القرآن العظيم | ح18 | أ.د. علي جمعة
- •القرآن الكريم لا تنتهي عجائبه ولا يخلق من كثرة الرد كما وصفه النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
- •انتشر الشك المريض بسبب وسائل التواصل الاجتماعي، وهو مختلف عن الشك المنهجي الهادف للوصول إلى الحقائق.
- •تعددت أنواع الإلحاد منها من ينفي وجود الإله أو صفاته أو الوحي أو التكليف أو يوم القيامة أو أركان الإيمان.
- •من شروط التوبة الإقلاع عن الذنب وعدم العودة إليه والندم ورد الحقوق، ثم نسيان الذنب بعد التوبة.
- •حذر الله من الذين يحبون إشاعة الفاحشة بين المؤمنين وتوعدهم بالعذاب في الدنيا والآخرة.
- •وصف الله نفسه بأنه نور السماوات والأرض في سورة النور: "الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح".
- •المشكاة فيها زجاجة كأنها كوكب دري، والمصباح يوقد من شجرة زيتونة مباركة لا شرقية ولا غربية.
- •الله يهدي لنوره من يشاء، وفي هذا تسلية لأرواح المؤمنين وتخفيف من ظلمة المفسدين.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج القرآن العظيم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من القرآن العظيم.
نبحث اليوم في الجزء الثامن عشر من هذا القرآن العظيم عن محاورة أو بعض ما يفتح الله سبحانه وتعالى علينا، فالقرآن لا تنتهي عجائبه ولا يَخلَق من كثرة الرد كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
الفرق بين الشك المنهجي والشك المريض وأثر التواصل الاجتماعي
ونرى مشكلة قد يكون سببها انتشار التواصل الاجتماعي، وهي الشك المريض وليس الشك المنهجي. الشك المنهجي هو الأسئلة من أجل الإجابة عليها، من أجل الوصول إلى الحقائق، وهذا أمر لا بد منه.
أما الشك المريض فهو الحيرة، وهو الإنكار بلا علم، بل بالهوى.
﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَىٰهُ﴾ [الجاثية: 23]
في هذا الشأن نرى ألوانًا من الإلحاد، منها مَن نفى وجود الإله وهذا يُسمى بالإلحاد الأسود، ومنها مَن نفى صفات الإله، ومنها مَن نفى الوحي، ومنها مَن نفى التكليف، ومنها مَن نفى يوم القيامة، ومنها مَن نفى أركان الإيمان.
صور الإلحاد الجزئي بنفي بعض أركان الإيمان دون بعض
فتراه يؤمن بالله لكنه لا يؤمن برسله، يؤمن بالكتب لكنه لا يؤمن بالتكليف، ولا يؤمن بيوم القيامة، ولا يرى أن الله سبحانه وتعالى نرجع إليه فينبئنا بما كنا فيه نختلف وفيما كنا فيه نختلف.
هذا الحال من الإنكار شاع وذاع، وسنراه قد نبَّه الله سبحانه وتعالى عليه في القديم. كانت هذه الأنواع كأنها وإن كانت موجودة لكن لم تكن بهذا الانتشار.
شواهد قرآنية على إنكار البعث والتكذيب بالرسل في القرآن الكريم
نجد أن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: 37]
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: 38]
﴿قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: 39]
فهنا نقف عند قولهم: إن هي إلا حياتنا الدنيا. هناك [من الكفار من] يقول: إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين، أو: وما يهلكنا إلا الدهر.
أنواع التكذيب بالإله وصفاته واليوم الآخر وأركان الإيمان الستة
فكل هذه الأنواع من أنواع التكذيب، سواء كان تكذيبًا بالإله أو تكذيبًا بصفاته أو تكذيبًا لليوم الآخر الذي هو ركن من أركان الإيمان.
حيث الإيمان هو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. هذا هو الإيمان بالغيب.
﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [البقرة: 3]
نرى كثيرًا من الشباب قد دخله الشك في هذا المقام، وأصبح واجب العصر أن نسهل لهم الردود أو نسهل لهم القناعات التي توافق الواقع والتي ينطق بها الكون بل ويصرخ بها الكون؛ لأنها حقائق لا ينكرها عاقل.
واجب العلماء وطلبة العلم في بيان الحقائق للشباب بلغتهم
لكن [هذه الحقائق] تحتاج إلى صياغة، وتحتاج إلى نموذج معرفي شائع، وتحتاج إلى تعليم. ومن هنا فإن الحمل ثقيل على طلبة العلم وعلى العلماء أن يبينوا لهؤلاء الشباب بلغتهم وبما يصل إلى عقولهم ثم قلوبهم حقيقة الأمر.
