سورة المائدة | ح 982 | 44 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •يوضح القرآن في سورة المائدة أن مَن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون.
- •فسّر ابن عباس هذه الآيات بأن هناك كفراً دون كفر، والكفر عند أهل السنة ثلاثة أنواع: كفر بالله، وكفر العشيرة، وكفر النعمة.
- •الكفر بالله هو إنكار وجوده تعالى، أما كفر العشيرة فهو جحود الجميل والتعميم في الحكم.
- •كفر النعمة يتمثل في عدم شكر النعم والطمع المستمر دون الرضا.
- •أخذت بعض الطوائف المتطرفة هذه الآيات من سياقها وطبقتها على من لا يحكم بالشريعة بإطلاق.
- •ظهرت هذه المشكلة خلال احتلال الإنجليز للهند وتطبيق قوانينهم فيها.
- •أوضح محمد رشيد رضا الفرق بين إيقاف الحدود وإلغائها، مستشهداً بفعل عمر بن الخطاب عام الرمادة.
- •إيقاف الحدود للشبهة العامة لا يعني الكفر، كما أن الاختلاف في الاجتهاد لا يستلزم التكفير.
- •عدم فهم هذه المسائل أدى إلى تطرف وإراقة دماء.
مقدمة في آيات الحكم بما أنزل الله من سورة المائدة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى بعدما ذكر أنه أنزل التوراة فيها هدى ونور، يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا، والربانيون والأحبار بما استُحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء. وبعدما أمرنا ألا نخشى الناس وأن نخشى الله وحده، وألا نشتري بآياته سبحانه ثمنًا قليلًا، قال:
﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44]
وهذه آية عظيمة في كتاب الله سبحانه وتعالى.
الآيات الثلاث في الحكم بغير ما أنزل الله وتفسير ابن عباس لها
ختم [الله تعالى] الآية التي بعدها بقوله:
﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ [المائدة: 45]
وختم آية أخرى:
﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 47]
فأصبح معنى أن من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، فأولئك هم الظالمون، فأولئك هم الفاسقون.
وهذه الآيات فسَّرها ابن عباس رضي الله عنهما على أن هناك كفرًا دون كفر.
أنواع الكفر الثلاثة عند أهل السنة والجماعة وبيان كل نوع
وأهل السُنَّة عندهم الكفر على ثلاثة أنواع:
- كفرٌ بالله: وهو إنكار وجود الله والعياذ بالله تعالى، ويسمونه الكفر الناقل عن الملة.
- كفر العشيرة: وقد حملوا عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعظ النساء:
قال النبي ﷺ: «وتكفرن»
فقالت إحداهن: أنكفر بالله يا رسول الله؟ قال: «لا، تكفرن العشير».
- كفر النعمة: وهو تأخر الإنسان في حمد الله بسبب طمعه وعجلته.
وكفر العشير فيه نوع من أنواع التسرع في الحكم، وفيه نوع من أنواع عدم رد الجميل، وفيه نوع من أنواع التعميم الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة أن تعامل زوجها به.
النهي عن التعميم في الحكم على الزوج وأثره على العشرة الزوجية
فإنه [النبي ﷺ] فسره فقال:
قال النبي ﷺ: «فإن إحداكن إذا رأت من زوجها شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط»
إنه تعميم، وكان ينبغي عليها أن تعترف بقدر ما يقدم الرجل لها من خير، ثم أن تنتقد على قدر ما قصّر في حقها من قصور.
فيعلِّمنا [النبي ﷺ] أن التعميم شغب لا ينبغي للمؤمن ولا للمؤمنة أن يقع فيه؛ فإنه يكسر الخاطر ويتكلم بغير الحق، وفيه نوع من أنواع كفران العشير والعِشرة.
كفر النعمة وطبيعة الإنسان في الطمع وعدم الرضا بما عنده
والنبي صلى الله عليه وسلم أيضًا يتحدث عن كفر النعمة، بأن الإنسان يتأخر في حمد الله بسبب طمعه وعجلته، ولأنه لا يلتفت إلى المعاني الراقية وهو مسلم، فيقول:
قال النبي ﷺ: «لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب لطلب ثانيًا، وإذا أعطاه الله الثاني ووادٍ ثانٍ من ذهب لطلب ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب»
دون أن يحمد ربه، ودون أن يرى النعمة التي هو فيها. يعني ليس لديّ إلا وادٍ واحد مملوء بالذهب! حسنًا خذ الثاني، قال: اثنين! والقِدْر لا يستقر إلا على ثلاثة أحجار، فهو يريد أن يأخذ الثالث. حسنًا، ثلاثة، حسنًا، فإن فلانًا لديه ثلاثة ويريد سبعة، وهكذا.
ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب. هذه طبيعة في ابن آدم، لديه عجلة، ولديه طمع، ولديه التفات، لكن رسول الله يربينا أن نفعل عكس هذا [أي نحمد الله ونرضى بما قسم لنا].
