سورة المائدة | ح 984 | 45 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 984 | 45 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • يبين النص أن موكب الرسل متصل من آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وهم يسيرون بتتابع دون انقطاع.
  • قوله تعالى "وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم" يشير إلى اتصال رسالة عيسى بما سبقها من رسالات الأنبياء.
  • الرسل جميعاً كأنهم يتكلمون بلغة واحدة ويخرجون من مشكاة واحدة، دون تناقض بينهم.
  • عيسى عليه السلام جاء مصدقاً لما بين يديه من التوراة وليس ناقضاً لها، والتأكيد بكلمة "مصدقاً" يخرج المعنى من المجاز إلى الحقيقة.
  • وصف الله التوراة والإنجيل بأن فيهما هدى ونور، وأضاف للإنجيل أنه "موعظة للمتقين".
  • القرآن هو "العهد الأخير" المصدق لما سبقه والمهيمن عليه، كما كانت التوراة "العهد القديم" والإنجيل "العهد الجديد".
  • من لم يحكم بما أنزل الله من كتبه فهو من الظالمين والفاسقين.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة الدرس واستمرار الحديث عن سورة المائدة وبني إسرائيل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يستمر الله سبحانه وتعالى في تعليمنا؛ بعد أن تكلم عن بني إسرائيل في الكلام على آخر أنبيائهم وهو سيدنا عيسى، قال:

﴿وَقَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 46]

ويبين الله سبحانه وتعالى أن موكب الرسل واحد، بدءًا من آدم وانتهاءً بخاتمهم وسيدهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

معنى كلمة وقفّينا ودلالتها على اتصال موكب الرسل وتتابعهم

«وقفّينا» كلمة تدل على الاتصال، وأنه لا يزال من لدن آدم يرسل الرسل تترى، ويبين البيان، ويشرع، ويوحي، ولا يترك الناس هملًا، ويؤسس للبشرية طريق الله.

«وقفّينا» فجاء النبي في أثر النبي، فجاء النبي في قفا النبي؛ نبيٌّ ذهب وتبعه الآخرون، فهم يسيرون بالتتابع، يسيرون في صف واحد، وقفنا واحدًا خلف آخر، وخلفه شخص آخر، يتبعون آثارهم.

دلالة القفا والأثر على شمول التصديق بين الرسل من أسفل الجسد إلى أعلاه

القفا هو العنق في أعلى الجسد، والأثر هو أسفل الجسد، ومن القفا إلى الأثر يكون الإنسان كاملًا. ولذلك في لغتنا العامية حين نريد أن نعبر عن الشمول نقول: من أساسه إلى رأسه، ونقولها هكذا.

هو من أساسه إلى رأسه؛ أساسه يعني من أساسه، الأساس الذي هو الرجلان اللتان هما تحت، يعني من أساسه إلى رأسه. الأساس تحت والرأس فوق، من أساسه إلى رأسه يعني ماذا؟ يعني كله جملةً.

معنى وقفّينا على آثارهم أن كل نبي جاء صورة كاملة لمن سبقه

﴿وَقَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم﴾ [المائدة: 46]

يعني جاء النبي وهو صورة كاملة للنبي الذي سبقه، أي لم يختلف عنه.

﴿وَقَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم﴾ [المائدة: 46]

يعني لا يوجد أحد خرج عن الطابور ولا أتى بشيء من ذهنه، بل كلهم وكأنهم يتكلمون لغة واحدة، وكأنهم قد خرجوا من مشكاة واحدة، لا يناقض بعضهم بعضًا. كلهم يدعو إلى وحدانية الله وإلى الالتزام بطاعته، وإلى تبشير الناس بجنة عرضها السماوات والأرض.

سيدنا عيسى حلقة من حلقات الرسل لا يشذ عنها ولا يخالفها

﴿وَقَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم﴾ [المائدة: 46]

يعني جاءت الرسل على كلمة سواء، يعني مثل بعضها.

﴿وَقَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 46]

يكون سيدنا عيسى جاء كحلقة من حلقات الرسل، لا يختلف عنها ولا يشذ عنها، ولا يدعو الناس إلى ما لم تدعُ له الرسل، ولا يخرج عما أقرته الرسل.

دلالة كلمة مصدقاً على تأكيد الحقيقة لا المجاز في تصديق عيسى للتوراة

نريد أن [نتأمل] هذا المعنى، هذا المعنى، إلى الآن هو أننا اقتفينا أثرين فهمناه هكذا، لكن ما يؤكد ويزيل الشبهة: «مُصَدِّقًا».

هذه الكلمة «مُصَدِّقًا» ماذا نقول عنها؟ إنها تأكيد.

