القرآن العظيم | ح 28 | أ.د. علي جمعة - تفسير

القرآن العظيم | ح 28 | أ.د. علي جمعة

21 دقيقة
  • الآيات في سورة المجادلة تحذر من الذين يحادون الله ورسوله، فقد كبتوا كما كبت الذين من قبلهم، وأنزل الله آيات بينات تدعو إلى التوحيد والإيمان بالرسل واليوم الآخر.
  • أهداف الخلق ثلاثة هي: عبادة الله، وعمارة الأرض، وتزكية النفس، وهي تمثل أغراض القرآن الكريم.
  • وصف الله العذاب بأنه مهين وأليم وعظيم، وذهب بعض العلماء كعمر وابن تيمية وابن القيم إلى القول بفناء النار.
  • الآيات في سورة الممتحنة تبين أساس التعامل مع غير المسلمين: لا ينهانا الله عن بر ومعاملة من لم يقاتلونا في الدين ولم يخرجونا من ديارنا.
  • إنما ينهانا الله عن موالاة من قاتلونا في الدين وأخرجونا من ديارنا وظاهروا على إخراجنا.
  • يوم التغابن هو يوم القيامة الذي يتخاصم فيه الناس ليستوفي كل منهم حقوقه، ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يُكفّر عنه سيئاته ويدخله الجنة.
محتويات الفيديو(19 أقسام)

مقدمة برنامج القرآن العظيم والجزء الثامن والعشرين وقواعد الاجتماع البشري

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أهلًا وسهلًا بكم في برنامج القرآن العظيم، ونحن الآن نصل إلى الجزء الثامن والعشرين، ونجد فيه تلك الآيات العظيمة التي تعلمنا قواعد الاجتماع البشري عقيدةً وشريعةً وأخلاقًا.

نجد في سورة المجادلة:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴿٥﴾ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا ۚ أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٥، ٦]

معنى محادة الله ورسوله وعاقبة الكبت والفشل في الدنيا

في هذه الآية يحذرنا ربنا سبحانه وتعالى من أن نجعل هناك حجابًا بيننا وبين سيدنا الرسول، وبيننا وبين من أرسله سبحانه وتعالى. إن الذين يحادون الله ورسوله كُبِتوا، كُبِتوا أي خسروا، لم يفوزوا؛ هذا طريق للفشل وليس طريقًا للنجاح.

كبته أي كتمه، فعندما يُكبَت الإنسان فإنه يكون فاشلًا لا يحقق نجاحًا، وعندما لا يحقق الإنسان نجاحًا في حياته يشعر بشيء من الضيق ويشعر بشيء من الإحباط ويشعر بشيء من أنه لا قيمة له. فمعنى هذا أن مَن يُحادّ الله ورسوله لا قيمة له.

أهداف الخلق الثلاثة: العبادة وعمارة الأرض وتزكية النفس

القيمة هي في هذه الثلاثة التي جعلها الله هدفًا لذلك الخلق وهذا الكون:

أولًا: عبادة الله:

﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]

ثانيًا: عمارة الأرض:

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]

طلب منكم عمارتها.

ثالثًا: تزكية النفس:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴿٩﴾ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩، ١٠]

لا تنسوا هذه الثلاثة التي عليها مبنى القرآن، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]

تعدل ثلث القرآن؛ لأن أغراض هذا القرآن ثلاثة: العبادة، والعمارة، والتزكية، وهي [سورة الإخلاص] تتكلم عن أساس العبادة: قل هو الله أحد.

وجوب التبرؤ من محادة الله ورسوله وسنة الله المطردة في كبت المخالفين

فيجب علينا إذن أن نتبرأ من الذين يحادون الله ورسوله، فقد كُبِتوا كما كُبِت الذين من قبلهم. إذن فهناك سنة لله مطردة عبر الأجيال؛ كلما جاء رسول وكُذِّب وانحُرف، أو انحرف الناس بشريعته وبتعاليمه، كبتهم الله سبحانه وتعالى. كُبِتوا كما كُبِت الذين من قبلهم.

إذن يجب علينا أن نسير على الصراط المستقيم وأن نطيع الله سبحانه وتعالى في هذا الأمر.