فهذا محور مهم [من محاور حلقة اليوم].
شروط التوبة من الذنب وأهمية الندم والإقلاع عن المعصية
محور آخر وهو الندم على فعل المعصية. من شروط التوبة:
- أن تُقلع عن الذنب.
- وأن تنوي ألا تعود إليه مرة أخرى.
- وأن يصيبك شيء من الندم.
- وإذا كان هذا الذنب متعلقًا بحقوق بينك وبين العباد، أن ترد هذه الحقوق.
هذه شروط التوبة. ثم بعد ما تبت وأصبح أمرك أبيض لا غبار عليه، عليك أن تنسى هذا الذنب وكأنك لم تفعله؛ حتى لا تُحبَط، وحتى يكون هذا دافعًا لك نحو مزيدٍ من التمسك بأهداب الفضيلة.
الندم عند الموت حيث لا ينفع الندم وحقيقة البرزخ
هنا نرى أن من لم يفعل هذا [أي التوبة في الدنيا] ولم يتب، فإنه سيكون نادمًا حيث لا ينفع الندم في وقتٍ لا فائدة فيه. الندم:
﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّىٓ أَعْمَلُ صَـٰلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّآ﴾ [المؤمنون: 99-100]
لا، يعني انتهى الأمر عليه. كلا!
﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 100]
البرزخ مثل الصمام، يعني يدخل الهواء في الكرة مثلًا ولا يخرج مرة أخرى. فمن ورائهم برزخ، فالبرزخ هذا تخرج إليه الأرواح وتصعد إليه الأرواح، ثم لا تستطيع هذه الروح بعد ما عرفت الحقيقة أن ترجع مرة أخرى.
حكمة إرسال الرسل وإنزال الكتب والموعظة الحسنة كل جمعة
هي [الروح] تتمنى أن ترجع حتى تعمل خيرًا وحتى تبتعد عن الشر، لكن هذا من أجله أرسل الله الرسل، ومن أجله أنزل الله الكتب، ومن أجله أمرنا بالموعظة.
لدرجة أن المسلمين يجتمعون كل يوم جمعة من أجل هذا المعنى وهو الموعظة الحسنة؛ نرشد الناس إلى التقوى وننبههم وننقل لهم مراد الله سبحانه وتعالى فيهم.
أسباب عدم الاستجابة للموعظة وثقل التكليف على النفس البشرية
فكل هذا [الإرشاد والموعظة] لم يلقَ آذانًا صاغية، إما بعدم الذهاب أصلًا إلى الجمعة، وإما بالذهاب وعدم الاستجابة بـسمعنا وأطعنا. وقد يكون بسبب هوى في النفس؛ لأن هذه النفس لا تريد القيود ولا تريد التكليف ولا تريد الجهد والاجتهاد.
والله سبحانه وتعالى كلَّفنا، أي ألزمنا، بما فيه مشقة؛ وضوء وصلاة وزكاة وحج إلى آخره. فهذا أمر ثقيل على النفس البشرية.
الثواب المقابل لثقل التكليف وأهمية التمسك قبل فوات الأوان
ومع هذا الثقل جعل الله بإزائه ثوابًا.
﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]
فينبغي علينا أن نتمسك بهذا قبل الفوت والموت. فالندم على المعصية له وقته وله مكانه، فإذا ذهبت الروح إلى باريها انقطعت هذه التوبة.
وبعد الفاصل نواصل.
تحذير الله من الذين يحبون إشاعة الفاحشة في المجتمع المسلم
هذا الفاصل ومعنا محوران: المحور الأول هو تحذير الله سبحانه وتعالى لنا بأن هناك صنفًا من الناس يحب أن ينشر الفاحشة وأن تشيع. هذا الصنف، صنف مؤذٍ ومضر ليس لنفسه فقط بل للمجتمع ولعموم الناس، وهو لا يدرك مدى الضرر الذي يصاب به الخلق من فعله هذا.
يقول تعالى:
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَـٰحِشَةُ فِى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: 19]
نعم، هم يفعلون هذا لأنهم لا يعلمون. هؤلاء لو علموا ماذا يفعلون من فساد في الأرض لما ارتكبوا هذه الجرائم.
استمرار وجود أهل الشر ووجوب محاصرتهم وإنكار فعلهم
تحذير الله سبحانه وتعالى من هذا الصنف يبين لنا أن هذا الصنف سيبقى إلى يوم الدين. أهل الشر لن ينتهوا، ليس هناك شيء اسمه أننا نسعى إلى مقاومة المرض لكن المرض لن ينتهي، إنما يُحاصَر.
