القرآن العظيم | ح 24 | | أ.د. علي جمعة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مرحباً بكم في هذا البرنامج "القرآن العظيم". نبحث عن محاور في الجزء الرابع والعشرين. في هذا الجزء نلقى بشرى من عند الله سبحانه وتعالى تعالج كل اكتئاب، وتمنع من الدخول في الإحباط، وتتعامل مع الواقع بطريقة سلسة وجادة، يقول الله سبحانه وتعالى: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿٥٣﴾ وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ" [الزمر: ٥٣، ٥٤]
في هذه الآيات المباركات يراعي الله سبحانه وتعالى خلقته في أن كل ابن آدم خطّاء، يعني كثير الخطأ، يعني يعود للخطأ مرة بعد مرة، وخير الخطائين التوابون. فسيكرر التوبة من غير يأس، من غير إحباط. والأمر
في ذلك أن الله من صفاته أنه صبور سبحانه وتعالى، لا يناله منا ضر بمعصيتنا، فنحن لا نستطيع أن نصل إلى الله سبحانه وتعالى بالضر والعياذ بالله تعالى لأنه هو القوي المتعال، ومن هنا فكل ذنوبنا إنما تضرنا نحن، نحن نضر أنفسنا، ثم بعد ذلك تحدث الإفاقة من الغفلة، وتحدث إرادة التوبة، ويساعدنا الله سبحانه وتعالى أنه سيغفر لنا الذنوب جميعاً، وأنه لو جئنا "يا ابن آدم، لو جئتني بتراب الأرض ذنوبًا ثم جئتني تائبًا لغفرت
لك"، وهو حديث عجيب. يعجز الإنسان أن يأتي لربه بمتر مكعب من تراب الأرض ذنوبًا. لو جئنا بالمتر المكعب وعددنا فيه ذراته، فكم ذرة نجد؟ كم حبة من الحبات تشبه حبة الرمل في المتر المكعب؟ سنجد رقمًا. سترى الرقم الذي يخرج من المتر المكعب من تراب. الأرض أكبر بعشرات آلاف المرات من ثواني العمر المتاح للإنسان، فكيف يأتي الإنسان بتراب الأرض ذنوباً؟ يعني لو أراد إنسان
أن يفعل وسوف يفعل كل ثانية معصية، وبالرغم من ذلك سيأتي بمتر مكعب واحد أو واحد على عشرة آلاف من المتر المكعب. والله يفتح عليك ويقول: "لو جئتني بتراب الأرض ذنوبًا ثم جئتني تائبًا لغفرت لك". إذن، نحن أمام شيء مذهل من العفو والغفران والبداية الجديدة وعدم اليأس. بعدما نندم ونقلع عن الذنب ونرد حقوق الآخرين ونعزم على ألا نعود لهذا الذنب مرة أخرى، فإننا قد نعود. وبالرغم من كل ذلك نحاول أن ننسى أننا قد أذنبنا حتى لا يحيطنا
الإحباط أو اليأس، فالله سبحانه وتعالى كريم، هذا المعنى يجب أن تقف عنده في هذه الأيام الفضيلة، وفي هذا الجزء المبارك، وتعيش هذا المعنى. إياك من اليأس، إياك من أن تقنط أو تيأس من رحمة الله سبحانه وتعالى، فإنه يغفر الذنوب جميعاً. المطلوب منك أن تنيب إلى الله، أن يتعلق. قلبك بالله، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن، فهذا محور من المحاور المهمة في القرآن الكريم. نرى محوراً آخر في قوله
تعالى: "وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ" [الزمر: ٦٩]، "وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا" يعني الجنة التي وصفها الله سبحانه وتعالى، "لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا" [الإنسان: ١٣]، وقالوا إن الزمهرير هو القمر، والشمس عدَّ بها الناس زمنهم عن طريق السنة الشمسية ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً وربع، وهذا الربع كل أربع سنوات نجعله في فبراير لنقول عنها سنة كبيسة. وعدَّ الناس عن طريق دوران القمر حول الأرض السنين القمرية، والتي علق الله عليها
الأحكام الشرعية من الحج ومن الصيام ومن المواسم التي تعلقت بها الأحكام الشرعية، فالشمس والقمر جعلهم الإنسان بتعليم الله له مقياساً للزمان. في الجنة ليس هناك زمان، خالدين فيها أبداً. ولما كان الأمر كذلك أقر القرآن بأن الجنة لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً، لا شمس ولا قمر. سمع أحد الملاحدة هذه الآية "لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا"، قال: إذاً أنا لا أريد
أن أدخل هذه الجنة لأنها شديدة الرطوبة، فألهمني الله حينئذ أن أتلو هذه الآية عليه، فقلت: "وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ"، لما أشرقت الجنة أشرقت بنور الله، ونور الله فيه من الوضوح والبصيرة والدفء والهدوء والبركة، "اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" [النور: ٣٥]، ليس في حاجة إلى الشمس لأن ذلك النور يفوقها، لسنا في حاجة إلى القمر ولسنا في حاجة إلى لا الشمس ولا الزمهرير في حساب الزمان، لأنه ليس هناك أصلاً زمان. "وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا" تفتح لك آفاقاً
وأنت في الدنيا ترى الآخرة، وأنت تتفكر في الآخرة فإنك في الدنيا، وحينئذٍ. يرتفع الحجاب بينهما وتراهما حياة واحدة، هذه الحياة الواحدة هي حياة جميلة، "وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" [العنكبوت: ٦٤]، سعادة الدارين. فاصل ونعود إليكم، رجعنا من الفاصل لنرى قوله تعالى: "وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من