وضوح الآيات البينات في الدعوة إلى التوحيد والإيمان بالله وصفاته

وقد أنزلنا آيات بينات، يعني الآيات واضحة جدًا؛ آيات تدعو صراحة إلى عبادة الله الواحد الأحد الفرد الصمد وأنه لا إله إلا الله، خير ما قلت وقال النبيون من قبلي. آيات تقول إن الله سبحانه وتعالى له الصفات العلى وهي كذا وكذا واضحة.

آيات تنسب الحول والقوة لله وحده، فهو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير. آيات تأمرنا بالإيمان بالرسل وبالتكليف الذي جاء من عند الله وبالأوامر والانتهاء عن الزواجر، تأمرنا بوضوح، آيات بينات.

يسر فهم القرآن وأهمية اللغة العربية في استيعاب آياته البينات

أي [هذه الآيات] ليست محتاجة إلى كثير من الجدال ولا هي محتاجة إلى كثير عناء حتى نفهمها. قد يغيب عنا لفظ أو جملة أو أكثر؛ لأنه كما قال الإمام الشافعي: لا يحيط باللغة إلا نبي. قد لا نفهم تركيبًا من التراكيب لأننا قد ابتعدنا عن اللغة وعن التعمق فيها، وهي أساس من أسس الفهم لهذا الكتاب.

ولكن الآيات ما زالت بيِّنات؛ يأمرنا بأن نؤمن [بالله وب] تلك الرسل، فضَّلنا بعضهم على بعض، أن نؤمن بيوم آخر نرجع فيه إلى ربنا بالعقاب وبالثواب وبالحساب. واضح الأمر وبيِّن.

سؤال عن رحمة الله مع وجود العذاب المهين والمعنى اللغوي لكلمة عذاب

وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين.

ويسأل بعض الناس: كيف أن الله الرحمن الرحيم لديه هذا العذاب، وليس العذاب فقط بل هو عذاب مهين؟

فنقول: هناك ثلاثة أمور في هذا الشأن:

الأول: أن كلمة عذاب نفسها اختارها الله سبحانه وتعالى بالعين والذال والباء، وهذه المادة في اللغة عمقها العذوبة، وكأن العذاب سيتحول يوم القيامة إلى عذوبة فتتخلله الرحمة. صحيح أنه عقاب وصحيح أنه غير مرغوب فيه، ولكن الرحمن الرحيم حتى وهو يعاقب فإن هذا الانتقام والعقاب والجزاء الذي يضعه الله سبحانه وتعالى على مَن خالفه في الدنيا وخرج عن أوامره تتخلله الرحمة، وهو في ذاته يصير عذبًا على هؤلاء الذين يُعذَّبون.

وصف العذاب بصفات مختلفة لردع المشركين عن الاستهانة به

ومن أجل هذا ثانيًا: يصف الله سبحانه وتعالى العذاب بصفات مختلفة: عذاب أليم، عذاب عظيم، عذاب مهين؛ لأنه لو ترك كلمة عذاب وحدها لاستهان بها العربي المشرك الذي سمع القرآن يُتلى، وكان سيقول: هذا أمر طيب وأنا لا بد أن أفعل هذه السيئات وذلك الشرك حتى أنال هذا العذاب العذب.

ولذلك نجد كلمة عذاب دائمًا موصوفة بأنها عذاب مهين، بأنها عذاب أليم، بأنها عذاب عظيم، بأنها وهكذا.

مذهب سيدنا عمر وابن تيمية وابن القيم في القول بفناء النار

الأمر الثالث: ذهب سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] إلى أن هذا العذاب يبقى أحقابًا، أي يبقى أزمانًا متطاولة لكنه في النهاية إلى فناء، وكأن الله سبحانه وتعالى يُفني النار وتبقى الجنة وحدها. فالله سبحانه وتعالى رحيم ورحمن.

