سورة المائدة | ح 1028 | 75 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •عقيدة الإسلام في سيدنا عيسى عليه السلام أنه من أولي العزم من الرسل، وحصر الله فيه صفة النبوة ونفى عنه أي نوع من الألوهية.
- •المسيح في لغة السريان تعني الملك، والعرب تسميه عيسى، ولا تستخدم كلمة يسوع التي تعني ابن الله.
- •القرآن يصف عيسى بأنه رسول كبقية الرسل السابقين، ويصف أمه مريم بأنها "صِدِّيقة" وهي أعلى مراتب الولاية لله للبشر غير النبي.
- •اختلف العلماء في نبوة مريم عليها السلام، فالجمهور يرى أن الذكورة شرط من شروط الرسالة، بينما أجاز البعض النبوة للنساء.
- •استدل المجيزون بحديث "كمل من الرجال كثيرون ولم يكمل من النساء إلا أربع: مريم، وآسية، وفاطمة، وخديجة".
- •الرافضون قالوا إن الوحي لمريم وأم موسى كان وحياً كونياً وليس شرعياً.
- •أشار القرآن إلى أن المسيح وأمه كانا يأكلان الطعام كدليل على بشريتهما واحتياجهما، فالله لا يأكل ولا يشرب.
مقدمة تلاوة آية سورة المائدة في عقيدة المسلمين بشأن المسيح عيسى
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة المائدة يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ ٱنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ ثُمَّ ٱنظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: 75]
عقيدة الإسلام في سيدنا عيسى عليه السلام ونفي الألوهية عنه
عقيدة الإسلام في سيدنا عيسى عليه السلام أنه من أولي العزم من الرسل، وحصر الله فيه صفة النبوة ونفى عنه صفة أيّ نوع من أنواع الألوهية؛ سواء كان هو ثالث ثلاثة، أو هو ابن الله، أو هو الله، أو غير ذلك من العقائد الفاسدة التي جاء الإسلام ليُنبّه العالمين جميعًا على فسادها، آمن من آمن وكفر من كفر.
معنى لفظ المسيح وعيسى ويسوع في اللغة والقرآن الكريم
ما المسيح عيسى؟ ما المسيح ابن مريم؟ المسيح يعني الملك، والعرب تسميه عيسى. أما كلمة يسوع فلا تسميه بها العرب، وكلمة يسوع يبدو أنها تعني ابن الله؛ ولذلك لا تجد في القرآن كلمة يسوع، إنما تجد كلمة عيسى وكلمة المسيح.
والمسيح في لغة السريان تعني الملك.
أسلوب القصر في الآية وحصر صفة عيسى في الرسالة دون غيرها
﴿إلا رسول﴾ [المائدة: 75]، ما... إلا يكون أسلوب ماذا؟ قصر، يعني قصر أن صفته الأساسية هي الرسالة، ومعنى هذا أنه نُفي عنه غير ذلك من الدعاوى.
﴿قد خلت من قبله الرسل﴾ [المائدة: 75]، فهو في صف الرسل؛ رسول من الرسل. أرسل الله آدم وأرسل نوحًا وأرسل إبراهيم وأرسل سليمان وقبله داوود وموسى وهارون، أُرسلوا رسلًا، وعيسى رسول من الرسل. هذه عقيدة المسلمين في سيدنا عيسى.
عقيدة المسلمين في السيدة مريم ومعنى الصدّيقية ومنزلتها
تكلم اليهود كلامًا قبيحًا في سيدة نساء العالمين، في السيدة مريم. وهنا يُقرّر ربنا عقيدة المسلمين في السيدة مريم، فيقول:
﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: 75]
وكلمة صدّيقة فُتن بها المسلمون وأحبوها عبر التاريخ، فكانوا يتبركون بتسمية بناتهم مريم وبتسمية بناتهم صدّيقة من أجل مريم.
والصدّيقية مرتبة هي أعلى المراتب في البشر المعتاد الذي لم يُوحَ إليه؛ فالصدّيق هو أعلى مراتب الولاية لله، والصدّيقة أعلى مراتب الولاية لله. فمن وصل إلى الصدّيقية فقد وصل إلى الكمال، فهو مثال كامل حتى ولو لم يكن نبيًا.
خلاف العلماء في نبوة مريم واشتراط الذكورة في الرسالة والنبوة
واختلف المسلمون في نبوة مريم: هل هي نبية وهل يجوز أن يكون من النساء نبي؟ والجمهور يرى أن الذكورة شرط من شروط الرسالة، لكن ذلك ليس محل اتفاق، بل إنه محل خلاف بين علماء المسلمين.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النحل: 43]
فلما قال ﴿إلا رجالًا﴾ كأنه حصر الرسالة والنبوة في الرجال دون النساء؛ ولذلك في بدء الأمالي وهو نظم في العقيدة يقول: وما كانت نبيًا قط أنثى، ولا عبدًا وشخصًا ذو فعال. فنفى النبوة عن النساء.
