القرآن العظيم | ح 28 | أ.د. علي جمعة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أهلاً وسهلاً بكم في برنامج القرآن العظيم، ونحن الآن نصل إلى الجزء الثامن والعشرين، ونجد فيه تلك الآيات العظيمة التي تعلمنا قواعد الاجتماع البشري عقيدةً وشريعةً وأخلاقاً. نجد في سورة المجادلة "إنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴿٥﴾ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا ۚ أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" [المجادلة: ٥، ٦]،
في هذه الآية يحذرنا ربنا سبحانه وتعالى من أن نجعل هناك حجاباً بيننا وبين سيدنا الرسول، وبيننا وبين من أرسله. سبحانه وتعالى "إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا"، كبتوا أي خسروا، لم يفوزوا. هذا طريق للفشل وليس طريقاً للنجاح. كبته أي كتمه، فعندما يكبت الإنسان فإنه يكون فاشلاً
لا يحقق نجاحاً، وعندما لا يحقق الإنسان نجاحاً في حياته يشعر بشيء من الضيق ويشعر بشيء من الإحباط ويشعر بشيء من أنه لا قيمة له، فمعنى هذا أن مَن يُحادّ الله ورسوله لا قيمة له. القيمة هي في هذه الثلاثة التي جعلها الله هدفاً لذلك الخلق وهذا الكون: عبادة الله "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" [الذاريات: ٥٦]، وعمارة الأرض "هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا" [هود: ٦١]، طلب منكم عمارتها، وتزكية النفس "قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴿٩﴾ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا" [الشمس: ٩، ١٠]، لا تنسوا هذه الثلاثة التي عليها مبنى القرآن، حتى قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" [الإخلاص: ١] تعدل ثلث القرآن، لأن أغراض هذا القرآن ثلاثة: العبادة، والعمارة، والتزكية. وهي تتكلم عن أساس العبادة "قل هو الله أحد"، فيجب علينا إذن أن نتبرأ من الذين يحادون الله ورسوله، فقد كُبِتوا كما كُبِت الذين من قبلهم. إذاً فهناك سنة لله مطردة عبر الأجيال، كلما جاء رسول وكُذِّب وانحُرف، أو انحرف الناس بشريعته وبتعاليمه، كبتهم الله سبحانه وتعالى. كُبِتوا كما كُبِت الذين من قبلهم، إذاً يجب علينا
أن نسير على الصراط المستقيم. وأن نطيع الله سبحانه وتعالى في هذا الأمر. وقد أنزلنا آيات بينات يعني الآيات واضحة جداً، آيات تدعو صراحة إلى عبادة الله الواحد الأحد الفرد الصمد وأنه لا إله إلا الله، خير ما قلت وقال النبيون من قبلي، آيات تقول إن الله سبحانه وتعالى له الصفات العلى وهي كذا وكذا واضحة، آيات تنسب الحول والقوة لله وحده، فهو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير. آيات تأمرنا بالإيمان بالرسل وبالتكليف الذي جاء من عند الله وبالأوامر
والانتهاء عن الزواجر، تأمرنا بوضوح آيات بينات، أي ليست محتاجة إلى كثير من الجدال ولا هي محتاجة إلى كثير عناء حتى نفهمها. قد يغيب عنا لفظ أو جملة أو أكثر، لأنه كما قال الإمام الشافعي: "لا يحيط باللغة إلا نبي". قد لا نفهم تركيباً من التراكيب لأننا قد ابتعدنا عن اللغة وعن التعمق فيها، وهي أساس من أسس الفهم لهذا الكتاب، ولكن الآيات ما زالت بيِّنات يأمرنا بأن نؤمن تلك الرسل فضَّلنا بعضهم على بعض، أن نؤمن بيوم آخر نرجع فيه إلى ربنا بالعقاب وبالثواب
وبالحساب. واضح الأمر وبيِّن، وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين. ويسأل بعض الناس كيف أن الله الرحمن الرحيم لديه هذا العذاب، وليس العذاب فقط بل هو عذاب مهين؟ فنقول هناك ثلاثة أمور في هذا الشأن؛ الأول أن كلمة "عذاب" نفسها اختارها الله سبحانه وتعالى بالعين والذال والباء، وهذه المادة في اللغة عمقها العذوبة، وكأن العذاب سيتحول يوم القيامة إلى عذوبة فتتخلله الرحمة. صحيح أنه
