سورة المائدة | ح 1001 | 57 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 1001 | 57 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • يحذر الله المؤمنين في سورة المائدة من اتخاذ الذين يستهزئون بالدين أولياء، سواء من أهل الكتاب أو الكفار.
  • الآية الكريمة تدعو لتقوية الأمة من الداخل والحفاظ على وحدتها، وعدم السماح لأي تأثير خارجي بإضعافها.
  • جعل الله المؤمنين إخوة لتحقيق التكاتف والترابط بينهم، وليس للعدوان على الآخرين.
  • الإسلام يقوم على التوازن بين المفاصلة في العقائد والمعايشة في الحياة اليومية.
  • الاستهزاء صفة مذمومة نابعة من الجهل، كما قال موسى عليه السلام: "أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين".
  • كثير ممن يستهزئون بالإسلام يجهلون حقيقته، فبعضهم زعم أن المسلمين يعبدون محمداً أو الكعبة.
  • المسلم مطالب بالابتعاد عن الاستهزاء بالآخرين والتحلي بالبرهان والحجة.
  • الاستهزاء وليد الجهل، واللعب وليد الغفلة التي تنتج عن معرفة ظاهر الحياة الدنيا فقط.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

افتتاح الدرس وتلاوة آية النهي عن موالاة المستهزئين بالدين من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 57]

التوجيه الإلهي للأمة بالتكاتف الداخلي والمفاصلة العقدية مع المعايشة

يستمر التوجيه الإلهي للحفاظ على الأمة، وأن تلتفت إلى نفسها، وأن تؤكد دعائمها فيما بينها داخليًّا، وأن لا تقبل أي خلل يأتيها من الخارج. ولذلك جعل الله سبحانه وتعالى المؤمنين إخوة:

﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]

وكونوا عباد الله إخوانًا. فهذه الأخوة تستلزم التكاتف والترابط.

فليس قصد هذه الآيات العدوان على الآخرين ولا معايشتهم، بل كما قلنا علَّمنا ربنا سبحانه وتعالى المفاصلة خاصة في العقائد مع المعايشة خاصة في الحياة. وهذا هو التوازن الذي جاء به الإسلام؛ فلم يجعلنا نعتدي على الآخرين من خارجنا، لكنه لم يسمح للآخرين أن يعتدوا علينا في داخلنا.

صفات المستهزئين بالدين من خارج الأمة وخروجهم عن حد التعايش الشريف

ولذلك وهو [القرآن الكريم] يتكلم بالأساس عن الصفات الذميمة لهذا الخارج الذي يؤثر في وحدة الأمة، فإنه يتكلم عن صنف من الناس خرجوا عن حد المناقشة الموضوعية وعن حد الشرف في التعايش إلى حد السخرية والاستهزاء والعدوان والكذب على الله وعلى رسوله وعلى أمة المسلمين.

يا أيها الذين آمنوا، فهو خطاب للأمة وليس خطابًا للناس أجمعين. وعلى ذلك فهذا الخطاب الذي بعد قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يجب علينا أن نترجمه إلى مواقف وإلى مبادئ وإلى مناهج وإلى برامج للعمل وإلى مؤسسات تحمي الأمة من داخلها.

الاستهزاء بالدين صفة نقيصة والسخرية من صفات الجاهلين كما بيّن القرآن

﴿لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾، هذا هو الأمر، وهذه هي الصفة النقيصة التي تكون في بعض الناس من خارج الأمة، تريد أن تتلاعب بهذه الأمة وأن ينهار كيانها. اتخذوا ديننا هزوًا ولعبًا واستهزاءً.

أتتخذنا هزوًا؟ قال [موسى عليه السلام]:

﴿أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [البقرة: 67]

فـالاستهزاء والسخرية والتعالي هي من صفات الجاهلين. فهذه طائفة من غيرنا صفتها التي ينعي عليها ربنا وينبهنا إياها ويحذرنا منها؛ إنه الجهل، لأن الذي يقيم البرهان [يناقش بالحجة والدليل لا يحتاج إلى الاستهزاء]، وما دام يفتقد البرهان فهو ليس بعالم. وعلى ذلك فكل من استهزأ فهو جاهل.

نفي موسى عليه السلام الجهل عن نفسه حين اتُّهم بالاستهزاء من بني إسرائيل

ومن هنا لما اتهم بنو إسرائيل سيدنا موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بالاستهزاء، أجابهم مباشرة بنفي الجهل عنه:

﴿أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [البقرة: 67]

فربط [موسى عليه السلام] بين الاستهزاء والجهل؛ لأن المستهزئ لا يملك حجة ولا برهانًا، فيلجأ إلى السخرية بدلًا من الدليل.

