سورة المائدة | ح 1018 | 67| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •خاطب الله نبيه في القرآن بوصفه "يا أيها الرسول" ولم يناده باسمه "محمد" تكريماً له، رغم أنه خاطب أنبياء آخرين بأسمائهم.
- •كان النبي صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم ولا فخر، وقد كلمه الله بجميع وسائل الوحي، وأعطاه من المعجزات ما أعطى جميع الرسل.
- •البلاغ هو المهمة الأساسية للرسول، وبعد ختم الرسالة أصبحت وظيفة في عنق كل مسلم لقوله: "بلِّغوا عني ولو آية".
- •علّم النبي صلى الله عليه وسلم أمته بطريقة سهلة وميسرة، فحوّل الأمور الصعبة إلى أمور بسيطة.
- •يحتوي الوضوء على فوائد دينية وصحية، فهو ينظف الجسم ظاهراً ويطهر المسلم من الذنوب.
- •تخليل الأصابع في الوضوء سنة فيها فوائد صحية كتنشيط الدورة الدموية والعصبية.
- •حسن الوضوء علامة على صلاح العبد، كما وصفت السيدة نفيسة الإمام الشافعي بأنه "كان يُحسن الوضوء".
افتتاح الدرس بآية التبليغ من سورة المائدة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [المائدة: 67]
تكريم الله للنبي بمناداته بوصفه لا باسمه في القرآن
هنا خطاب لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونرى أنه لم يخاطبه في القرآن باسمه، وإنما بوصفه؛ فلم يقل في القرآن قط "يا محمد"، على الرغم من أنه قال للكبار كذلك: "يا إبراهيم"، "أعرض عن هذا"، نادى موسى، ونادى يوسف.
ولكنه عندما خاطب النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم خاطبه: "يا أيها الرسول"، وفي هذا [المنادة بالوصف] بيان علو مقامه الشريف على سائر الأنبياء والمرسلين.
النبي يخبر عن سيادته لولد آدم تواضعًا لا افتخارًا
كان [النبي صلى الله عليه وسلم] يقول عن نفسه مخبرًا عن الحقيقة ومعلمًا لأمته ومتواضعًا لربه:
قال رسول الله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر»
يعني: أنا لا أقول ذلك افتخارًا، وإن كان له الحق أن يفتخر، ولا يقول ذلك بطرًا ولا كبرًا، حاشاه صلى الله عليه وسلم. فقد كان مصطفى، وكان منوَّر القلب، وكان موفقًا من عند ربه صلى الله عليه وسلم.
تفضيل الله للنبي بجمع جميع وسائل الوحي والمعجزات له
﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 253]
والنبي صلى الله عليه وسلم كلّمه الله، وأوحى الله له بكل وسائل الوحي؛ فأوحى له بالكلام كِفاحًا [أي مباشرة]، وأوحى له بالكلام وحيًا، وأوحى له بالكلام عن طريق الملك [جبريل عليه السلام]. وفعل ذلك كله لعلو قدره صلى الله عليه وآله وسلم.
فقد جمع الله فيه العالَم، وليس على الله بمستغرب أن يجمع العالَم في واحد. وقد كان هذا الواحد هو سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، حتى أنه قد أجرى على يده الشريفة أمام الناس جميع المعجزات التي أجراها على كل الرسل من قبله، وختم به الرسالة.
دلالة نداء الرسول بوصفه على علو قدره وذكر اسمه في القرآن
"يا أيها الرسول" كلمةٌ فيها علو قدر النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ حيث أنه [سبحانه وتعالى] عدل عن مناداته باسمه الشريف. واسمه قد ورد في القرآن أربع مرات "محمد"، حتى سُمِّيت به سورة اسمها سورة محمد، إلا أنه لم يناده به أبدًا.
ويبين ذلك أنه المصطفى المختار، وأنه سيد ولد آدم كما أخبر عن نفسه الشريفة.
مهمة الرسول الشرعية في البلاغ وانتقالها إلى كل مسلم
"يا أيها الرسول بلِّغ": فعل أمر يفيد مهمة الرسول الشرعية وهي البلاغ.
﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]
و"ما" و"إلا" تفيد الحصر، مثل "لا إله إلا الله"؛ نفي وإثبات يفيد الحصر. يعني إذن البلاغ هو الواجب الشرعي المكلف به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل، فقد أصبحت وظيفة البلاغ في عنق كل مسلم:
قال رسول الله ﷺ: «بلِّغوا عني ولو آية»
ليست كثيرة ولا شيء [أي ولو كانت آية واحدة فقط].
نظرية الهرم الممتد في نشر العلم والبلاغ بين الناس
تخيل كل شخص عندما يبلغ من خلفه، هذه النظرية، نظرية الهرم الممتد: واحد قال لعشرة، فكل واحد من العشرة قال لعشرة، فكل واحد من العشرة الآخرين هؤلاء الذين هم مائة قال لعشرة، أصبحنا ألفًا. فكل واحد من الألف قال لعشرة، أصبحنا عشرة آلاف، فأصبحنا مائة ألف، فأصبحنا مليونًا.
وما زلنا نعيش كما نحن هكذا، والهرم قائم يمتد ويتسع. ببساطة هكذا هو، دخل في الهرم مَن؟ البدوي والحضري والأمي والجاهل والمتعلم والذكي والعبقري والشاعر والحكيم، دخل فيه في هذا الهرم كل الناس.
