القرآن العظيم | ح9 | أ.د. علي جمعة - تفسير

القرآن العظيم | ح9 | أ.د. علي جمعة

18 دقيقة
  • التقوى مفتاح كل خير ومغلاق كل شر، كما في قوله تعالى: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض".
  • عرّف الإمام علي التقوى بأنها: "الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل".
  • الإيمان باليوم الآخر يؤثر في سلوك الإنسان، فمن لم يؤمن بالحساب أفسد في الأرض.
  • التقوى تنقل الإنسان من دائرة سخط الله إلى دائرة رضاه.
  • العقاب يشمل الدنيا والآخرة كما في قوله تعالى: "ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون".
  • الصلاة ركن عظيم من أركان الدين وإضاعتها تؤدي إلى الغي.
  • الدعاء بأسماء الله الحسنى سبب للاستجابة، كما قال تعالى: "ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها".
  • قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة".
  • طاعة الله ورسوله سبب لكل خير: "يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم".
  • الاستهانة بالمعاصي قد تؤدي إلى أن يحول الله بين المرء وقلبه.
محتويات الفيديو(19 أقسام)

مقدمة برنامج مع القرآن العظيم والجزء التاسع

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أهلًا ومرحبًا بكم في هذا البرنامج مع القرآن العظيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

اليوم مع الجزء التاسع في تلاوتنا للقرآن الكريم، وفي هذا الجزء نجد عدة محاور ينبغي أن نقف عندها وأن نتأمل ونتدبر معانيها.

تقوى الله سبحانه وتعالى مفتاح كل خير ومغلاق كل شر

هذه المحاور أو المبادئ فيها أن تقوى الله سبحانه وتعالى مفتاح كل خير ومغلاق كل شر. سنجد هذا في قوله تعالى:

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰٓ ءَامَنُوا وَٱتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَـٰهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: 96]

هذا المحور مهم للغاية؛ يطلب فيه ربنا سبحانه وتعالى أن نؤمن به، وهذه هي قضية الكون الكبرى التي أهملها كثير من الناس. وبعد ذلك يجب أن نتقيه.

تعريف الإمام علي للتقوى وأركانها الأربعة

ولما سُئل الإمام علي رضي الله عنه عن التقوى: ما هي؟ فقال:

«الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل»

الإمام علي باب مدينة العلم يرى أن التقوى تتلخص في هذه الأربعة. يجب عليك أن تحب الله سبحانه وتعالى، ومن خلال هذا الحب تخاف من غضبه، تخاف من أنه لا يرضى، تخاف أن يكره شيئًا تفعله.

هذا الخوف من باب الحب هو الذي يمثل التقوى. الخوف من الجليل لأنه جليل، فنحن لا نريد إلا أن يرضى عنا، نريد أن يرضى عنا لأننا نحبه وهو أمرنا بذلك الحب، فيجب علينا أن نتقيه.

التقوى ليست مجرد إقرار بل عمل بالتنزيل واستعداد ليوم الرحيل

إذن القضية ليست قضية إقرار بوجود الله فقط، بل هي أيضًا تتعلق بالعمل. الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل؛ التكليف الذي ذكرناه قبل ذلك في الفعل وعدم الفعل، أو في الأمر والزجر، الأوامر والزواجر.

هنا التقوى: العمل بالتنزيل والاستعداد ليوم الرحيل. مهم جدًا الإيمان باليوم الآخر لأنه يتحكم في سلوك الإنسان في الدنيا. فعندما يُقدم الإنسان على فعلٍ أو يتراخى ويترك فعلًا، فإنه يفكر دائمًا في عاقبته، وعاقبة الأمر موجودة في يوم الحساب.

التعجب ممن لا يؤمن بيوم الحساب وأثر ذلك على سلوكه

أتعجب من أولئك الذين لا يؤمنون بيوم الحساب، كيف يعيشون في الدنيا وما شعورهم عندما يفعلون الخطأ أو يفعلون الصواب، ما شعورهم! أتعجب جدًا من أولئك؛ لأنهم في الحقيقة من لم يعلم أن هناك حسابًا فإنه سوف يفسد في الأرض، والله لا يحب الفساد ولا يحب المفسدين.

إذن، فالمحور هذا هو محور أن التقوى هي مفتاح كل خير وفلاح ومغلاق كل شر وكل قبيح.

