القرآن العظيم | ح12 | أ.د. علي جمعة - تفسير

القرآن العظيم | ح12 | أ.د. علي جمعة

18 دقيقة
  • يستعرض النص محاور الجزء الثاني عشر من القرآن الكريم الذي يضم سورة هود وجزءاً من سورة يوسف.
  • الاستغفار محور رئيسي في علاقة الإنسان بربه، خاصة عند الأزمات والمحن، حيث يوصي الأنبياء أقوامهم به كوسيلة لجلب الرحمة.
  • الجود والكرم محور مهم ظهر في قصة إبراهيم مع ضيوفه، وهو أساس في الشخصية العربية قديماً لأهميته في الحياة الصحراوية.
  • العدل والإنصاف يبرز في سورة يوسف التي تضع أسساً للعدالة القضائية، وكيفية الإثبات والشهادة.
  • تتناول سورة يوسف قضايا الأسرة والعلاقات الاجتماعية وجرائم الخطف والترك.
  • تظهر مصر في سورة يوسف كسلة غذاء للعالم وغوث للعباد، مع إدارة حكيمة للموارد خلال سنوات القحط.
  • القرآن كتاب لا تنتهي عجائبه وفيه محاور متنوعة تتكشف مع التدبر والقراءة المستمرة.
محتويات الفيديو(16 أقسام)

مقدمة برنامج القرآن العظيم والجزء الثاني عشر

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مرحبًا بكم في برنامج القرآن العظيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لا زلنا نحاول استخراج محاور القرآن العظيم في كل يوم مع كل جزء فيه، نحن اليوم مع الجزء الثاني عشر فيه سورة هود وفيه سورة يوسف.

البلاء والوباء والغلاء رحمة من الله تدفع إلى الاستغفار

نلحظ معنى مهمًّا يؤثر في حياتنا خاصة عند الأزمات وعندما يتقلب الزمان علينا؛ ارتفاع أسعار، هجوم وباء، نسميها البلاء والوباء والغلاء.

قد يصيب ذلك [البلاء] الإنسان على سبيل الرحمة من عند ربنا سبحانه وتعالى، وذلك أنه أمرنا حتى نخرج من تلك الحالة الرضية [حالة الذنوب والمعاصي] إلى الحالة المرضية [حالة الطاعة والقرب من الله] بالاستغفار.

وأصبح يُعدّ الاستغفار محورًا مهمًّا في العلاقة بيننا وبين الله سبحانه وتعالى؛ نستغفر من الذنوب والخطايا التي صدرت منا بقصد أو من غير قصد، بعلم أو من غير علم.

صيغ الاستغفار النبوية وكيفية الدعاء بمغفرة جميع الذنوب

وندعوه ونقول: يا رب اغفر لنا ما علمنا وما لم نعلم. هناك أمور تتم بالقصد وبالعلم، وهناك أمور تتم من غير قصد، فاغفر اغفر لنا كل ذنب؛ جُلَّه وكُلَّه وقُلَّه، الكل أو الأكثر أو الأقل، اغفره لنا جميعًا هكذا.

ونقّنا من خطايانا كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس. هذه ألفاظ سيدنا [رسول الله] صلى الله عليه وسلم وهو يعلمنا كيفية الاستغفار.

قال رسول الله ﷺ: «إني أستغفر الله في اليوم مائة مرة»

وهو العبد الرباني الذي وصل إلى حد الربانية.

نوح وهود عليهما السلام يأمران قومهما بالاستغفار لجلب الخيرات

ربنا سبحانه وتعالى يقول: هود ينصح قومه، فكل الرسل هكذا. رأينا قبل ذلك نوحًا عليه السلام وهو يقول:

﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَـٰرًا﴾ [نوح: 10-12]

هود عليه السلام يقول:

﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [هود: 52]

يعني إذن الإنسان بين الشكر والكفران؛ فإما أن يشكر وإما أن يكفر، يكفر يعني يأبى أن يحمد، فلا يوجد حمد ولا يوجد شكر.

الاستغفار محور مهم في حياة المسلم خاصة في أيام النفحات الربانية

لكنه [هود عليه السلام] ينصحهم بأن المدخل الصحيح - ونحن كبني آدم كلنا خطّاؤون، وخير الخطائين التوابون - هو الاستغفار، وهو محور مهم للغاية في حياتنا كلها، خاصة في أيام نفحات الله.

قال رسول الله ﷺ: «إن لله في أيام دهركم لنفحات، فتعرضوا لنفحات الله»

يعني كانت النفحة الربانية تنزل من السماء فنتعرض لها. كنا نرى الأولاد والأطفال يتعرضون للمطر لأنه حديث عهد بربه، يعني كأن الله سبحانه وتعالى أنعم لنا به الآن، فكانوا يفرحون به باعتباره طهارة وباعتباره غيثًا وباعتباره سبب للحياة.

﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ﴾ [الأنبياء: 30]

فكانوا يتعرضون له [للمطر].

أنواع النفحات الربانية والاستغفار أساس العلاقة بين العبد وربه

النفحات كذلك: نفحات يوم الجمعة، نفحات رمضان، نفحات الأيام المباركة العشر الأوائل من ذي الحجة بما فيها يوم العيد، نفحات ربانية، ليلة النصف من شعبان فيها يُفرق كل أمر حكيم، وهكذا فتعرضوا لنفحات الله.

فإذا الاستغفار هو أساس في العلاقة بين الإنسان وربه. نحن نتكلم ولا ننسى مقاصد الخلق وهي: العبادة والعمارة والتزكية.

العلاقة التي بيني وبين ربي مبنية على العبادة، والتي بيني وبين الكون مبنية على العمران، والتي بيني وبين نفسي مبنية على التزكية. هذا أمر لا ننساه.

﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]

﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]

فهنا العلاقة التي بيني وبينه [الله سبحانه وتعالى] كيف أبدأها؟ بالاستغفار.

محور الجود والكرم في قصة إبراهيم عليه السلام مع ضيوفه

المحور الثاني الذي نراه في هذا الجزء هو الجود والكرم. نرى ربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوا سَلَـٰمًا قَالَ سَلَـٰمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: 69]

عجل حنيذ يعني عجلًا ممتلئًا سمينًا، لم يُحضِر لهم عجلًا ضعيفًا هزيلًا، بل اختار اللحم المشويّ الممتلئ. وهذا من الكرم؛ الكرم عطاء، والحب عطاء.

إذن المحور الذي يؤكد علينا في الكرم والذي يجعلنا على قدم إبراهيم عليه السلام محور مهم موجود في ثنايا آيات كثيرة من القرآن الكريم؛ العطاء والحب والصلة التي بيننا وبين الخلق وإكرام الضيف.

وصية النبي بإكرام الضيف وأهمية الكرم عند العرب

والنبي صلى الله عليه وسلم أوصى بالضيف وأكد الوصية مرة بعد مرة بعد مرة. كانت العرب تعتبر الكرم مسألة حياة؛ لأنك في ذلك الزمن تسير في صحراء جرداء، فلا بد من كريم يؤويك ويطعمك وترتاح عنده، لا بد من هذا من غير معرفة بينك وبينه.

فالكرم كان جزءًا لا يتجزأ من الشخصية العربية، ولكن هناك أناس كان الكرم عندهم شيئًا مهمًّا للغاية وعاليًا جدًّا، منهم حاتم الطائي ومنهم عبد الله بن الجدعان.

قصة سفانة بنت حاتم الطائي مع رسول الله وتقديره لكرم أبيها

وعندما جاءت سفانة بنت حاتم الطائي أسيرة لرسول الله [صلى الله عليه وسلم]، أشار إليها سيدنا علي [بن أبي طالب] وقال لها: كلّميه، كلّميه. فقالت: فرأيت رجلًا رجلًا يسير من خلفي يأمرني أن أكلمه، فقلت له:

يا رسول الله، أنا سفانة بنت حاتم. فوقف وقال لها: حاتم طيئ؟ قالت: نعم يا رسول الله.

فقال [رسول الله ﷺ]: «إن أباك كان يحب مكارم الأخلاق»

يعني كان كريمًا. انظر، وهذا الكرم جعلها وهي ليست على الإسلام، يعني يعطيها زادها وزوادها وما استطاع من أمر ويرسلها إلى أخيها عدي وهو ليس على الإسلام حينئذ في الشام.

شعيب عليه السلام يأمر بالشفافية وتحريم الغش في الموازين

في محاولة الوقوف عند محاور في هذا الجزء الثاني عشر، فنجد شعيبًا عليه الصلاة والسلام يأمر بالالتزام بالشفافية وحرمة الغش في الموازين؛ لأن ذلك يؤدي إلى ظلم، والظلم ظلمات يوم القيامة، ويؤدي إلى قهر للنفس وخداع.

قال النبي ﷺ: «من غشّنا فليس منّا»

إذن هذا محور مهم: العدل والإنصاف.