انتزاع الطوائف الخارجية لآيات الحكم من سياقها وتكفير الحكام بها
هناك كفر النعمة وهناك كفر بالله. أخذت بعض الطوائف الخارجية في عصرنا هذا تلك الآيات من سياقاتها وقالت:
﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44]
على إطلاقها.
بدأ هذا عندما احتل الإنجليز الهند وحكموا فيها بغير الشريعة، وكانت الهند في بعض ولاياتها الكبرى في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين تحت سلطان المسلمين، منها حيدر آباد الدكن حُكِمَت سنة ألف وتسعمائة وستة وثلاثين بالمسلمين.
استفتاء أهل الهند للشيخ محمد رشيد رضا في حكم القضاء بغير الشريعة
وأرسل أحدهم [من مسلمي الهند] إلى مصر يستفتي الشيخ محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار وتلميذ الإمام محمد عبده في هذا:
﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44]
ما وضعها؟ لأننا في الهند نحكم بأحكام غير المسلمين في القضاء بموجب الاحتلال الإنجليزي، فماذا نفعل؟ وهل إذا ما حكمنا بين الناس بهذه الأحكام نكون قد خرجنا عن ملة الإسلام وكفرنا؟
وأجابهم محمد رشيد رضا بجواب واسع ذكره في تفسيره المنار الذي أخذه عن شيخه محمد عبده، في بحث طويل بيّن فيه ما معنى العدل، وما موقفنا من هذا العدل إذا ما أتانا من غيرنا، وما معنى إيقاف الحدود، والفرق بينه وبين إلغاء الحدود والاستكبار عليها.
إيقاف سيدنا عمر للحدود عام الرمادة وتطبيق مقاصد الشريعة
فمثلًا سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] أوقف الحدود عام الرمادة؛ لأن هناك شبهة عامة اكتنفت البلاد والعباد، ورأى أنه لو طبَّق الحد في هذا الظرف لكرّ على مقصود الشريعة بالبطلان.
فكان تنفيذه للحدود هو في حقيقته حكم الله، وكان إيقافه للحدود هو في الحقيقة حكم الله [أيضًا].
وبذلك لم يصف ولم يجرؤ أحد من الناس أن يصف عمر لا في عصره ولا بعد عصره، ولا خطر في بال مسلم أن يصفه بغير أنه هو وزير رسول الله وخليفته وأمير المؤمنين، ومن العشرة المبشرين بالجنة، ومن الخلفاء الراشدين الذين أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرنا أن نتبعهم.
الأمر النبوي باتباع سنة الخلفاء الراشدين ودور عمر في تطبيق الشريعة
وقال [النبي ﷺ]:
قال النبي ﷺ: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور»
فأحالنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين.
وجاءنا عمر [رضي الله عنه] وكان رجل دولة ليبين لنا كيف يُنشئ الدواوين، وكيف يطبق الشريعة في الواقع، وكيف يُفسر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومثلًا هنا عندما قال:
قال النبي ﷺ: «ادرؤوا الحدود بالشبهات»
وكيف أن الشبهة قد تعم ويُعتبر هذا العموم [مسوغًا لإيقاف الحدود].
موقف علماء مصر من إيقاف الحدود والفرق بين الإيقاف والإلغاء
كل ذلك راعاه العلماء والمسلمون في مصر عندما أصدروا قوانين العقوبات وسكتوا فيها عن الحدود. سكتوا عن الحدود ولم ينكروها، سكتوا عن الحدود ولم يستكبروا عليها، سكتوا عن الحدود ولم يتعالوا على إقامتها.
بل إنهم رأوا أن العصر عصر شبهة. قد تختلف معهم في هذه الرؤية، ولكنهم ليسوا كفارًا.
وقد نختلف في الاجتهاد مع سيدنا عمر [رضي الله عنه] حينما جلد أبا بكرة لأنه أقر في مجلس القضاء على أنه رأى الزنا بعيني رأسه مع أربعة، ثم نكل الأخير زياد، فحكم عليهم بالقذف. وليس هكذا كلام الأئمة؛ خالفوا عمر لكنهم لم يفسقوه ولم يكفروه ولم يتهموه بالجهالة أو بالظلم أو نحو ذلك.
التحذير من تكفير من أوقف الحدود درءًا للشبهة وخطورة إراقة الدماء بالأوهام
قد ترى أن تأخير الحدود فيه منقصة، ولكن لا تستطيع أن تصف من أوقف الحدود درءًا للحد بالشبهة في هذا العصر أنه كافر.
وهذا الذي لم يفهمه الصبيان [من أصحاب الفكر المتطرف]، ففعلوا ما فعلوه وأراقوا الدم في الطرقات من أجل أوهام قامت في أذهانهم.
فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