التقوى تنقل العبد من دائرة سخط الله إلى دائرة رضاه

هناك أيضًا محور آخر يجرنا إليه رضا الله الذي يترتب على التقوى. التقوى تنقلنا من دائرة سخطه إلى دائرة رضاه. إذن فنحن أمام دائرتين: دائرة الرضا ودائرة السخط أو غضب الله سبحانه وتعالى.

سنجد هذا في قوله تعالى:

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا ٱلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ [الأعراف: 152]

إذن المصيبة والغضب ليس في الآخرة فقط، بل هو أيضًا في الحياة الدنيا.

العذاب الدنيوي والأخروي وسببهما مخالفة أمر الله تعالى

﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: 21]

وسبب ذلك أن الله يريد لنا أن نفر إليه وأن نرجع إليه وأن نتوب من تلك المعاصي السخيفة، التي تمثلت في اتخاذ العجل إلهًا والعياذ بالله تعالى، إلى غاية الوثنية.

فسينالهم من ربهم ذلة في الحياة الدنيا، وكذلك نجزي المفترين. إذن فهناك عقاب أخروي وعقاب دنيوي في قضية غضب الله سبحانه وتعالى على المخالف، وكل ذلك من رحمة ربنا سبحانه وتعالى، فهو رحمن الدنيا ورحيم الآخرة.

أهمية التمسك بالصلاة وخطورة إضاعتها في القرآن الكريم

هناك أيضًا محور آخر وهو التمسك بالصلاة. النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة»

وعندما يأمرنا [الله تعالى] بالاجتماع البشري فإنه يهتم جدًا بقضية الصلاة:

﴿وَٱسْتَعِينُوا بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]

وهنا يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه:

﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُوا ٱلشَّهَوَٰتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]

ويقول هنا:

﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا ٱلْكِتَـٰبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ [الأعراف: 169]

الصلاة ركن عظيم من أركان الدين واهتمام القرآن البالغ بها

فالاهتمام بالصلاة في القرآن كله:

﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: 78]

إقامة الصلاة ركن من أركان الدين، بل هي من أعظم أركان الدين. وفي الحقيقة:

﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]

الصلاة كبيرة لأنه ليس هناك في أي ديانة هذا الكم الكبير من الصلوات كل يوم. ومن هنا فنحن أمام اهتمام بليغ بقضية الصلاة ومفتاح عظيم، والاستهانة به مؤذية في الحياة الدنيا، فهو محور ينبغي أن نلتف جميعًا حوله.

محور الدعاء المستجاب ودعاء الله بأسمائه الحسنى

بعد الفاصل [نعود] إلى محور آخر في هذا الجزء التاسع. هذا المحور يجب أن نهتم به لأنه له أثر فعلي وفوري في حياتنا، وهو الدعاء المستجاب. والله سبحانه وتعالى أرشدنا، وهنا في هذا الجزء يقول ربنا سبحانه:

﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ أَسْمَـٰٓئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180]

فمحور من أهم المحاور نتعلم منه كيف نخاطب ربنا. وكلمة "يا" التي هي للنداء، يا الله، يعني أنادي الله، يا رحمن، يا رحيم، كل هذا إنما هو نوع من أنواع الدعاء.

الثقة بالله في الدعاء ومناجاته بأسمائه الحسنى

فادعوه بها، كل هذا نوع من أنواع الالتجاء، كل هذا عندما يخرج من القلب وعند الاحتياج، ويتصور أحدنا أن الله قطعًا سيستجيب. هذه الثقة بالله تقرب استجابة الدعاء.

ثق في الله واربط قلبك وذهنك وتركيزك على ما تدعوه به، وادعُه بأسمائه الحسنى. قل له: يا وارث، قل له: يا قوي، قل له: يا مستجيب الدعاء، قل له: يا الله، قل له: يا رحمن يا رحيم يا ملك. ادعُوه بأسمائه الحسنى؛ فإن الله سبحانه وتعالى له أسماء كثيرة.

دعاء النبي بأسماء الله وأسماء الله التي استأثر بها في علم الغيب

وكان سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك»

إذن فهناك أسماء علمها الله سبحانه وتعالى لمن اجتباهم من خلقه من الأنبياء والصديقين والأولياء والعلماء، ألهمهم الله سبحانه وتعالى بأسماء واستجاب لهم عندها.

فمن علمك شيئًا من هذا من أهل الخير والعلم والتقوى والصلاح والولاية فادعوا الله به لعله أن يستجيب.