عقاب وصحيح أنه غير مرغوب فيه، ولكن الرحمن الرحيم حتى وهو يعاقب فإن هذا الانتقام والعقاب والجزاء الذي يضعه الله سبحانه وتعالى على مَن خالفه في الدنيا وخرج عن أوامره تتخلله الرحمة، وهو في ذاته يصير عذباً على هؤلاء الذين يُعذَّبون. ومن أجل هذا ثانياً يصف الله سبحانه وتعالى العذاب بصفات مختلفة: عذاب أليم، عذاب عظيم، عذاب مهين، لأنه لو ترك كلمة عذاب وحدها لاستهان بها
العربي المشرك الذي سمع القرآن يُتلى، وكان سيقول: هذا أمر طيب وأنا لا بد أن أفعل هذه السيئات وذلك الشرك حتى أنال هذا العذاب العذب، ولذلك نجد كلمة عذاب دائماً موصوفة بأنها عذاب مهين، بأنها عذاب أليم، بأنها عذاب عظيم، بأنها وهكذا. الأمر الثالث: ذهب سيدنا عمر إلى أن هذا العذاب يبقى أحقابًا، أي يبقى أزماناً متطاولة لكنه في النهاية إلى فناء، وكأن الله سبحانه وتعالى يفني النار وتبقى
الجنة وحدها. فالله سبحانه وتعالى رحيم ورحمن. كانت هناك مجادلة بين أحد العلماء رحمه الله تعالى وبين أحد المفكرين، فقال له المفكر: أنا أؤمن بأن الله رحمن رحيم، فلمَ تصفونه في القرآن بأنه يُعذب وأن هذا العذاب أليم وعظيم ومهين وشديد، لِمَ تصفونه هكذا؟ أنا لا يتحمل عقلي أن الله الغفور الرحيم الجميل يكون له هذا العذاب الموصوف في القرآن الكريم. فقال له مذهب عمر. قال له:
ولكن عندنا مذهب وإن كنّا لا نتبناه، إنما هو موجود عن صحابي جليل وذهب إلى ذلك ابن تيمية وابن القيم بالقول بفناء النار، قال: أنا مع هذا المذهب، وبدأ في التوبة وفي الصلاة لله رب العالمين. هل هذا جائز؟ يعني أن أكون على رأي فأدل على رأي غيري؟ نعم، لأن هناك فرقاً بين رأي الإسلام وبين رأي إسلامي، فهذه الأمور إنما هي رأي إسلامي وليست هي رأي الإسلام، فالإسلام أوسع وأكبر من كل هذا، فيجوز أن أعتقد أن النار خالدة، ولكن أُبيِّن للناس حتى
لا أكون فتنة عليهم، وحتى يصل الإسلام إلى قلوبهم، بأن هناك قول ذهب إليه كثير من الناس أن النار تفنى رحمةً من عند الله سبحانه وتعالى. فاصل ونواصل، رجعنا من الفاصل. حتى نواجه أمراً عجيباً يجب على كل الإنسانية أن تلتفت إليه، بل على المسلمين خاصةً، فالمسلم ينبغي عليه أن يعيش مع القرآن الكريم. لكن هذه الآيات التي سنتلوها الآن تمثل مدخلاً يجب أن
نفتخر به، مدخلاً يجب أن يشيع بين الناس. يقول سبحانه وتعالى في سورة الممتحنة في ذلك الجزء الثامن والعشرين: "لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿٨﴾ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" [الممتحنة: ٨، ٩]. آية قوية في العلاقة بين المسلمين
وبين غير المسلمين، يبين فيها ربنا سبحانه وتعالى أنه يا أيها المسلم لا ينهاك الله سبحانه وتعالى عن الذين لم يقاتلوكم. القضية أن هناك من اعتدى علينا وأخرجونا من ديارنا. ما الذي حدث؟ الذي حدث أن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى ربه على بصيرة هو ومن اتبعه، ويدعو إلى ربه بالجدل الحسن لم يلق النبي إلا الأذى والتكذيب والإهانة والتعذيب في مكة، وبالرغم من ذلك لم يدعُ إلا بالتي هي أحسن، "وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ". فأخرجوه من دياره، واضطر الصحابة أن يرحلوا
إلى الحبشة. وسمعوا أن النبي قد اصطلح مع المشركين -إشاعة ظهرت- فعادوا، ثم لما رأوا الحالة كما هي رجعوا مرة أخرى إلى الحبشة فكانت هناك هجرة الحبشة الأولى والثانية، ثم ضاق الأمر حتى تآمروا على رسول الله واتفقوا على قتله، فأنقذه الله وأخفاه منهم وذهب إلى المدينة المنورة حيث الأنصار الذين نصروا الله ورسوله والمهاجرين، وبدأ الإسلام في المدينة بدءاً جديداً وأصبحت الدولة تحت سلطان النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وبالرغم
من ذلك، إلا أنه وضع تلك القاعدة المبدئية، ودلنا على هذه القاعدة الذهبية: "لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ".[الممتحنه:٨] فمن قاتلنا من أجل أن نترك ديننا دافعنا عن أنفسنا، وحق الدفاع مكفول عند كل البشر. إذا تعرضت الذات لعدوان أجاز كل البشر، كل العقلاء من بني آدمُ أجازوا أن يدافع الإنسان عن نفسه، حتى مقررات جنيف الأولى والثانية في قضايا الحرب وقواعدها، كلها أقرت أن للإنسان أن يدافع عن نفسه.
"لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ" [الممتحنة: ٨]. حسناً، وإذا أخرجونا كما فعل الصهاينة في الفلسطينيين، أخرجونا من ديارنا؟ ولا زالوا إلى الآن يُخرجون الفلسطينيين من ديارهم حتى ينشئوا المستعمرات. إذا فعلوا هذا فمن حق من اعتُدي على نفسه، واعتُدي على عرضه، واعتُدي على ماله، واعتُدي على دينه، أن يدافع عن نفسه، ولا يكون ملوماً. هذا أمر يقره كل العقلاء، ولكن يتم التلبيس حول هذا. لماذا تلبسون الحق بالباطل
وتكتمون الحق وأنتم تعلمون؟ لم تفعلون هذا؟ أما إذا كنا من أصحاب الإنصاف والعدالة، أبداً، فلا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم، ويكون بيننا وبينهم علاقات وتجارة وجيرة وتعاون، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان وتقسطوا إليهم. أي أن تنصفوهم وتعطوهم حقوقهم وتكرموهم وتقسطوا إليهم، "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" [الممتحنة: ٨]. إن الله يحب المنصفين وأهل العدل يحبهم الله سبحانه وتعالى. "إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ" [الممتحنة: ٩]،
فهناك ثلاث صفات: أنهم قاتلونا من أجل أن نرتد عن ديننا وأخرجونا من ديارنا، والإخراج من الديار كما ترون ألحقه الله بالعدوان على الذات والعدوان على الدين. وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم، حسناً، عندما يأتي هؤلاء القوم يعتدون علينا، وهذا العدوان نراهم يظاهرون وينصرون من اعتدى، وبعد ذلك نرى من يتولاهم، فهذه تكون
خيانة. وأيضاً هذا موجود في كل شعوب العالم فيما يُسمى بالخيانة العظمى للأوطان، يخونون المجتمع والناس والدولة، "وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" [الممتحنة: ٩]. هؤلاء الذين يفعلون هذا الفعل مع المعتدين، الحقيقة أنهم من الظالمين. نرى قوله تعالى في سورة التغابن، والتغابن اسم من أسماء يوم القيامة، وتغابن: تفاعلَ يعني من الطرفين، فهناك خصماء يوم القيامة يقول له: أنا خصيمك
يوم القيامة، اثنان لهما حقوق يتحاسبون ويستوفون حقوقهم أمام ملك الملوك، أمام الله رب العالمين. "يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ" [التغابن: ٩]، يعني كل واحد سيشكو شكواه إلى الله رب العالمين. "وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" [التغابن: ٩]. "فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ" [آل عمران: ١٨٥]، فالفوزُ العظيم هو أن ينجو الإنسانُ بنفسه من هذه الورطات التي في يوم القيامة، فإذا زُحزِح عن النار حتى
قبل أن يدخل الجنة وأُدخِل الجنة فقد فاز. النجاة النجاة ولذلك كان مشايخنا يقولون: "الناجي يأخذ بيد أخيه على الصراط". فالحمد لله رب العالمين. في يوم التغابن هو يوم نتخاصم فيه حتى ينال كل واحد منا مراده من الحقوق. إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.