حميم ولا شفيع يطاع يعلم خائنة". الأعين وما تخفي الصدور، أنذرهم يوم القيامة، الآزفة يعني القريب، أزف الأمر أي قرب، يعني أنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بُعثت والساعة كهاتين"، ويشير إلى إصبعيه السبابة والوسطى لقربهما، لأن هذا يتلو هذا على الفور، وبعدها يقول لي أحدهم: طيب ما هو... رسول الله عليه الصلاة والسلام مضى عليه ألف وأربع مائة وبضع سنوات، فأين هذا القرب؟ فلو تذكرنا "تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ" [المعارج: ٤]،
أيها الإنسان مائة سنة فقد عشت ثلاث دقائق. "قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ" [المؤمنون: ١١٢، ١١٣، ١١٤]، أنهم يرونه بعيدا، ألف وأربع مائة سنة "وَنَرَاهُ قَرِيبًا" [المعارج: ٧]، فهو لم يكمل بعد ثلاث أرباع الساعة. هذا المعنى، معنى النسبية، يأتي في كلمة "الآزفة"، لأن يوم القيامة وإن بعُد بمئات السنين إلا أنه قريب عند الله، لأن الله سبحانه وتعالى في علاه خارج الزمان، وكل ما يحدث في هذا الزمان هو عنده آن، يعني يراه شيئًا واحدًا،
ولذلك فهو علام الغيوب سبحانه وتعالى. النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره رسولًا من مهامه البشرى ومن مهامه الإنذار ومن مهامه التبليغ، يبلغ الأحكام ويبشر بالجنة وينذر بكل صعب ومنها العقوبة، "وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ" [غافر: ١٨]، يعني القلب نبضه سريع فيشعر الإنسان وكأنه فيه اختناق. كظم أي تجرع أي
كتم ما في نفسه، فهو غير قادر على التنفس، غير قادر أن يكون على راحته، إنما هو كاظم. والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، الكاظمين الغيظ عنده غيظ، عنده خنقة، يقول لك: أنا أشعر أنني سأختنق لأن التنفس يحدث. هناك نوع من أنواع الكتمان فيحدث هذا الكظم في يوم القيامة، القلوب ستكون لدى الحناجر كاظمين، يعني تضغط على التنفس. "مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ" [غافر: ١٨]، حميم يعني رفيق، حميم يعني هذه صفة لموصوف محذوف. ودائماً نأخذ بالنا من أنه شائع حكاية أن آتي بالصفة
لموصوف محذوف. القيامة الآزفة يعني القيامة القريبة. الرفيق الحميم لن أجد أحداً أشكو إليه همي، لن أجد صديقي الذي يسمونه الحميم، الذي يكون محل سماع وفضفضة فأرتاح. فلا يوجد هذا الحميم، ولا يوجد هذا "وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ"، لا يوجد أيضاً شخص يكون قريباً جداً من عند ربنا حتى أنه يشفع لنا في هذا الحال، فربنا سبحانه وتعالى. يخفف عنا ويدعو بها الله حتى يقول الله له: "يا محمد، اشفع تُشفع، وقل تُسمع، وارفع"، أي ارفع
رأسك من السجود، "واشفع تُشفع، وقل تُسمع"، أي سنستجيب لك. فيسأل الله سبحانه وتعالى التخفيف للعالمين، فيكون حقاً رحمةً للعالمين. محور آخر نراه في قوله تعالى: "وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" [فصلت: ٢١]، هذا موقف كيف نتعامل في هذا اليوم، هذا اليوم يوم نعود فيه إلى الله، ويوم ليس فيه مجال للكذب وللف وللدوران، فالإنسان
يحب حينئذ أن يعود بتلك الصفات التي كانت عليه في الحياة الدنيا مثل اللف والدوران (المراوغة)، شيء من الفهلوة (إدعاء الذكاء)، فيحذرنا الله سبحانه وتعالى من ذلك. الحساب يتم فيه التحقيق، فعلت هذا الذنب، فإذا به يقول: "لا، لم أفعل"، ظناً منه أنها فرصة، ويظن أنه عندما يقول: "لا، لم أفعل" سيفلت من الحساب. هناك رقيب وعتيد، وهناك تصوير في الداخل والخارج، بالصوت والصورة، أي في كتاب. "وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا" [الإسراء: ١٣، ١٤]،
فيخرج ويقرأ الكتاب الخاص به، ففيه أنه ارتكب ذنباً في الوقت الفلاني، فبدلاً من أن يعتذر وكان ينبغي عليه أن يعتذر أو يعترف، أنكر، فأتوا له بالمستند، وهذا يطيل فترة الحساب. فالجلد واليد تشهد عليه وتأتي هذه الآية: "وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ" [فصلت: ٢١]، وهل بأيدينا شيء؟ يعني بلا لف ودوران (ولا مراوغة)، هذا بخلاف من اعترف. هل فعلت كل هذا؟ قال: نعم يا ربي فعلته، لا أنكر منه شيئاً. قال: هل لك حسنة؟ قال: يا ربي. لا أعرف لي حسنة، يعني
في تواضع وخبوت لله سبحانه وتعالى، قال: لا يُظلم أحدٌ لديّ، لديك بطاقة، فنظر في البطاقة وهذه سجلات إلى عنان السماء، فوُضعت البطاقة فطاشت تلك السجلات في الهواء. ما هذه البطاقة؟ قال: "إنه كان يقول "لا إله إلا الله محمد رسول الله" مخلصاً من قلبه". إذن، فلنتقِ الله ولنجعل هذا سبباً لعدم إحباطنا، والسير في الطريق إلى الله والأدب معه. إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.