أهل الشر لن ينتهوا ولكن يجب علينا إنكار هذا الفعل، ويجب علينا محاصرة هذا الفكر الذي يريد فسادًا في الأرض، يجب علينا أن نجعل هذا محورًا.
عقوبة الدنيا والآخرة لمن يشيع الفاحشة وعودة الضرر عليهم
وهذا التحذير من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وأن عذابهم سيكون في الدنيا وفي الآخرة. كثير جدًا من المواقف يُحيل الله سبحانه وتعالى من أجل استمرار الاجتماع البشري إلى الآخرة، يعني أنه لا يكون [العقاب] في الدنيا.
ولكن هنا نرى أنه عَجَّل لهم العقوبة في الدنيا أيضًا؛ لأنهم عندما يضرون المجتمع وهم جزء من هذا المجتمع، يرجع الضرر إليهم. ويأذن الله سبحانه وتعالى أن يكون الضرر وهو راجع إليهم أعظم من الضرر الذي يعود على الآخرين.
حال المفسدين الذين يزدادون طغياناً وعمى بصيرة بسبب حبهم للفاحشة
قد خرجوا [أي المؤمنون] مما هم فيه من تلك الورطات التي يورطونهم إياها، وهم [أي المفسدون] لا يخرجون، بل يزدادون في طغيانهم وفي عمى قلوبهم وفي انطماس بصيرتهم؛ لأنهم يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا.
آية النور وتفسير وصف الله سبحانه وتعالى بأنه نور السماوات والأرض
هناك محور آخر يخفف عنا ظلمة هؤلاء [المفسدين]، والله سبحانه وتعالى يصف نفسه فيه بأنه نور السماوات والأرض. يقف العلماء هنا على أن الله سبحانه وتعالى منوِّر السماوات والأرض، أي هو الذي أنشأ الظلمات والنور والحر والحرور، وأنشأ الشيء وضده حتى تتم جدلية الحياة وتسير هذه الحياة في تفاعل دائم.
في سورة النور يقول تعالى - وقد سُمِّيت سورة النور بهذا الاسم من أجل هذه الآية -:
﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَوٰةٍ﴾ [النور: 35]
يعني المشكاة هي هذه الزجاجة التي نضع فيها المصباح.
تفسير تشبيه نور الله بالمشكاة والزجاجة كالكوكب الدري
فإذا كان الله سبحانه وتعالى يصف نوره بأنه كمشكاة، فهذا شيء جميل. المشكاة دائمًا يصنعونها بصفة الجمال. الزجاجة المحيطة بذلك المصباح كأنها كوكب دُرِّي، أي أن الزجاجة نفسها تشع ضوءًا.
وهذا موجود في نظرية المنشور الذي إذا ما وُجِّه إليه الضوء يعني سيحدث ما يُسمى بتحليل شعاع الضوء، ويتحلل شعاع الضوء إلى سبعة، وهي سبعة ألوان الطيف.
صفات الشجرة المباركة الزيتونة وزيتها الذي يكاد يضيء بلا نار
فالزجاجة كأنها كوكب دُرِّي يوقد من شجرة مباركة زيتونة. يبقى أول صفة في هذه الشجرة أنها مباركة زيتونة، لا شرقية ولا غربية. يبقى إذن لا شرقية ولا غربية؛ نفى التحديد في مكان، لا شرقية ولا غربية.
يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، وهذا واقع في زيت الزيتون النقي أنه كأنه يلمع ويضيء ولو لم تمسسه نار.
معنى نور على نور وتلاوة المشايخ لآية النور بالصلاة على النبي
نور على نور. يبقى إذن المشكاة التي بداخلها زجاجة، والزجاجة التي بداخلها مصباح، والمصباح الذي يوقد من شجرة بهذه الصفة: مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية، كل هذه كأنه نور على نور على نور على نور.
﴿يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ﴾ [النور: 35]
وكان مشايخنا رحمهم الله تعالى عندما يقرؤون هذه الآية ويتلونها هكذا فيقولون: يهدي الله لنوره صلى الله عليه وسلم، يعني كانوا يصلون على النبي في هذا الموضع باعتبار أن النبي هو النور المقصود بهذه الآية.
ختام الحلقة وتسلية أرواح المؤمنين بنور الله في مواجهة ظلمة المفسدين
﴿يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَـٰلَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: 35]
آية تخفف عنا ظلمة أولئك الذين يسعون في الأرض فسادًا ويحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وفيها ما فيها من تسلية لأرواح المؤمنين.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