سورة يوسف وأسس القضاء والعدالة في الإثبات والشهادة

والعدل والإنصاف نراه في هذا الجزء في قصة يوسف. كل سورة يوسف بعد ذلك في الحقيقة أنها مبنية على القضاء، ولذلك ألّف المؤلفون فيها:

  • كيف تكون الشهادة؟
  • كيف يكون الإثبات؟
  • كيف يكون خلق الأدلة للوصول إلى الحق؟
  • هل يحكم القاضي بعلمه؟ هل يؤثر ذلك بالعلم، علم القاضي في ضميره؟

في الحقيقة أن سورة يوسف وجزء منها في هذا الجزء الثاني عشر يعني فيها أسس القضاء كمحور من المحاور.

قصة يوسف وغيرة الإخوة وارتكاب جرائم الخطف والترك في البئر

بدأت سورة يوسف في قضية الأسرة وغيرة الأبناء بعضهم مع بعض، وعلاقة هذا بارتكاب بعض الجرائم؛ لأن إخوة يوسف ارتكبوا جريمة: جريمة الخطف وجريمة الترك في البئر؛ لأن ذلك تعرّضٌ للهلاك، يعني كأنه شروع في هلاكه.

إلا أنهم لا يقصدون الإهلاك، ولعله أن تأخذه السيارة [القافلة] كما قال كبيرهم، ولكن في النهاية هي جريمة فجريمة في جريمة في وضع اجتماعي في كذا إلى آخره.

الحقيقة أن سورة يوسف وبعد أن أخذته السيارة [القافلة]:

﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ﴾ [يوسف: 20]

ثم بعد ذلك قضية الكفالة والتربية التي لاقاها يوسف عليه السلام في بيت العزيز إلى آخره.

سورة يوسف سورة فريدة شاملة للعدالة القضائية والاجتماع البشري

إلا أننا مع هذه العظمة في سورة يوسف وهي سورة فريدة؛ لأنها تتكلم عن قصة واحدة من بدايتها إلى نهايتها، ولأنها وضعت أسسًا للعدالة القضائية: كيف يحكم القاضي ابتداءً وانتهاءً.

وتكلمت عن مساحة كبيرة في الاجتماع البشري وفي الأسرة وفي النفوس وفي علاقة الرجل مع المرأة الأجنبية وفي وفي وفي. يعني الحقيقة سورة ثرية للغاية.

بعضهم أفردها بالتأليف، والإمام محمد عبده في تفسيره وقف عندها وأفاض فيها جدًّا حتى أنه انتقل إلى رحمة الله تعالى ولم يُكمل هذا [التفسير]، ولذلك نجد تفسير المنار يقف عند سورة يوسف.

مصر سلة غذاء العالم وغوث العباد كما ورد في سورة يوسف

هناك محور أحب أن أذكره هنا وهو أن مصر سلّة الغذاء للعالم كله. لا أريد أن أقول استُغلّت استغلالًا صحيحًا، بل أريد أن أقول إذا أُديرت إدارة صحيحة، فإذا أُديرت هذه البلاد فإنها غوث العباد كما ورد في الأثر عن سيدنا نوح أنها أم البلاد وغوث العباد.

فهذه منطقة وكان الله سبحانه وتعالى قد وضع فيها البركات، حتى لاحظ أهلها أن كل من اعتدى عليها يردّ خاسئًا، فسمّوها مصر المحروسة؛ لأنها محروسة من عند الله سبحانه وتعالى حتى من تقلبات المجاعات والكوارث وما إلى ذلك.

جاءت مجاعات كثيرة لكنها ذهبت، جاءت أوبئة كثيرة لكنها ذهبت، جاء غزاة كثيرون عبر التاريخ لكنهم ذهبوا وبقيت مصر. مصر سلة غذاء العالم، مصر هي غوث العباد وأم البلاد، الذين أخذوا منها كلمة مصر أم الدنيا.

مصر حاضرة في سورة يوسف والتخطيط الاقتصادي في آيات الزراعة

فمصر الحقيقة موجودة في سورة يوسف وحاضرة فيها بقوة. ونتذكر:

﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنبُلِهِٓ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾ [يوسف: 47]

إلى آخر هذه الآيات المباركات. سورة يوسف تعدّت الجزء الثاني عشر إلى الجزء الثالث عشر، والذي يهمنا في هذا الجزء هو تدبّر تلك المحاور وما يفتح الله سبحانه وتعالى على القارئ بمحاور أخرى.

خاتمة الحلقة والأمل في جمع محاور القرآن وترتيبها

محاور القرآن ونحن نسير جزءًا جزءًا تتعاظم وتكثر، والأمل أن نجمعها جميعًا ونرتبها ترتيبًا ونضيف إليها ما لم يسعفنا الوقت في ذكره في هذه اللقاءات المباركة.

وننطلق والقرآن لا تنتهي عجائبه ولا يَخْلَق من كثرة الردّ. فالحمد لله رب العالمين، إلى لقاءٍ آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.