أدلة القلة من العلماء الذين أجازوا نبوة النساء واستدلالهم بالحديث
أما القلة من العلماء الذين أجازوا أن تكون النبوة في النساء من علماء المسلمين، فاستدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «كَمُلَ من الرجال كثيرون ولم يكمل من النساء إلا أربعة: مريم ابنة عمران، وآسية زوجة فرعون، وفاطمة، وخديجة»
وقالوا إن الاقتران ليس بحجة، يعني بعض هؤلاء يكونون أنبياء وبعضهن لا يكنّ من الأنبياء؛ لأن الاقتران ليس بحجة.
شرح قاعدة الاقتران ليس بحجة والاستدلال عليها بأمثلة شرعية
فقد قال [النبي ﷺ]:
«خمس من الفطرة: نتف الإبط، والاستحداد، والختان، وقص الشارب»
وبعض هذا مندوب وبعضه واجب، فالاقتران ليس بحجة.
وقال تعالى:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [النحل: 90]
والعدل واجب والإحسان مندوب إليه وهو في سياق واحد. فعندما يأتي السياق لا يدل ذلك أن الجميع يأخذ حكمًا واحدًا، وهذا هو معنى أن الاقتران -يعني سياق الكلام في مقام واحد- ليس بحجة؛ لأن تُعطي الأحكام لكل بند من البنود.
رد الجمهور على دليل الاقتران وبيان أنواع الوحي الكوني والشرعي
فإذا كان هذا دليلهم [القائلين بنبوة النساء] فهو من السوء. وقد ذهبوا إلى أن مريم عليها السلام كما ثبت ذلك في سورة مريم، كلّمتها الملائكة فتمثّل لها بشرًا سويًا، وكلّمتها الملائكة كما في آل عمران ومرّت معنا، وكذلك أم موسى:
﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ﴾ [القصص: 7]
ووحيه فردّ الأولون على أن الحديث ليس فيه دلالة، بل إن الراجح أن الاقتران حجة إلا بدليل مستقل، وأنه لما ذكر خديجة وفاطمة عليهن السلام فإن ذلك يدل على عدم سريان النبوة لامرأة فرعون وللسيدة الشريفة الصدّيقة مريم.
وكذلك فإن الوحي له أنواع؛ منها وحي كوني ووحي شرعي، والذي حدث إن الإلهام الذي أوحى الله به إلى أم موسى وإلى سيدة نساء العالمين مريم هو الوحي الكوني وليس الوحي الشرعي.
خلاصة الخلاف في نبوة مريم وعلو قدرها عند الله سبحانه وتعالى
وعلى كل حال، فإن الجدال في هذه المسألة كثير، والخلاصة أن بعض العلماء أثبتوا النبوة للنساء، بينما تشترط جماهير العلماء الذكورة في الرسالة.
وسواء أكانت مريم عليها السلام في زمرة الأنبياء أو كانت في زمرة الصديقين، فهي عالية القدر عند ربنا، وهي من النساء عاليات القدر في التاريخ البشري، حتى قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم ما قال:
قال رسول الله ﷺ: «كَمُلَ من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع»
وعدّ فيهن مريم، فهي عالية القدر عند ربنا.
دلالة أكل الطعام على بشرية المسيح وأمه ونفي الألوهية عنهما
﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: 75]، لك ما يفتح به آفاقًا كثيرة. كانا يأكلان الطعام، إذن فهما في حاجة ويحتاجون إلى الطعام، ولو كانوا آلهةً ما احتاجوا إلى الطعام؛ فالله لا يأكل ولا يشرب. وما دام قد حكم الله عليهم بهذا الاحتياج فهم من المخلوقات.
وكذلك إذا كنتُ آكل الطعام فإن الله خلقني بهيئة أُخرج بها هذا الطعام من الفضلات، وهذه حالة نقص لا حالة كمال؛ ولذلك لا توجد في الجنة، بل إن أكل أهل الجنة يخرج عليهم رشحٌ بالعرق ويكونون أطيب من ريح المسك.
فإذا كان الأمر كذلك فأشار الله إلى نقصهما دون أن يتعرض للكلمة [الصريحة] من أجل إثبات علوّهما في البشرية.
ختام الدرس والتوديع بالسلام والدعاء
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
