7]

تخجل لك [من] لها؟ من قال لك: من هم الذين أنعم الله عليهم؟ لم يقل [الله] تفصيلًا، لم يفصّل.

﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الفاتحة: 7]

هل يوجد أحد في العالم يحب أن يكون مغضوبًا عليه؟ حتى المغضوب عليه نفسه لا يحب ذلك. وهل يوجد أحد في العالم يريد أن يكون من الضالين؟ أي يقول: يا رب اجعلني من الضالين؟ أبدًا!

الفرق بين سعة كلام الله وتضييق كلام البشر في تفسير الفاتحة

إذن تعال لترى الفرق بين كلام ربنا وكلام البشر. يأتي في التفسير بشر، فيقول النصارى [هم] الضالين [و] اليهود [هم] المغضوب عليهم، أو المغضوب عليهم اليهود والضالين النصارى.

الله ربنا وسّعها وجعلها حلوة وجعلها شاملة لكل الناس، لماذا تُضيقها؟ فيأتي [المفسر] ليجلب لك مشاكل؛ لأن النصراني سيغضب منك.

يعني لو كان ربنا أنزل في الفاتحة [أسماء] غير اليهود والنصارى، كان سيغضب منه قوم آخرون ويقولون: الله أنت تشتمني!

سعة كلام الله في الفاتحة وموافقة جميع الناس على دعائها

هل أنت منتبه [إلى] الفرق بين كلام الله وكلام البشر؟ انظر كيف أن كلام ربنا واسع. نعم، كلام ربنا واسع.

فعندما يسمعني المسيحي أو اليهودي وأنا أقول:

﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الفاتحة: 7]

إنهم يقولون: آمين! آمين، هم الذين يقولون، ليس أنا [فقط]، أقول آمين أيضًا.

ولكن انظر كيف لو قرأتها مثلًا في الأمم المتحدة، واقف هكذا في الأمم المتحدة وذهبت لقراءة الفاتحة، فكل الموجودين سيقولون: آمين! أي: يا رب استجب هذا الدعاء الجميل. هذا هو الإسلام.

صلاة اليهود الصباحية وتمييزها بين الذكر والأنثى في العبادة

تعال الآن إلى صلاة اليهود، ما داموا قد فتحوا على أنفسهم، أليسوا هم الذين فتحوا وتركوا ربنا؟ حسنًا، هيا لنتحاسب الآن.

ما هي صلاة اليهود في الصباح؟ الحمد لله الذي خلقني ذكرًا. الله! الحمد لله الذي خلقني ذكرًا. حسنًا، ماذا تقول البنت؟ الله!

كيف ستعبد [المرأة] ربنا إذن؟ إننا عندنا المرأة والرجل والولد والبنت، الجميع يقول:

﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 2-3]

صلّوا، حسنًا.

موقف المرأة في اليهودية من العبادة مقارنة بشمولية الإسلام

وكيف تجيبون على هذه [المسألة]؟ ستعرف، حسنًا. هذا في حضرة النساء الآن.

أما المرأة [في اليهودية] فتقول ماذا؟ تستحي أن تكون امرأة، أو لا تعبد، والذي يعبده الرجال فقط. إن هناك مفاهيم خاطئة كهذه؛ أن المرأة شيطان، فكيف تعبد [الله]؟ دعنا منها.

فعندما تسير وأنت رافع رأسك، قل: الحمد لله الذي جعلني مسلمًا؛ لأنه دين متسامح يفتح ذراعيه للعالم كله، كل العالم.

رأفة الله بالضال والأعمى وفضل هداية الناس إلى الإسلام

يقول للأعور: أنت أعور في عينك، وللأعمى يقول له: أنت أعمى في عينك. هكذا هو الحال، فالأعور أعور والأعمى أعمى.

ولكن سبحان الله يرأف بالأعور ويرأف بالأعمى أيضًا. فلينظر إلينا، يقول له: رب، ربنا يعيد إليك بصرك ثانيةً. ذلك هو الذي لم يهتدِ، يقول له: رب أهديك.

ويقول: على فكرة، إذا كنت سببًا في إرجاع بصرك الذي هو بمعنى الهداية - بصيرة القلب - أدخل أنا الجنة؛ لأن:

قال رسول الله ﷺ: «لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك مما طلعت عليه الشمس وما غربت»

فسيكون لك ثواب عظيم. تأمل أن الشمس تطلع على الكون كله، فتخيل مقدار هذا الثواب!

كل شيء إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.