الأمر بإلغاء المستهزئين والتحذير من أن يتصف المسلم بالاستهزاء

ومن هنا أيضًا وبالإضافة إلى التحذير من تلك الصفة في هذه الطائفة التي تريد أن تهدم الأمة من داخلها، فأمرنا الله سبحانه وتعالى بإلغائهم وبتجاوزهم وبعدم الاعتماد عليهم وبعدم اتخاذهم أولياء وبعدم إدخالهم في أمتنا.

فإنه أيضًا وثانيًا — وقد يكون أولًا — يعيذنا أن نكون نحن من الجاهلين. عندما يأمرنا ربنا سبحانه وتعالى بالابتعاد عن صفة ذميمة لا يحبها في الآخرين، فهو أمر لنا أن نبتعد عنها بطريق الأولى.

وعلى ذلك فليس لمسلم أن يستهزئ بأحد من خلق الله؛ المسلم يجب أن يكون صاحب برهان. ولذلك إذا رأينا أحدهم يستهزئ عُدّ من الجاهلين؛ أخرجناه من دائرة العالمين إلى دائرة الجاهلين.

فائدتان من الآية: نقيصة في الآخرين وصفة يجب أن يبتعد عنها المسلمون

فيُستفاد من الآية أمران: الأمر الأول نقيصة في الآخرين [الذين يستهزئون بالدين]، والأمر الثاني صفة يجب أن نبتعد عنها في أنفسنا [وهي الاستهزاء والسخرية].

وهكذا يكون القرآن كتاب هداية نأخذ منه طريق الحياة.

الاستهزاء بالإسلام عبر القرون واتهام المسلمين بعبادة النبي ﷺ جهلًا

هذه الصفة الأولى أنهم يستهزئون بنا بسخرية وبتعالٍ واستهزاء. هذا الأمر العجيب أنه كان عبر القرون؛ عبر القرون حفظت لنا الأدبيات أقوامًا يستهزئون بديننا.

وعندما نتأمل في كلامهم نجد الجهل؛ أنهم لا يعرفون الواقع. فبعضهم اتهم المسلمين أنهم يعبدون محمدًا صلى الله عليه وسلم، وكل مسلم يسمع هذا يبتسم ويضحك من شدة جهل ذلك القائل الذي قال ذلك ليصد عن سبيل الله، وليكون حجابًا بين الخالق سبحانه وتعالى الذي أرسل الإسلام دين الحق وبين الخلق.

فصدّ عن سبيل الله سواء كان ذلك بعلم أو بغير علم، لكنه صدّ عن سبيل الله بهذا الجهل.

زعم بعضهم أن المسلمين يعبدون الكعبة والرد بسورة الإخلاص عنوان التوحيد

بعضهم رأى المسلمين يسجدون في اتجاه الكعبة فزعم أنهم يعبدون وثنًا! قومٌ نضحك نحن [من جهلهم]، ما من حل إلا أن نقيم الدليل على أننا أمة التوحيد، أمة:

﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4]

وهي السورة التي تعدل ثلث القرآن، وهي السورة التي يحفظها المسلمون شرقًا وغربًا، سلفًا وخلفًا، صغارًا وكبارًا. حتى إن الأمي الذي لا يحسن قراءة القرآن تراه يقرأها في الصلاة؛ فهي عنوان على دين الإسلام.

من نسب الجهالات إلى الإسلام مستهزئًا فهو جاهل وتحذير الله من الإصغاء إليهم

فإذا ما قام أحدهم ونسب إلى نبي الإسلام أو إلى دين الإسلام أو إلى المسلمين أو إلى شريعة الإسلام الجهالات، يستهزئ أو أنه يستهزئ، فهو جاهل. وكلاهما [الجهل والاستهزاء] في حقه مُرٌّ.

ولكن حذَّرنا الله سبحانه وتعالى من أن نُلقي أسماعنا إلى هؤلاء الناس، بل أمرنا فقال:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 57]

الاستهزاء وليد الجهل واللعب وليد الغفلة وختام الحلقة بالوعد بلقاء قادم

وإذا كان الاستهزاء وليد الجهل، فإن اللعب وليد الغفلة. فالاستهزاء وليد الجهل فهو جاهل، واللاعب هو صاحب الغفلة؛ لأن الذي يلعب يفعل شيئًا فيه لغو وفيه تضييع للأوقات. ولذلك فهو غافل:

﴿يَعْلَمُونَ ظَـٰهِرًا مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ﴾ [الروم: 7]

وعن اللعب وصفة اللعب فيهم وفينا نلتقي في حلقة قادمة في اللقاء. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.