لماذا؟ أين وردت كلمة «مُصَدِّقًا» قبل ذلك؟ وقولنا «وقفّينا على آثاره» معناها أنه كان مُصَدِّقًا، فهذه العبارة يمكن أن نقول عنها: جاء عيسى مصدقًا. عندما نُفسرها هكذا: جاء عيسى ابن مريم مصدقًا، ومصدقًا مصدقًا عندما نكررها فيها تأكيد.

والتأكيد هذا ماذا يعني؟ أنه كان على سبيل الحقيقة لا المجاز. انتبه، في اللغة العربية التأكيد يُخرج المسألة من المجاز إلى الحقيقة؛ لا يستطيع أحد أن يقول: لا، يعني هو كان مصدقًا لهم مجازًا ولكن ليس في كل شيء. فـ**«مصدقًا»** هنا معناها بعد كلمة «وقفّينا على آثارهم»، واعتبرها أنها تأكيد في المعنى أنها حقيقة.

تصديق عيسى للتوراة وعدم نقضه لها بل تأكيده لهداها ونورها

﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ﴾ [المائدة: 46]

يبقى «ما جئت لأنقض الناموس»، كلام سيدنا عيسى [عليه السلام]؛ لم يأتِ لينقض التوراة، بل إنه جاء ليؤكد التوراة.

هذه التوراة هدى ونور، فكيف بكلمة الله ينكر الهدى والنور؟ وهذا لا يصلح. وكيف يخالفها؟ وهذا لا يصلح. بل هو جاء مؤكدًا ومصدقًا لما بين يديه من التوراة.

الإنجيل هدى ونور وموعظة مصدق للتوراة مع زيادة تناسب العصر

﴿وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْإِنجِيلَ﴾ [المائدة: 46]

إذن هو مؤمن بالتوراة كلها، وإن كان لا يعترض عليها فهو يملك زيادة، والزيادة لا تحكم على الماضي بالبطلان، بل إنها منه [من الله] تناسب العصر الذي جاء فيه.

«هدى ونور» هذا مثل التوراة، يعني ما هي التوراة؟

﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: 44]

وهنا الإنجيل فيه هدى ونور.

﴿وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 46]

هناك في شأن التوراة بيّن لنا أنه يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا، لكن هنا أضاف «وموعظة للمؤمنين»؛ فيبقى في إضافة الموعظة ترقيق القلب، فالموعظة ترقق القلب. سنبدأ الآن نتحدث عن قلوب قد لانت بعد أن قست قلوبهم.

وجوب حكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه دون نقض التوراة

﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلْإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: 47]

فالمهم هو أن أهل الإنجيل يجب عليهم أن يلتزموا بما أنزل الله فيه، وألا يؤثر هذا الالتزام على ما في التوراة من أحكام ولا عقائد ولا مفاهيم. وهم لا يأتون بكلامٍ جديد يتعارض مع الناموس الأصلي، خاصةً في الاعتقاد بالبطلان.

فمن الذي يتمسك بالناموس: المسلمون أم المخالفون؟ ها هو ربنا يقول له [لأهل الكتاب]: أنا أنزلت التوراة فيها هدى ونور، والإنجيل وفيه هدى ونور وفيه موعظة.

من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون وتأكيد وحدة موكب الرسل

وقال [الله تعالى]:

﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ [المائدة: 45]

وهنا يقول:

﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 47]

إذن من الذي جاء لينقض ومن الذي جاء ليؤكد؟ ما كنا عليه، وأن طابور وموكب الرسل عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام هو موكب مبارك، أوله لا ينقض آخره وآخره لا ينقض أوله.

إنزال القرآن مصدقاً ومهيمناً على الكتب السابقة التوراة والإنجيل

﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ﴾ [المائدة: 48]

لنستمر ونرى كيف يسير الموكب [موكب الرسل والكتب]: فيه توراة هدى ونور، وإنجيل هدى ونور، وبعد ذلك أُنزل الكتاب بالحق.

التوراة بعد أن أضافوا إليها أشياء معينة من سير الأنبياء وأقوالهم سمّوها العهد القديم، والإنجيل بعد أن أضافوا إليه الروايات المختلفة والرسائل وما إلى ذلك هم سمّوه العهد الجديد.

﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48]

فسمينا هذا الكتاب المبارك العهد الأخير.

القرآن الكريم هو العهد الأخير والكلمة الأخيرة من رب العالمين

ما هو [القرآن الكريم]؟ في العهد القديم مقبول وأنا مؤمن به، والعهد الجديد مقبول وسأؤمن به.

حسنًا، ما اسم هذا الذي بين أيدينا؟ اسمه العهد الأخير. إذا كنا نريد أن نفهم بعضنا، فهذا هو العهد الأخير، الكلمة الأخيرة من رب العالمين للأرض ولعباده أجمعين.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.