سورة المائدة | ح 1043 | 87 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 1043 | 87 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • يوجه الله المؤمنين في سورة المائدة إلى كيفية السير في طريقه الذي يرضيه.
  • الخطاب موجه للمؤمنين خاصة وليس لكل الناس، فعلى من يريد وصف الإيمان أن يلتفت لهذه الآيات.
  • الآية تنهى المؤمنين عن تحريم الطيبات التي أحلها الله لهم، فكما لا يجوز تحليل ما حرمه الله، لا يجوز تحريم ما أحله.
  • ينبغي للمؤمن أن يكون وقّافاً عند حكم الله، يقول "سمعنا وأطعنا" دون زيادة أو نقصان.
  • وصف الله ما أحله بـ"الطيبات" ليبين مدى جرم من يحرمها، فمن حرمها فكأنه أقر الخبيث.
  • العدوان له صور كثيرة: بالزيادة، بالنقص، بالأذية، بالامتناع، بالمنع، بالترك.
  • من صور العدوان تضييق الواسع الذي أباحه الله.
  • ختمت الآية بقاعدة ذهبية: "إن الله لا يحب المعتدين".
  • فهم اللغة العربية مهم لإدراك حلاوة كتاب الله وعلو مقامه وتفسيره.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة في توجيه الله للمؤمنين في سورة المائدة للسير في طريقه

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى يوجه المؤمنين إلى كيفية السير في طريق الله، يعني في الطريق الذي يرضي الله، يرضى عنه الله ورسوله.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ [المائدة: 87]

إذن فالخطاب هنا ليس لكل البشر وليس لكل الناس، إنما هو خطاب موجه إلى المؤمنين، فليلتفت كل مؤمن من أراد أن يوصف بالإيمان عند ربه، وليلتفت كل مؤمن عندما يصرح بإيمانه أو يريد كمال هذا الإيمان إلى هذه الآيات.

النهي عن تحريم الطيبات والنهي عن الاعتداء في حكم الله

وأنت في طريق الله، وإذا ما أردت أن تكون محل نظر الله سبحانه وتعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: 87]

فـالطاعة هي حقيقة العبادة، وكما أنه لا يجوز لك أن تحرّم ما أحلّ الله، فإنه لا يجوز لك وبنفس القدر أن تحلّ ما حرّم الله. وكما أنه يحرم عليك أن تحلّ مثلما حرّم الله، فإنه وبنفس القدر لا يجوز لك أن تحرّم ما أحلّه [الله سبحانه وتعالى].

وجوب الوقوف عند حكم الله وعدم تحريم ما أباحه من الأنعام

وهنا مسألة دقيقة وهي أنه يجب عليك وأنت تسعى وتسير في طريق الله سبحانه وتعالى أن تكون وقّافًا عند حكم الله، وقّافًا يعني تقول: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، تقول: حاضر.

فأباح الله سبحانه وتعالى أكل الأنعام، فلا تأتي أنت وتحرّم تحريمًا شرعيًا اللحمَ على نفسك. هناك من يعاف اللحم ولا يريد أن يأكله، هذا لا يحرم [عليه ذلك]؛ لأنه لا يجوز له أن يحرّمها على الناس، ولا يقول لهم: أنا لا آكل اللحم فيجب عليكم جميعًا ألا تأكلوا، هذا الشيء حرام. لا!

النهي عن التشريع بالألسنة وتحليل الحرام وتحريم الحلال

لم تقولوا، لم تصف ألسنتكم هذا حلال وهذا حرام. لا يصح أن تصف ألسنتكم وتشرّع هكذا، يجب عليكم أن تلتزموا بحكم الله [سبحانه وتعالى].

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: 87]

كلمة «طيبات» كان يمكن مثلًا أن يقول: لا تحرّموا ما أحلّ الله لكم، لكنه قال «طيبات» حتى يبيّن لكم مدى الجُرم الذي يرتكبه من يحرّم ما أحلّ الله؛ حيث إن ما أحلّ الله طيب، فأنت تمنع الطيب.

دلالة كلمة طيبات على إقرار الخبيث عند تحريم ما أحل الله

ومعنى هذا أنك تُقِرُّ الخبيث في نفس الوقت وبنفس القدر. فـ«طيبات» هنا جاءت في مكانها بالضبط:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: 87]

لا، لا تحرّموا طيبات ما أحلّ الله. إذن ما أحلّ الله لكم.

