سورة المائدة | ح 1048 |90| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 1048 |90| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • تناولت الآيات في سورة المائدة أحكام اليمين وأقسامه كاللغو والمنعقد، ووجوب الالتزام بالقسم ما لم يمنع من البر، وبيان كفارته عند عدم الوفاء به.
  • نهى الله تعالى عن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام واصفاً إياها بأنها رجس من عمل الشيطان.
  • كانت الخمر حلالاً في الأديان السابقة، فعند اليهود السكر مباح، وعند المسيحيين الخمر حلال لكن السكر محرم.
  • حرم الإسلام الخمر تحريماً كاملاً، وقال النبي ﷺ: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" و"ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام".
  • أصل كلمة الخمر من مخامرة العقل أي حجبه، وخصت في اللغة العربية بما يسكر من العنب.
  • وسع النبي ﷺ معنى الخمر ليشمل كل مسكر بقوله: "كل مسكر خمر".
  • أجمع المسلمون على تحريم الخمر، وذهب جماهير العلماء إلى نجاستها كالبول.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة في أحكام اليمين وأقسامها في سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، والله سبحانه وتعالى يعلمنا بأحكامه الشرعية المرعية [في] الحياة، ويبين لنا قضية اليمين في حياتنا ومدى أهميتها، ويبين لنا أقسام اليمين، وأن منه ما يكون لغوًا ومنه ما ينعقد.

ويبين لنا وجوب الالتزام بما أقسمنا عليه إلا أن يكون مانعًا لنا من البر، ويبين لنا كفارة ذلك اليمين إذا لم نستطع أن نحافظ عليه.

الأمر بحفظ الألسنة من الأيمان وشكر الله على شرعه ورحمته

ويبين لنا أنه يأمرنا بأن نحفظ ألسنتنا من الأيمان، وأن لا نجعل الله سبحانه وتعالى عرضة لأيماننا، [بل ينبغي] أن نبر وأن نقدم الخير.

ويبين لنا أيضًا أنه ينبغي علينا أن نشكر الله سبحانه وتعالى على شرعه وعلى رحمته وعلى هذه العلاقة بيننا وبينه.

ثم تستمر الآيات في بيان الأدب الاجتماعي، فيقول تعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَـٰمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90]

حكم الخمر عند بني إسرائيل وإباحتها في الأديان السابقة

فنهانا الله سبحانه وتعالى عن الخمر. الخمر بموجب ما نُقِلَ في الأديان السابقة كانت حلالًا على بني إسرائيل، وهناك مآسٍ في تاريخ بني إسرائيل من إباحة الخمر؛ إذ كانت مباحة ولم يكن هناك تضييق عليها، وهي [مباحة] عليهم إلى الآن.

ومعنى أنه لم يكن هناك تضييق، بمعنى أن الإنسان يشرب حتى لو وصل إلى درجة السُّكر.

تحريم الخمر في الإسلام تحريمًا تامًّا وحديث ما أسكر كثيره

ولكن الإسلام جاء فحرَّمها تمامًا، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«ما أسكر كثيره فقليله حرام»

وحتى يُبَيِّن [النبي ﷺ] أن قطرة الخمر قد تكون حرامًا وهي لا تؤثر بسكر ولا بغيره، قال:

«ما أسكر الفَرَقُ منه فملء الكف منه حرام»

والفَرَقُ مائتا لتر، بمعنى أنه يكون مثل الشيء [أي حوض الاستحمام] الموجود بداخل الحمام، هذا أي البانيو. البانيو مملوء بسائل، هذا السائل إذا شربته ستسكر. تخيل لو شربت مائتي لتر!

بيان ضآلة نسبة الخمر المحرمة وأن التحريم تام وبات

أي الواحد إذا شرب مائتي لتر، حتى لو كانوا ماءً صافيًا قراحًا أيضًا فإنه يدوخ أو شيء من هذا القبيل. مائتا لتر، فملء الكف منه حرام.

ملء الكف هذا كم يبلغ؟ هذا لا يصل إلى ثلاثين سنتيمترًا [مكعبًا]، واللتر ألف سنتيمتر [مكعب]، أي ما يساوي مائتا ألف [سنتيمتر مكعب]، وهذا ثلاثون سنتيمترًا. اقسم إذن ثلاثين على مائتي ألف لتعرف النسبة؛ نسبة ضئيلة تكاد تكون غير موجودة.

بمعنى أن هذا يُعَدُّ تحريمًا تامًّا وباتًّا، وأُغلقت المسائل [في هذا الباب].