تتمة دعاء النبي وسؤال الله أن يجعل القرآن ربيع القلوب

«اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلوبنا، وجلاء همنا وحزننا، ونور أبصارنا وصدورنا»

إذن فرسول الله [صلى الله عليه وسلم] يعلمنا كيف نجأر وندعو الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى. فلله أسماء كثيرة.

حديث تسعة وتسعين اسماً لله ومعنى أحصاها عند العلماء

لكن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة عند الترمذي:

«إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة»

والعلماء في كلمة "أحصاها" [فسروها بأنه] دعا بها، وتخلّق بأخلاقها، وتعلّق بما يجب أن يتعلق بها، وصدق ما ينبغي أن يُصدَّق بها.

هذا المثلث: التخلق والتعلق والتصديق، هو معنى أحصاها. لأنه كما ذكرنا، الله له أكثر من مائة وخمسين اسمًا في كتابه، ومائة وستين اسمًا في سنة نبيه، مئتان وأربعون اسمًا في الكتاب والسنة.

أسماء الله التي لا يعرفها أحد وشفاعة النبي يوم القيامة

لكن له أسماء أخرى لا يعرفها أحد. وفي حديث البخاري عندما يتشفع فينا سيدنا [محمد] صلى الله عليه وسلم فيقول:

«فأسجد تحت العرش فيلهمني الله بأسماء لم يلهمها لأحد من قبل»

يعني يعطيه أسماء مما استأثر الله بها في علمه.

أبو بكر بن العربي يقول: لله ألف اسم. يعني من الممكن أن تكون البشرية قد عرفت أو سمّت ألف اسم لله سبحانه وتعالى. وكان العرب إذا أحبوا شيئًا أو خافوه فأكثروا من أسمائه.

إذن:

﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ أَسْمَـٰٓئِهِ﴾ [الأعراف: 180]

طاعة الله ورسوله سبب لكل خير والاستجابة لما يحيي القلوب

هناك أيضًا محور مهم وهو أن طاعة الله ورسوله سبب لكل خير. ربنا سبحانه وتعالى لم يخلق هذا العالم عبثًا ولم يرسل الرسل عبثًا، فقال لنا:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24]

رسول الله [صلى الله عليه وسلم] علمنا الأخلاق، قال:

«إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»

خمسة وتسعون في المائة من القرآن ومن السنة إنما هي في الأخلاق، فهذا مما يحيينا. وخمسة في المائة في كل الشريعة، في كل الفقه.

نسبة الأخلاق في القرآن والسنة مقارنة بأحكام الفقه

خمسة في المائة فقط من العدد: ستة آلاف ومائتين وستة وثلاثين آية في الكتاب، خمسة في المائة منهم كل الفقه. ستون ألف حديث، خمسة في المائة منهم كل الفقه، والباقي كله في الأخلاق.

«إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]

فاستجيبوا يا إخوتي لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم.

خطورة أن يحول الله بين المرء وقلبه بسبب الاستمرار في المعصية

واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه. هذا هو المحور، هذا عظيم جدًا لأننا واجهنا أناسًا وسألناهم: لماذا أنت مستمر على المعصية؟ فأجاب: والله أريد أن أتركها لكنني لا أستطيع.

أي أن هناك مرحلة من الاستهانة التي يصل فيها العبد إلى أن يحول الله بينه وبين قلبه. وهذه مرحلة خطيرة، إياك أن تصل إليها؛ لأنها شبيهة بالمرض المزمن الذي لا علاج له، والذي يستيأس فيه الإنسان من حاله، وهو أمر يكرهه الله سبحانه وتعالى.

وجوب المسارعة بالتوبة والعودة إلى الله قبل فوات الأوان

إياك إلا أن تكون قريبًا في العودة إلى الله وفي العودة إلى التوبة وفي الاستقامة على الأمر والنهي؛ لأن الأمر خطير في قوله:

﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]

حدثني أحدهم في بلاد الأمريكان يقول لي: أنا في جهنم، أنا في نار. قلت له: وما هذا [الأمر]! الأمر سهل، اخرج من هذه النار. قال: لا أستطيع، أنا في نار ولا أستطيع أن أخرج منها.

فتذكرت قوله تعالى:

﴿أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]

فيجب علينا أن نؤمن بهذا ونتخذه مدخلًا لتغيير حياتنا في هذه الأيام المباركة. إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.