القرآن العظيم | ح6 | أ.د. علي جمعة
- •المحور الأول في الجزء السادس هو الوفاء بالعقود، إذ أمرنا الله تعالى بقوله: "أوفوا بالعقود"، وهذا الأمر يشمل كل أنواع العقود في حياة الإنسان كالزواج والبيع والشراء.
- •المحور الثاني يتعلق بصلة المسلمين بمجتمعهم وبالعالم، من خلال إباحة زواج الكتابيات وأكل طعامهم، مما ساهم في انتشار الإسلام عبر الأسرة لا بالإكراه.
- •المحور الثالث هو الطهارة، إذ يحب الله المتطهرين، وأمرنا بالوضوء والاغتسال والتيمم، وهذه الطهارة تشمل الجانب الحسي والمعنوي.
- •أكد النص على أهمية الوفاء بالعهود وعدم الغدر، وبين أن الكذب ليس من صفات المؤمن.
- •الميثاق مع الله تعالى يشمل العهود التي بيننا وبين الله، وبيننا وبين الناس، وبيننا وبين أنفسنا، وبيننا وبين الكون.
مقدمة الحلقة واستعراض محاور الجزء السادس من القرآن الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مرحبًا بكم في حلقة جديدة من القرآن العظيم. اليوم نحاول أن نستخرج بعض محاور الجزء السادس؛ في هذا الجزء نرى عدة محاور، خاصة في بداية سورة المائدة.
المحور الأول: أمر الله بالوفاء بالعقود وأهميته في حياة المسلمين
المحور الأول هو أن الله سبحانه وتعالى جعل لنا الوفاء بالعقود محورًا وحكمًا مما يحبه الله سبحانه وتعالى، فقال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 1]
الله سبحانه وتعالى لما أمرنا بالوفاء بالعقود وجعل هذا مما يحبه، أصبح هناك عند المسلمين ما يُسمى بنظرية العقد؛ فالبيع والشراء من العقود، والزواج من العقود، والهبة من العقود، حتى عدُّوا الطلاق من العقود.
نظرية العقد في الإسلام وتشعبها في كل مناحي الحياة البشرية
إذن، فالله سبحانه وتعالى أمرنا أن نعمل في اجتماعنا البشري بنظرية العقد، وبالنص: أوفوا بالعقود. إنه أمرٌ من الأوامر، لكنه أمرٌ متشعب ومتداخل في كل حياة الإنسان.
هناك كثير من مناحي الحياة مبنيٌّ على العقود؛ في المعاملات وفي ما يُسمى بالأحوال الشخصية، حتى أن بعضهم عندما تأمل أنشأ ما يُسمى بالعقد الاجتماعي.
العقد الاجتماعي من الفكر البشري، لكنه فعلًا موجود في واقع الناس، وهو عقد بين الإنسان وبين مجتمعه، فسُمّي بالعقد الاجتماعي.
بلاغة الأمر القرآني بالوفاء بالعقود قبل أحكام الحج والعبادات
لو تأملنا في نظرية العقد وفي أركانها وفي شروطها، لوجدنا الله سبحانه وتعالى بكلمة بليغة واحدة يقول: أوفوا بالعقود.
قبل أن يدخل في قضية من أركان الدين وهي أحكام الحج، في قضية من أهم وأعلى العبادات، قبل ذلك يأمرنا بأن نوفي العقد حقه: أوفوا بالعقود.
فهذا إذن المحور الأول الذي يجب أن نعيش فيه وأن نتأمله وأن نكون معه على دراية وعلى التزام.
الفرق بين المجتمعات المتقدمة والمتأخرة في تقديس العقود والوفاء بها
هذا [الوفاء بالعقود] يفرق كثيرًا جدًّا بين المجتمعات المتقدمة والمجتمعات المتأخرة. إذا نظرنا إلى المجتمعات المتقدمة نرى تقديسًا للعقد وللاتفاق.
والعقد عبارة عن اتفاق إرادتين، والوفاء بالعقد فيه وفاء بالعهد، واتفاق الإنسان يتضمن شيئًا من الكرامة ومن الوفاء ومن الأمن وعدم الغدر.
فنحن نعيش في هذا المعنى ونحاول أن نطبقه في حياتنا باعتباره محورًا أساسيًّا من محاور القرآن الكريم.
المحور الثاني: إباحة زواج الكتابيات وأكل طعام أهل الكتاب
المحور الثاني هو تلك الصلة والرابطة التي أباحها الله سبحانه وتعالى للمسلمين من أجل أن يتصلوا أولًا بمجتمعهم وثانيًا بالعالم، وهو إباحة زواج الكتابيات اللاتي لم يؤمنَّ بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وظللن على ما اعتقدنه من دينهن.