ميزة النبي في تحويل الأمور الصعبة إلى سهلة كالوضوء
ومعلمهم مَن؟ سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم. كانت عنده بإذن الله وميزة منحها الله إياه: أنه كيف يحول الأمور الصعبة إلى أمر سهل.
يريد أن يقول لك: كن نظيفًا. حسنًا، قبل أن تكون نظيفًا، كيف؟ حسنًا، تمضمض واستنشق واغسل وجهك، هذا هو الوضوء.
نعم، آمين، والوضوء هذا لا ينظفك فقط، والله لا ينظفك في الظاهر فحسب، بل ينظفك أيضًا من ذنوبك.
الوضوء والصلاة ينظفان المسلم ظاهرًا وباطنًا وينيران وجهه
وهذا الوضوء الذي جعلك تصلي نظّفك من ذنوبك مرة أخرى، والصلاة هذه نظّفتك مرة أخرى. فتجد المسلم هكذا وجهه منير.
لماذا؟ لأنه يتوضأ، وجهه يصبح جميلًا في أمرٍ بسيط كهذا.
وما هو الوضوء؟ الوضوء هو ما يفعله كل الناس، كل الناس تفعله عبر القرون. بعض الناس يستغربون قائلين: هل تتوضؤون كذا مرة في اليوم؟ قل له: نعم، والله نحن لنا شهر لم تصل المياه لوجوهنا! حسنًا، ماذا أفعل؟ الأمر لله!
سنة تخليل الأصابع في الوضوء وأثرها على دورة الطاقة في الجسم
علّم صلى الله عليه وسلم، وعندما نجلس لنرى هذا العلم وهذا البلاغ، كان يخلل بين أصابعه ويفعل هكذا وهو يتوضأ.
فيقول لك: إن هذه الحركة تنشط دورة الأمواج [أي الطاقة في الجسم]؛ أي أن هناك دورة دموية ودورة عصبية ودورة طاقة في الجسم. هذا الكلام اكتشفوه حديثًا في هذه الأيام.
فعندما تفعل هكذا [تخلل بين أصابعك] يكون كالخرطوم الذي يضخ المياه، ماذا يحدث عندما تضغط عليه؟ إنه ينتفخ عندما تمنع عنه المياه، تحبسها هكذا فينتفخ، ثم عندما تترك المياه فإنها تندفع. هذا ما يحدث بالضبط [في الجسم عند التخليل].
تخليل الأصابع سنة وليس فرضًا مع بيان فائدته العظيمة
هل أخبرنا [النبي ﷺ] بذلك؟ هل قال لنا أن هناك أمواجًا؟ لا، هذا أمر خاص بالله، الله وحده هو العالم به. قال لنا: عندما تفعلون هكذا [تخللون بين أصابعكم] فإنكم تنشطون أجسامكم، وتفعلون هكذا، أبدًا لم يقل.
فلا يأتي أحد ويقول لي إن تخليل الأصابع فرض في الوضوء. قالوا: لا، هذه سنة وليست فرضًا ولا شيئًا؛ لأن الستة مليارات ونصف هؤلاء الذين لنا يريدون أن يتوضأوا، ليس ضروريًا أن يؤدوا الحركة التي فيها كمال الاستفادة، إنما هي سنة.
حسنًا سنة، يعني دعنا نتركها إذن؟ ما دامت سنة، أنت حر أن تكون زاهدًا في الخير. حسنًا، عندما تؤديها ستجد أن جسمك استفاد وأنت لا تدري.
فوائد الوضوء الشاملة للدورة الدموية والعصبية والطاقة
أنت تدلك وجهك هكذا، تجعل الدورة الدموية تجري فيه، وتستفيد من الموجات والطاقة والدورة الدموية والتنفسية والدورة العصبية، وكل ذلك في الوضوء.
الناس الذين نوَّر الله بصيرتهم اكتشفوا هذه الأشياء بالملاحظة؛ رأوا الشاب الذي يتوضأ وجهه منير، والشاب الذي لا يتوضأ وجهه مُظلم غير منير، لا يوجد فيه نور.
شهادة السيدة نفيسة للإمام الشافعي بإحسان الوضوء ودلالتها
وعندما توفي الإمام الشافعي سألوا السيدة نفيسة رحمها الله، قالوا لها: كيف كان الشافعي؟ كانوا ينتظرون منها أن تقول إنه كان عالمًا مجتهدًا تقيًا نقيًا، مثلًا معلمًا، يعني هكذا هو، يعني شيئًا هكذا.
قالت رحمها الله: كان يُحسن الوضوء. كان يُحسن الوضوء، الوضوء ليس إلا! لم تقل "ليس"، لم تقل "كان يُحسن الوضوء ليس فقط"، بل قالت شيئًا تستدل به على القصة كلها: أنه كان يُحسن الوضوء.
فلما كان يُحسن الوضوء فصلاته مقبولة، وإذا قُبلت صلاته فهو مرضيٌ عنه في دائرة الرضا، وما دام كذلك فهو موفق.
الخاتمة بالتوصية بتقوى الله والتوديع
وهذا التوفيق [الذي ناله الإمام الشافعي بإحسان الوضوء هو ثمرة التقوى]:
﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]
وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