إضافة الصفة للموصوف في اللغة العربية والفرق بينها وبين الإضافة العادية

يقول [العلماء]: «مسجد الجامع» يعني مسجدٌ هو الجامع، فيكون «الجامع» هنا صفة لمسجد. ولذلك في اللغة العربية يقولون لك: هذا من قبيل إضافة الصفة للموصوف. هناك شيء كهذا في اللغة العربية.

حسنًا، ما الفرق بين إضافة الصفة للموصوف وبين إضافة الشيء لغيره؟

قال [العلماء]: إضافة الشيء لغيره تجعل فيه أنه ذلك قطعة من ذلك، أنه ذلك جزء. لكن إضافة الصفة للموصوف أنه هو عينه، ليس جزءًا ولا شيء [منفصلًا عنه].

تطبيق إضافة الصفة للموصوف على آية تحريم الطيبات في سورة المائدة

يعني:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: 87]

فيكون [المعنى لو كانت إضافة عادية]: حرّموا خبائث ما أحلّ الله لكم، يعني كأن ما أحلّ الله لكم نوعين: طيبات وغير طيبات. هذا إذا كان المضاف والمضاف إليه صريحًا هكذا.

لكن عندما يكون المضاف والمضاف إليه من قبيل الصفة والموصوف، فهذا عين هذا، ويكون معنى: لا تحرّموا ما أحلّ الله لكم لأنها طيبات. وقد أبرز صفتها وأضافها إليها من أجل أن يُعلمك سبب قبح ما تفعل من تحريم.

أنواع الإضافة في اللغة العربية ودلالتها على الجزئية والعينية

فإذن المضاف والمضاف إليه يدل أحيانًا عندما يكون يُحَضُّ هكذا على الجزئية؛ أن «باب الحجرة» يكون الحجرة هذه مساحة واسعة والباب جزء منها. «أمام المصلين» فيكون المصلون هؤلاء كُثر وهذا إمامهم، يعني جزء منهم.

يعني «طيبات ما أحلّ الله»، لا، ليس هكذا، ليس مثل هذه [الإضافة الجزئية]، ليس مثل الأولين هؤلاء، إنما هذه عامة مثل ما «المسجد الجامع»؟ مسجد الجامع يعني مسجدٌ هو الجامع.

تعدد أنواع الإضافة في اللغة العربية وأهمية فهمها لإدراك حلاوة القرآن

أنواع الإضافة هذه كثيرة، أنواع الإضافة كثيرة في اللغة العربية، يعني أكثر من عشرين نوعًا للإضافة. ففيه إضافة بمعنى الظرفية، يقول لك: «صلاة الليل» يعني صلاة في الليل. وفيه إضافة الصفة والموصوف، وفيه إضافة العام والخاص، وفيه إضافة معناها الملك، وفيه إضافة معناها الاختصاص، وفيها إضافة لأدنى ملابسة، وفيها إضافة كذلك.

هو إذا جلست تتتبعهم تجدهم ثلاثًا أو أربعة وعشرين إضافة.

أهمية فهم اللغة العربية لإدراك حلاوة كتاب الله وتفسيره

من المهم أنك تفهم اللغة العربية؛ لأن اللغة العربية هذه حلوة وجميلة، ولغة حساسة وشاعرة. وإذا أدركتها أدركت حلاوة كتاب الله وعلو مقامه وقامته في الكلام، وعرفت أيضًا تفسيره وطلبت هدايته.

صور العدوان المتعددة من الزيادة والنقص والأذية والامتناع والمنع والترك

﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا﴾ [المائدة: 87]

إذن عندنا العدوان له صور كثيرة:

  1. العدوان قد يكون بالزيادة.
  2. والعدوان قد يكون بالنقص.
  3. والعدوان قد يكون بالأذية؛ تؤذي غيرك.
  4. والعدوان قد يكون بالامتناع.
  5. والعدوان قد يكون بالمنع.
  6. والعدوان قد يكون بالترك.

العدوان هذا له صور واسعة جدًا، من ضمنها أنك تضيّق الواسع الذي أباحه ربنا وأنت تحرّمه.

تحريم الله للعدوان والقاعدة الذهبية أن الله لا يحب المعتدين

لكن هذا النوع من أنواع العدوان حرّمه الله عليك ونبّهك إلى أنه قد حرّم الدائرة الأكبر منه.

﴿وَلَا تَعْتَدُوٓا﴾ [المائدة: 87]

يعني لا تحرّم ما أحلّ الله لك، وأيضًا لا تكن في هذه الدائرة أبدًا وهي دائرة العدوان. ولا تعتدوا، ثم يأتي بـالقاعدة الذهبية الكبرى:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: 87]

فاللهم لا تجعلنا من المعتدين الظالمين. وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.