القرآن العظيم | حـ 3 | أ.د علي جمعة
- •المحور الأول في الجزء الثالث من القرآن الكريم يؤكد أن دين الله واحد، وأن الله أرسل الرسل وأنزل الكتب لتوجيه العباد لعبادته وعمارة الأكوان وتزكية النفس.
- •الإيمان بجميع الرسل ركن أساسي من أركان الإيمان لا يقبل إيمان المسلم إلا به.
- •المحور الثاني يتعلق بحرية العقيدة، فلا إكراه في الدين، ويتجلى ذلك في آية الكرسي.
- •المحور الثالث يبين الصلة المستمرة بين العبد وربه من خلال الدعاء الذي هو العبادة.
- •المحور الرابع يوضح أهمية الإنفاق في سبيل الله وأن جهد المقل له أجر عظيم عند الله.
- •المحور الخامس يتناول اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، فالرسول هو القدوة والأسوة الحسنة.
- •السنة النبوية مهمة في تطبيق الدين وفهمه، وإنكارها خطير، وكل سنة واردة عن الرسول فأصلها في القرآن الكريم.
- •الذكر والفكر منهج رباني للمسلم في حياته اليومية.
مقدمة البرنامج والتعريف بمحاور الجزء الثالث من القرآن الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع برنامجكم القرآن العظيم، نحييكم بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. واليوم نبحث عن محاور الجزء الثالث من القرآن الكريم.
وحدة دين الله وإرسال الرسل لتحقيق العبادة وعمارة الأكوان وتزكية النفس
أول هذه المحاور سنجدها في هذا الجزء، وهو أن دين الله واحد، وأن الله سبحانه وتعالى قد أرسل الرسل وأنزل الكتب من أجل أن يجعل توجيهًا للعباد فيما يرضيه؛ حتى يحقق عبادته:
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
ويحقق عمارة الأكوان، ويحقق تزكية النفس التي بها الحساب:
قال رسول الله ﷺ: «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق»
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]
تفضيل الرسل بعضهم على بعض وبيان اختلاف الأمم من بعدهم
يقول ربنا سبحانه وتعالى في الإشارة إلى [تفضيل الرسل]:
﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 253]
كشأن سيدنا موسى وشأن سيدنا بعد ذلك سيدنا محمد ﷺ:
﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: 253]
إيمان المسلم بجميع الرسل ركن من أركان الإيمان لا يُقبل بدونه
إذن دين الله واحد، وهذا هو إيمان المسلم؛ يؤمن بموسى، ويؤمن بعيسى، ويؤمن بإبراهيم، ويؤمن بنوح، وبسائر الرسل الكرام.
والإيمان بكل رسول ممن ذُكر وعُرف لنا أنه قد أُرسل ركن من أركان الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، فهو ركن من أركان الإيمان لا يُقبل إيمان المسلم إلا به.
أوامر الله المشتركة لجميع الرسل من التوحيد والتكليف والإيمان بالآخرة
إذن دين الله واحد، أمرهم جميعًا بتوحيد الإله، أمرهم جميعًا بالخروج من الحول والقوة إلى قوة الله وحوله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، كنزٌ من كنوز العرش.
أمر الرسل الكرام حتى يأمروا أقوامهم بالتكليف: افعل ولا تفعل. وأمرهم باعتقاد يوم آخر سنعود فيه إلى الله سبحانه وتعالى فينبئنا بما كنا فيه نختلف، وينبئنا بالحساب والثواب والعقاب.
ولذلك الدنيا متعلقة بهذه الآخرة:
﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64]
حرية العقيدة في الإسلام ورفض الإكراه في الدين
المحور الثاني هو حرية العقيدة. الله سبحانه وتعالى ترك لنا:
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
لأنه لا يريد منافقين؛ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار.
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]
وهنا يعطي هذه الحقيقة الكبرى في سيدة آيات القرآن الكريم آية الكرسي، التي هي على رأس كل الآيات. والآيات التي عندنا برواية حفص عن عاصم ستة آلاف ومائتين وستة وثلاثين، هذه [آية الكرسي] واقفة فوقهم هكذا.
آية الكرسي أعظم آيات القرآن وبيان عظمة الله وصفاته
﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُٓ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَلَا يَـُٔودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: 255]
أي لا يُتعبه حفظهما؛ لأنه يقول للشيء كن فيكون.
﴿وَلَا يَـُٔودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255]
تأكيد حرية العقيدة بنص القرآن ونفي الإكراه على الإيمان
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 256]
إذن هنا توجد حرية العقيدة واضحة نصًّا، ليس فيها أي مجادلة ولا محاورة؛ لأننا لا نريد أن نُكرِه الناس حتى يكونوا مؤمنين.
ومن هنا بيَّن لنا ربنا سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]
ولم يجعله علينا حفيظًا:
﴿وَلَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الغاشية: 22]
إلى آخر ما هنالك من نصوص تبين بوضوح قضية محورية وهي حرية العقيدة.
الصلة المستمرة بين العبد وربه من خلال الدعاء الذي هو العبادة
ثم يبين لنا الله سبحانه وتعالى في محور ثالث أن هناك صلة مستمرة بين العبد وربه تتمثل في الدعاء.
والنبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة عند الأربعة يقول:
قال رسول الله ﷺ: «الدعاء هو العبادة»
لكنه في حديث آخر يقول:
قال رسول الله ﷺ: «الدعاء مخ العبادة»
السند لحديث «الدعاء هو العبادة» أقوى من حديث «الدعاء مخ العبادة». هو العبادة، يعني كأنه كما قال: الحج عرفة، يعني لا يجوز الحج بدون عرفة، يعني عرفة هي الركن الأهم في هذه القضية. فكذلك الدعاء هو العبادة، يعني لو نعبد ربنا من غير دعاء لا يكون ذلك مناسبًا.
خواتيم سورة البقرة وإيمان الرسول والمؤمنين وعدم التفريق بين الرسل
فنرى وهو يقول:
﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ [البقرة: 285]
كله واضح معنا، لا نفرق بين أحد من رسله:
﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]
دعاء خواتيم سورة البقرة في التيسير ورفع الحرج والمغفرة والنصر
﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 286]
إذن، هذا المحور تنتهي به سورة البقرة، لكن لا ينتهي به الجزء [الثالث]. محور فيه كيفية التعامل مع الله سبحانه وتعالى عن طريق هذه الصلة وذلك الدعاء الذي هو العبادة.
الطاعة أساس العلاقة مع الله والإنفاق قبل يوم لا بيع فيه ولا شفاعة
نجد أن القرآن الكريم يجعل المحور هو أن الله سبحانه وتعالى جعل الطاعة أساسًا للعلاقة، كما في قوله تعالى:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَـٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَـٰعَةٌ وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ [البقرة: 254]
يعني الكافر هو من ستر قلبه عن الاتصال بالله سبحانه وتعالى، فهذا الذي ستر قلبه لا يرى أن ينفق. وينفق لماذا؟ المؤمن ينفق رجاء الثواب وتصديق الموعود، فينفق وهو يرجو من الله سبحانه وتعالى أن يضاعف له الثواب وأن ينفذ له ما وعده.
مثل الإنفاق في سبيل الله ومضاعفة الأجر إلى سبعمائة ضعف وأكثر
ولذلك يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: 261]
إنهم سبعمائة، سبعة في مائة، بسبعمائة. والله يضاعف لمن يشاء. من الذي قال لك أنها سبعمائة فقط؟ دعها تكون سبعة آلاف، دعها تكون سبعة ملايين! جهد المُقِلّ ربنا يبارك فيك.
﴿وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 261]
معنى جهد المقل وكيف يتفاوت الثواب بحسب ما يبذله المنفق من ماله
ماذا يعني جهد المُقِلّ؟ يعني أنني إذا كان معي عشرة آلاف جنيه فتصدقت بخمسة آلاف منها، فأكون قد تصدقت بنصف ما معي، بنصف ما أستطيع.
شخص معه مليون جنيه فتصدق بخمسين ألفًا، يعني كم مرة؟ عشر مرات. ربما هو يأخذ أجرًا أكبر لأن معه أموال كثيرة، هذه الخمسين ألفًا تضربها في عشرة تصبح بخمس مائة ألف حسنة، ويسعد ويصبح مسرورًا وكل شيء.
وأما الخمسة [آلاف] فيضربها لي في مليون؛ لأنني بذلت جهدًا وأنا مُقِلّ ليس معي ما يكفي، لكنني متوكل على الله واثق فيما عند الله، فضّلت غيري علي فيما هو ضروري لي، فتختلف في الثواب.
عدالة الله في الثواب وكل منفق يأخذ أجره بحسب جهده ولا يُظلم أحد
فيعطيني مليونًا فتصبح خمسة ملايين، أنا آخذها خمسة ملايين وهو قد أنفق عشرة أضعافي يأخذ نصف مليون.
﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]
وكل واحد مسرور؛ هو مسرور أنه أنفق خمسين ألفًا وأخذهم عشرة أضعاف، وأنا مسرور أن ربنا سبحانه وتعالى أعطاني على حكاية جهد المُقِلّ هذه، أي أن معه قليل وأعطاني. فإذا هذا يعني فتح من عند الله سبحانه وتعالى.
﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]
وعلى فكرة، كل واحد منا سيأخذ ثوابه عند الله سبحانه وتعالى، فلا يُغضب ذلك الآخرين، لن يُغضبهم لأنه كله مرضيّ وكله آخذ من سعة.
﴿وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ﴾ [البقرة: 261]
أهمية الإنفاق في حياة المسلم وشرط إخلاص النية لله في الصدقة
لكن هذا المحور يعطينا أهمية الإنفاق. أهمية الإنفاق هذه تعطي الإنسان طمأنينة، تعطي الإنسان قدرة على الاستمرار.
ولكن أمرنا الله سبحانه وتعالى كما وضح لنا رسوله صلى الله عليه وسلم أن النية يجب عليك أن تفعل هذا ابتغاء وجه الله، وليس رياءً ولا نفاقًا ولا لمجدٍ تبنيه في الدنيا وسمعة. نحن نريد وجه الله حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه.