كانت هناك مجادلة بين أحد العلماء رحمه الله تعالى وبين أحد المفكرين، فقال له المفكر: أنا أؤمن بأن الله رحمن رحيم، فلِمَ تصفونه في القرآن بأنه يُعذب وأن هذا العذاب أليم وعظيم ومهين وشديد، لِمَ تصفونه هكذا؟ أنا لا يتحمل عقلي أن الله الغفور الرحيم الجميل يكون له هذا العذاب الموصوف في القرآن الكريم.

فقال له [العالم]: مذهب عمر [بن الخطاب رضي الله عنه]. قال له: ولكن عندنا مذهب وإن كنّا لا نتبناه، إنما هو موجود عن صحابي جليل، وذهب إلى ذلك ابن تيمية وابن القيم بالقول بفناء النار. قال [المفكر]: أنا مع هذا المذهب، وبدأ في التوبة وفي الصلاة لله رب العالمين.

الفرق بين رأي الإسلام ورأي إسلامي وجواز الاستدلال بأقوال مختلفة لدعوة الناس

هل هذا جائز؟ يعني أن أكون على رأي فأدل على رأي غيري؟

نعم؛ لأن هناك فرقًا بين رأي الإسلام وبين رأي إسلامي، فهذه الأمور إنما هي رأي إسلامي وليست هي رأي الإسلام، فالإسلام أوسع وأكبر من كل هذا.

فيجوز أن أعتقد أن النار خالدة، ولكن أُبيِّن للناس -حتى لا أكون فتنة عليهم، وحتى يصل الإسلام إلى قلوبهم- بأن هناك قولًا ذهب إليه كثير من الناس أن النار تفنى رحمةً من عند الله سبحانه وتعالى.

آية سورة الممتحنة في تأسيس العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين

فاصل ونواصل.

رجعنا من الفاصل حتى نواجه أمرًا عجيبًا يجب على كل الإنسانية أن تلتفت إليه، بل على المسلمين خاصةً، فالمسلم ينبغي عليه أن يعيش مع القرآن الكريم. لكن هذه الآيات التي سنتلوها الآن تمثل مدخلًا يجب أن نفتخر به، مدخلًا يجب أن يشيع بين الناس.

يقول سبحانه وتعالى في سورة الممتحنة في ذلك الجزء الثامن والعشرين:

﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿٨﴾ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٨، ٩]

السياق التاريخي لنزول آية الممتحنة وأذى المشركين للنبي وأصحابه

آية قوية في العلاقة بين المسلمين وبين غير المسلمين، يبين فيها ربنا سبحانه وتعالى أنه يا أيها المسلم لا ينهاك الله سبحانه وتعالى عن الذين لم يقاتلوكم. القضية أن هناك من اعتدى علينا وأخرجونا من ديارنا.

ما الذي حدث؟ الذي حدث أن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى ربه على بصيرة هو ومن اتبعه، ويدعو إلى ربه بالجدل الحسن. لم يلقَ النبي إلا الأذى والتكذيب والإهانة والتعذيب في مكة، وبالرغم من ذلك لم يدعُ إلا بالتي هي أحسن:

﴿وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]

فأخرجوه من دياره، واضطر الصحابة أن يرحلوا إلى الحبشة، وسمعوا أن النبي قد اصطلح مع المشركين -إشاعة ظهرت- فعادوا، ثم لما رأوا الحالة كما هي رجعوا مرة أخرى إلى الحبشة، فكانت هناك هجرة الحبشة الأولى والثانية.

تآمر المشركين على قتل النبي وهجرته إلى المدينة وتأسيس القاعدة الذهبية

ثم ضاق الأمر حتى تآمروا على رسول الله واتفقوا على قتله، فأنقذه الله وأخفاه منهم وذهب إلى المدينة المنورة حيث الأنصار الذين نصروا الله ورسوله والمهاجرين.

وبدأ الإسلام في المدينة بدءًا جديدًا وأصبحت الدولة تحت سلطان النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وبالرغم من ذلك، إلا أنه وضع تلك القاعدة المبدئية، ودلنا على هذه القاعدة الذهبية:

﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ﴾ [الممتحنة: 8]

حق الدفاع عن النفس مكفول عند كل البشر وفي المواثيق الدولية

فمن قاتلنا من أجل أن نترك ديننا دافعنا عن أنفسنا، وحق الدفاع مكفول عند كل البشر. إذا تعرضت الذات لعدوان أجاز كل البشر، كل العقلاء من بني آدم أجازوا أن يدافع الإنسان عن نفسه، حتى مقررات جنيف الأولى والثانية في قضايا الحرب وقواعدها، كلها أقرت أن للإنسان أن يدافع عن نفسه.

﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ﴾ [الممتحنة: 8]

إسقاط آية الممتحنة على القضية الفلسطينية وحق الدفاع عن الديار

حسنًا، وإذا أخرجونا كما فعل الصهاينة في الفلسطينيين، أخرجونا من ديارنا؟ ولا زالوا إلى الآن يُخرجون الفلسطينيين من ديارهم حتى ينشئوا المستعمرات.

إذا فعلوا هذا فمن حق من اعتُدي على نفسه، واعتُدي على عرضه، واعتُدي على ماله، واعتُدي على دينه، أن يدافع عن نفسه، ولا يكون ملومًا. هذا أمر يقره كل العقلاء.

ولكن يتم التلبيس حول هذا:

﴿لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 71]

لِمَ تفعلون هذا؟

البر والإقساط مع غير المسلمين المسالمين والتعاون على البر والتقوى

أما إذا كنا من أصحاب الإنصاف والعدالة، أبدًا، فلا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم، ويكون بيننا وبينهم علاقات وتجارة وجيرة وتعاون:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ﴾ [المائدة: 2]

وتقسطوا إليهم أي أن تنصفوهم وتعطوهم حقوقهم وتكرموهم وتقسطوا إليهم:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8]

إن الله يحب المنصفين وأهل العدل، يحبهم الله سبحانه وتعالى.

النهي عن موالاة المعتدين والمظاهرين على إخراج المسلمين من ديارهم

﴿إِنَّمَا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَـٰتَلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ وَظَـٰهَرُوا عَلَىٰٓ إِخْرَاجِكُمْ﴾ [الممتحنة: 9]

فهناك ثلاث صفات: أنهم قاتلونا من أجل أن نرتد عن ديننا، وأخرجونا من ديارنا، والإخراج من الديار كما ترون ألحقه الله بالعدوان على الذات والعدوان على الدين، وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم.

حسنًا، عندما يأتي هؤلاء القوم يعتدون علينا، وهذا العدوان نراهم يظاهرون وينصرون من اعتدى، وبعد ذلك نرى من يتولاهم، فهذه تكون خيانة. وأيضًا هذا موجود في كل شعوب العالم فيما يُسمى بالخيانة العظمى للأوطان، يخونون المجتمع والناس والدولة.

﴿وَظَـٰهَرُوا عَلَىٰٓ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ [الممتحنة: 9]

هؤلاء الذين يفعلون هذا الفعل مع المعتدين، الحقيقة أنهم من الظالمين.

معنى يوم التغابن وتخاصم الناس أمام الله لاستيفاء حقوقهم

نرى قوله تعالى في سورة التغابن، والتغابن اسم من أسماء يوم القيامة، وتغابن: تفاعلَ يعني من الطرفين، فهناك خصماء يوم القيامة يقول له: أنا خصيمك يوم القيامة، اثنان لهما حقوق يتحاسبون ويستوفون حقوقهم أمام ملك الملوك، أمام الله رب العالمين:

﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ﴾ [التغابن: 9]

يعني كل واحد سيشكو شكواه إلى الله رب العالمين.

الفوز العظيم بالنجاة من النار ودخول الجنة يوم القيامة وخاتمة الحلقة

﴿وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَـٰلِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّـَٔاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ [التغابن: 9]

﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: 185]

فالفوز العظيم هو أن ينجو الإنسان بنفسه من هذه الورطات التي في يوم القيامة، فإذا زُحزِح عن النار -حتى قبل أن يدخل الجنة- وأُدخِل الجنة فقد فاز. النجاة النجاة! ولذلك كان مشايخنا يقولون: الناجي يأخذ بيد أخيه على الصراط.

فالحمد لله رب العالمين، في يوم التغابن هو يوم نتخاصم فيه حتى ينال كل واحد منا مراده من الحقوق. إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.