وهنا أباح الله سبحانه وتعالى الأكل والشرب والزواج من الكتابيات. وفي زواج الكتابيات يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىٓ أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلْإِيمَـٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ [المائدة: 5]
جواز الزواج من الكتابيات وإقرار حرية المعتقد للزوجة
إذن يجوز أن نتزوج من غير المسلمين [من أهل الكتاب] بهذه الشروط التي ذكرها الله سبحانه وتعالى. وفي هذا إقرار لها في عبادتها؛ فهي تؤمن بموسى، وتؤمن بعيسى على ما اتجه قلبها إليه، فهي محبوبة وهي أم أولاده.
ومن هذا الحكم، وإن كان حكمًا في ظاهره أنه أمر بسيط، إلا أن الإسلام انتشر من قبله [أي من خلال هذا الحكم].
الدليل الإحصائي على انتشار الإسلام في مصر سلميًّا عبر الأسرة لا بالإكراه
لم ينتشر [الإسلام] بالعنف والسيف كما يقولون. عندما دخل الإسلام مصر، طبقًا للإحصائيات العلمية، وبعد مائة سنة كان هناك خمسة في المائة من المسلمين والباقي من غير المسلمين.
لماذا؟ لأن الإسلام لم يدخل بالإكراه. ثم بعد ذلك مائتين وخمسين سنة أصبحت نسبة المسلمين خمسة وعشرون في المائة.
من هذا الذي أباحه الله سبحانه وتعالى لنا [من زواج الكتابيات]، يدخل المسلم فيتزوج ويأتي بأبناء فيُنسبون إلى الإسلام، ويتزوجون من بنات خالهم وهنّ على دينهن. ومن خلال الأسرة دخل الإسلام وشاع، حتى جاءت سنة سبعمائة وخمسين، فإذا بأكثر من تسعين في المائة من المسلمين.
انتشار الإسلام عبر الأسرة وأهمية زواج الكتابيات في الاجتماع البشري
هذا تاريخ رقمي إحصائي يوضح أن الإسلام لم يُكره أحدًا عليه؛ لأنه لا يريد أن يُنشئ منافقين. من خلال الأسرة انتشر الإسلام.
ولذلك أصبح زواج الكتابيات والأكل من طعام أهل الكتاب ركنًا ركينًا في الاجتماع البشري؛ لأنه يتعامل مع المواطنة بقلب مفتوح، بأننا جميعًا نسكن في مكان واحد، لنا حقوق واحدة وعلينا واجبات تجاه هذا المكان الذي نسكنه والذي يُسمّى بالوطن واحد.
ومن هنا كان هذا المبدأ وهذا المحور من أهم المحاور التي تكلم عنها القرآن الكريم، والتي يعود أساسًا فيها إلى الاجتماع البشري، إلى العلاقة بين الرجل والمرأة، باعتبار أن الأسرة هي الخلية الأولى للمجتمع.
محور حب الله للمتطهرين والطهارة الحسية والمعنوية في الإسلام
نواصل بعد الفاصل. عدنا من الفاصل ومعنا محور ينبغي أن نلتفت إليه في رأيي، وهو أن الله يحب المتطهرين.
هذا المحور يمثل طهارة حسية وطهارة معنوية، ويمثل في نفس الوقت طاعة؛ فإن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالوضوء وأمرنا بالاغتسال وأمرنا ببديل وهو التيمم من الصعيد الطيب من الأرض.
وقد جعل الله الأرض لنا مسجدًا وطهورًا، فجعلنا نتصل بالكون الذي أخبرنا أن كل شيء فيه يسبح. وفي النهاية:
قال النبي ﷺ: «إن الله جميل يحب الجمال»
وأخرج الترمذي:
«إن الله نظيف يحب النظافة»
وهنا الله سبحانه وتعالى نجده يحب المتطهرين ويأمر بالطهارة.
أهمية الوضوء والطهارة في تشكيل شخصية المسلم حسيًّا ومعنويًّا
الوضوء مثلًا والاغتسال، يعني لا بد في كل صلاة أن يكون الإنسان متوضئًا ولم ينقض وضوءه من قبل.
ولذلك نقف عند هذا المحور لأن فيه من المعاني الجليلة الحسية والمعنوية والنفسية ما يشكل شخصية الإنسان.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 6]
يعني إذا أردتم القيام إلى الصلاة:
﴿فَٱغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: 6]
إعراب أرجلكم في آية الوضوء والفرق بين الغسل والمسح
أرجلَكم منصوبة لأنها ليست معطوفة على الرؤوس، ولذلك لا نمسحها فقط بل نغسلها؛ لأنها معطوفة على الوجه الذي من حقه الغسل، وعلى اليدين التي من حقهما الغسل.