هذا واحد أيضًا من الذين سيظلهم الله بظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله يوم القيامة، ألف سنة حتى يتدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشفع فينا فيصير خمسين [أي] خمس مائة سنة، يعني على النصف بالضبط.
محور اتباع الرسول والاقتداء به وآية المحبة والطاعة لله ورسوله
هناك محور آخر وهو اتباع الرسول؛ إذ يجب أن يكون لدينا قدوة ومثال:
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]
يعني يراكم وترونه. فهنا يقول ربنا سبحانه وتعالى في ذلك الجزء:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31]
هذه: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني.
﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]
رسول الله هو الأسوة الحسنة والمثال الأتم والقائد والشهيد على المؤمنين
إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
﴿أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ﴾ [النساء: 59]
رسول الله هو الأسوة الحسنة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو المثال الأتم الأكمل، ورسول الله هو القائد، ورسول الله هو الشهيد الذي يشهد على المؤمنين ويراه المؤمنون في كل حركاته وسكناته.
ومن هنا أقامه الله سبحانه وتعالى مثالًا تامًّا.
خطورة إنكار السنة النبوية وأن أحاديث الفقه والأخلاق لا يمكن التغاضي عنها
ومن هنا أيضًا تأتي خطورة أولئك الذين ينكرون سيرة رسول الله وينكرون سنة رسول الله.
السنة ورد فيها نحو ستين ألف حديث، هذه الستون ألف حديث منها ألفا حديث في سائر الدين: في البيع، وفي الشراء، وفي الزواج، وفي الطلاق، وفي العبادة، وفي المعاملات، وفي القضاء، وفي الشهادة، إلى سائر الفقه. والبقية في الأخلاق.
فالذين ينكرون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتون على حديثين أو ثلاثة لم يستطيعوا أن يفهموها، ولم يسألوا العلماء فيها، ويريدون أن يهدموا السنة كلها، ويُضلّون الشباب ويقولون لهم: احذروا الحديث، ليس لنا شأن به.
أنواع الأحاديث النبوية ودعوتها جميعًا إلى مكارم الأخلاق المرتبطة بالعقيدة
النبي صلى الله عليه وسلم قال:
قال رسول الله ﷺ: «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق»
الثمانية وخمسون ألف حديث هذه، منها حديث صحيح، ومنها حديث حسن، ومنها أحاديث مقبولة وإن كانت ضعيفة لأنها قليلة الضعف، ومنها أحاديث ضعيفة.
إنما كلها تدعو إلى مكارم الأخلاق وتربطها بالعقيدة:
قال رسول الله ﷺ: «والله لا يؤمن من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم»
قال رسول الله ﷺ: «من لم يأمن جاره بوائقه»
يعني المصائب التي يسببها، أي لا تؤذِ جارك. أكرم ضيفك. ما هذا؟ أكلها هكذا؟ كلها: لا تغضب ولك الجنة. كلها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.
السنة النبوية تحقق اتباع الرسول وتوفر برنامجًا يوميًّا في الذكر والفكر
ولا يمكن أن نتغاضى عنها [السنة النبوية] لأنها تحقق قوله تعالى هنا في الاتباع:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
تحقق هذه التبعية وتحقق لنا برنامجًا يوميًّا في الذكر والفكر. الله سبحانه وتعالى يقول في هذا الشأن في الذكر والفكر:
﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 191]
الذكر والفكر.
منكرو السنة يريدون في الحقيقة إنكار القرآن ويتدرجون في ذلك خطوة خطوة
والذي ينكر السنة بهذه الكيفية هو في الحقيقة يريد أن ينكر القرآن، لكن لا يستطيع أن يصرح، فيأتي للناس خطوة خطوة ودرجة درجة بأن ينكر من السنة ما يتصور هؤلاء الناس أنها فعلًا محل أخذ ورد أو محل اعتراض.
ثم يجد هذا [الاعتراض] في القرآن فيكون سهلًا عليه أن يعترض لأنه لم يفهم. فخطورة إنكار السنة الحقيقية خطورة عظيمة جدًّا.
كلام الإمام الشافعي في أن كل سنة أصلها في القرآن الكريم وأهمية التدبر
ويجب علينا أن نتأمل كلام الإمام الشافعي وهو يقول: كل سنة وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصلها في القرآن الكريم؛ لأنه كان يحفظ القرآن الكريم ويحفظ السنة النبوية الشريفة، ويتأمل ويتدبر فيما بينهما من اتفاق أو من تعارض ظاهري، ثم يحل هذا التعارض فيفهم أكثر وأعمق.
عندما يتكلمون [العلماء] يتكلمون عن علم وليس عن نسق وهوى، هكذا انضبطت معي كما يقول بعضهم.
خاتمة الحلقة وملخص محاور الجزء الثالث من القرآن الكريم
إذن فهذه محاور الجزء الثالث، وهي بنا مع القرآن الكريم في رحلتنا لاستخراج بعض محاوره التي نتأمل فيها يوميًّا ونحن نتلو ونحن نسمع.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