حكم الخمر في المسيحية بين إباحة القليل وتحريم السكر

في المسيحية في رسائل بولس يقول: قليل منه يصلح المعدة. قليل منه، يعني رشفة هكذا. ولكن السكر عند المسيحية حرام أيضًا.

فيكون إذن عند اليهود السكر حلالٌ، وعند المسيحية السُّكْرُ حرامٌ وإن كانت الخمرةُ حلالًا، لكن لا تصِلْ بها إلى درجة السُكْر. من المسموح أن تشرب فنجانًا أو شيئًا قليلًا، لكن لا تتمادَ إلى أن يغيب عقلك.

وفي الإسلام الفنجانُ حرامٌ والقطرةُ منها حرامٌ، سَدَّها [الإسلام] تمامًا أي أنها حرامٌ مطلقًا. إذن الخمرةُ حدث فيها كأنَّهُ تدرُّجٌ في تحريمها [عبر الأديان السماوية].

معنى الخمر في اللغة العربية وكونها أم الخبائث

والخمر في الحقيقة التي تُخَامِر العقل، أم الخبائث كما نقول عندنا [في الأحاديث النبوية الشريفة]، إن الخمر هي أم الخبائث؛ فعندما يزول عقلك تصبح قادرًا على فعل أي مصيبة دون الالتفات إلى حقيقة الأمر.

﴿إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ﴾ [المائدة: 90]

والخمر في لغة العرب جاءت من أنها تُخَامِر العقل، أي تحجب العقل عن الإدراك. لكنها اختصت كلمة خمر في اللغة العربية بما جاء من العنب، الذي هو المُسكر الذي يأتي من عصير العنب.

توسيع النبي ﷺ لمعنى الخمر من خصوص اللغة إلى عموم الشرع

في الشرع، وسَّع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المعنى، فأصبحت الخمر لها خصوص بحسب اللغة، وأصبح لها عموم بحسب الشرع على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أحيانًا اللفظة يكون لها عموم في اللغة فيأتي سيدنا رسول الله ليجعل لها خصوصًا، وأحيانًا يكون لها خصوص فيأتي سيدنا رسول الله ليجعل لها عمومًا.

فالصلاة [مثلًا] هذه الصلاة تعني الدعاء [في اللغة]، لكن صارت عند سيدنا رسول الله، الصلاة عندنا ماذا؟ هي التي نعرفها: الله أكبر، ثم القراءة والركوع والسجود وما إلى ذلك. الصلاة المعهودة، وهذا معنى خاص من الدعاء، هذا مخصوص.

توسيع معنى الخمر ليشمل كل مسكر من أي مصدر كان

نعم، فقد كان لها [أي لكلمة الصلاة] عموم ووَرَدَ عليها خصوص. الخمر [في اللغة] من العنب فقط، وقد جعلها رسول الله [صلى الله عليه وسلم تشمل] كل مُسكر، فقال:

«ما أسكر قليله [فكثيره حرام]»

ليس لنا شأن بالخمر التي هي من العنب [فحسب]، سواء أتت الخمر من البلح أو جاءت من التفاح أو جاءت من البصل، آتٍ من حيث يكون حرام.

«ما أسكر قليله فكثيره حرام»

فيبقى إغلاق لهذا الباب. نعم، ما أسكر قليله فكثيره حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام.

إجماع المسلمين على حرمة الخمر ونجاستها عند جماهير العلماء

إذن أُغلق علينا الباب وصار كل مسكر خمرًا، ولذلك في الحديث:

«وكل مسكر خمر»

هكذا انتهى الأمر، أُغلق الموضوع، كل مسكر خمر. إن هذا توسيع لمعنى الخمر، فأصبح الخمر الذي هنا الذي معنا في القرآن هو الذي فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لم يختلف اثنان من المسلمين على حرمة الخمر أبدًا. فالخمر منهي عنه، [وقد أجمع] جماهير جماهير العلماء عبر العصور على أن الخمرة نجسة، الخمر نجس.

نجاسة الخمر عند المسلمين كنجاسة البول والختام

لو علم المرء ذلك [أي نجاسة الخمر] سيشعر بالاشمئزاز أن ينظر إليها لا [أن] يشربها، حتى النظر إليها يشعره بالاشمئزاز. فالخمر كالبول عند المسلمين.

إذن فالخمرة نجسة، وإلى لقاء آخر نزيد في هذا الكلام. نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.