نغسل وجهنا ونغسل أيدينا ونغسل أرجلنا، و(أرجلَكم) ولم يقل (وأرجلِكم). وإن كانت هناك قراءة متواترة (وأرجلِكم)، وحملوها على المسح على الخفين أو على الجوربين.
أركان الوضوء الأربعة واستنباط الإمام الشافعي للترتيب من النص القرآني
إذن، فربنا هنا يأمرنا بهذه الأركان الأربعة المنصوص عليها: غسل الوجه، وغسل اليدين، ومسح الرأس، وغسل القدمين.
الإمام الشافعي يقول: عندما وُضع المسح في وسط الغسل، قال إنه يريد الترتيب؛ يريد أن نبدأ بالوجه، ثم بعد ذلك نغسل اليدين إلى المرفقين، ثم بعد ذلك نمسح الرأس بأي مساحة منه؛ لأن الباء هنا للتبعيض، أي ولو ببعض الرأس، ثم نغسل القدمين.
هذا الترتيب أخذه من ذكر مخالف في وسط متفقات: اغسل، اغسل، امسح، اغسل. فلماذا لم يقل: اغسل، اغسل، اغسل، امسح مثلًا ويجعل المسح متأخرًا؟ ولم يكن الترتيب حينئذٍ مطلوبًا. لكن لما وضع امسح في وسط الأغسال المتتالية دلّ هذا على الترتيب.
هذا حسّ الإمام الشافعي اللغوي، يأمر بهذا الترتيب في الوضوء. غيره من الأئمة لم ينظر هذه النظرة.
مكانة الطهارة بوصفها عبادة وصلة بين الإنسان والكون
إذن فالطهارة لها مكانة كبيرة:
- أولًا هي عبادة.
- وثانيًا متعلقة بالعلاقة بين الإنسان وبين الكون؛ لأنه يستعمل الماء الذي أكثر الله الحاجة إليه، وإذا لم يجد فإنه يستعمل الصعيد الطيب من الأرض.
﴿وَجَعَلْنَا الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المرسلات: 25-26]
يعني تضمنا أحياءً وأمواتًا. ومن هنا يُقرّ ربنا سبحانه وتعالى الصلة بين الإنسان وبين الكون حتى في مجال العبادات:
قال النبي ﷺ: «جُعِلَتْ لي الأرض مسجدًا وطهورًا»
الوفاء بالعهد وخصال النفاق السلوكي في الحديث النبوي
كما أمرنا الله سبحانه وتعالى بالوفاء بالعقود، وأمرنا سبحانه بأن لا نخلف العهد، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يؤكد هذا ويقول:
قال النبي ﷺ: «ثلاث من خصال النفاق: من كان فيه واحدة منهن فهو على شُعبة من شُعَب النفاق حتى يدعها»
وهذا يسميه العلماء بالنفاق السلوكي أو بالنفاق العملي:
- •إذا حدّث كذب.
- •وإذا اؤتمن خان.
- •وإذا عاهد غدر.
وفي رواية أخرى: وإذا خاصم فجر. فمجموع الروايات أربعة، لكن عندما نقول ثلاثة فهؤلاء هم: إذا حدّث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر.
الصدق صفة لازمة للمؤمن والسماحة في المعاملات من مبادئ الوفاء
وفيها [في الأحاديث النبوية]:
أيكذب المؤمن؟ قال [النبي ﷺ]: لا. أيزني المؤمن؟ قال: نعم. أيسرق المؤمن؟ قال: نعم؛ لأنها تحت وطأة الحاجة أو دفع الشهوة، لكن لماذا يكذب؟
ومن هنا كان الصدق صفة من صفات المؤمن، والوفاء صفة من صفات المؤمن، وعدم التمادي في الخصومة.
قال النبي ﷺ: «رحم الله امرأً سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا تقاضى»
كل هذا إنما في ذلك المبدأ الذي هو الوفاء بالعهد.
ميثاق الله مع بني إسرائيل وأهمية الوفاء بالعهد مع الله والناس
فربنا يقول:
﴿وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيْتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ [المائدة: 12]
هنا يتكلم ربنا سبحانه وتعالى بهذه الطريقة التي تتحدث عن الميثاق، العهد الذي يجب أن نوفيه: عهد الله سبحانه وتعالى مع إبراهيم ومع موسى ومع عيسى ومع محمد صلى الله عليهم أجمعين.
أنواع العهود الأربعة بين الإنسان والله والناس والنفس والكون
العهد الذي بيننا وبين الله، العهد الذي بيننا وبين الناس، العهد الذي بيننا وبين أنفسنا، والعهد الذي بيننا وبين الكون.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
