سورة المائدة | ح 999 | 55 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 999 | 55 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

12 دقيقة
  • تتحدث الآية الكريمة "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا" عن قصر الولاية على الله ورسوله والمؤمنين بعد النهي عن موالاة اليهود والنصارى.
  • الولي هو القريب، والآية تحدد من يربط الأمة ويمنع تفرقها، فبقاء الأمة واستمرارها مرتبط بولايتها لله.
  • من نعم الله علينا إنزال كتابه لنقرأه ونتدبره، ومناجاته في الصلاة، وقد أمرنا بالتفكر والتدبر في آياته.
  • رسول الله صلى الله عليه وسلم هو التطبيق المعصوم للكتاب، فسنته هي الترجمة البشرية المعصومة لكلام الله.
  • ذكر "والذين آمنوا" في الآية إشارة إلى حجية إجماع المسلمين، فما أجمع عليه المسلمون عبر التاريخ كتحريم الخمر والزنا، ووجوب الصلاة والزكاة والحج والصيام وحجاب المرأة، لا يجوز مخالفته.
  • لا يقبل من أحد أن يأتي بآراء تخالف ما أجمع عليه المسلمون في أمور الدين القطعية.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

افتتاح الدرس وتلاوة آية الولاية من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَٰكِعُونَ﴾ [المائدة: 55]

في هذه الآية يذكر الله سبحانه وتعالى مَن القريب إلينا ومَن وليُّنا، بعد أن نهانا في البداية:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 51]

وذكرنا أن الوليّ هو القريب؛ لأنه المطر الذي ينزل بعد الوَسْمِيّ، فالوَسْمِيُّ أولًا والوَلِيُّ بعده بقليل، فكل قريب سُمِّيَ بالوليّ.

معنى القصر في إنما وليكم الله وحصر الولاية

وهنا:

﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ﴾ [المائدة: 55]

يقول لي [قائل]: لا تجعل هذا [النهي عن موالاة غير المؤمنين] يُفتِّت الأمة. حسنًا، مَن الذي سيربط الأمة لو دخل الغريب في هذه الأمة ففتَّتها، ومصالحه ومبادئه مختلفة؟ فمن الذي سوف يربط هذه الأمة؟

فجاءت الإجابة بعد هذا العرض الطويل يقول فيها: إنما، وكلمة «إنما» في لغة العرب تفيد القصر. قصر ماذا؟ قصر مُنيف؟ لا، القصر معناه أن هذا الحكم مقصور وهو فقط لهذا الشيء.

قَصَرَ [الله تعالى] الولاية على مَن ذكر: الله ورسوله والمؤمنين، هؤلاء هم الأولياء. إنما تبقى «إنما» نحفظها حيث تفيد القصر: وليُّكم [أي] القريب الذي سوف يجمع أمتكم.

بقاء الأمة مرهون بولايتها لله سبحانه وتعالى

﴿وَٱعْتَصِمُوا بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَٱذْكُرُوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِٓ إِخْوَٰنًا﴾ [آل عمران: 103]

إذن هذه الأمة ستنشأ، كيف ستكون وكيف ستستمر؟ كيف بالله؟ فإذا استبعدنا الله من منظومتنا فلا بقاء لنا.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ [المائدة: 54]

فلا بقاء له [لمن يرتد]؛ فسوف يأتي الله بقوم آخرين. أي إن هذه الأمة بإذن الله باقية، وبقاؤها يتمثل في ولايتها لله.

﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ﴾ [المائدة: 55]

انتهينا من [بيان] سبب البقاء وسبب الاستمرار وسبب القيام، وهو الله، وهو أن نجعل الله وليًّا لنا.

نعمة القرآن والصلاة في مناجاة الله تعالى وتحقيق الولاية

﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ﴾ [المائدة: 55]

الحمد لله الذي منَّ علينا بأن أنزل كتابًا كلامًا، فإذا ما أردتَ أن تناجي ربك أمسكتَ المصحف وقرأتَ فسمعتَ كلام الله، هذه نعمة كبيرة.

وإذا أردتَ أن تخاطب ربك هرعتَ إلى الصلاة فتوضأتَ أو اغتسلتَ واستقبلتَ القبلة، بعد طهارة المكان وطهارة الثياب:

﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4]

وتقف مستقبلًا القبلة وتصلي فتناجي ربك، تتكلم مع ربك قائلًا له: الحمد لله رب العالمين، وتصف: الرحمن الرحيم، أنت تتكلم معه وتركز في الصلاة، فهذه نعمة كبيرة.

ولاية الله تتحقق بتدبر كتابه والتأمل في آياته

فـولاية الله تتأتى بالاطلاع على كتابه، وعندما نطَّلع على كتابه نجد أنه يأمرنا بـالتفكر والتدبر والتأمل والاستماع.

وإذا تُتلى عليه آياتنا [نجد] في نوعين [من الناس]، يقول لك:

﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَـٰتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِىٓ أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان: 6-7]

في ذلك، هل هو راضٍ أن يسمع [كلام الله ويُعرض عنه]؟

نعم الله الظاهرة والباطنة ومن يجادل في الله بغير علم

﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَـٰهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: 20]

ومن الناس، يعني انظر كيف يكون قد قدَّم لك بأن الله سخَّر لك ما في السماوات وسخَّر لك ما في الأرض وأسبغ عليك نعمه ظاهرة وباطنة.

ولكن هناك من يتجرأ على الله سبحانه وتعالى بغير علم ولا هدى ولا كتاب مبين.

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾ [لقمان: 21]

إذن إنما وليكم الله، فلتذهبوا لتقرؤوا الكتاب وتتدبروه.

الأمر بتدبر القرآن واقتران ولاية الله بولاية رسوله في التطبيق المعصوم

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ [محمد: 24]

﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة: 55]

دائمًا يَقرُن [الله تعالى] ما بين الله ورسوله؛ الله أنزل الكتاب الذي تجاوز الزمان، ورسوله طبَّق الكتاب. فـالسُّنَّة هي التطبيق المعصوم لكلام الله.

يوجد كثير من الناس طبَّقوا كلام الله، لكنَّ تطبيقهم ليس معصومًا؛ يكون صحيحًا وقد يكون فيه اجتهاد خاطئ. إنما الذي لا يجتهد فيه إنما هو وحي يوحى هو سيدنا رسول الله ﷺ.

رسول الله قرآن يمشي على الأرض وهو الأسوة الحسنة للمؤمنين

فرسول الله ﷺ كان قرآنًا يمشي على الأرض، رسول الله أخوفنا بالله من الله وأعلمنا بالله.

ولذلك وهو مرضيٌّ عنه من الله وموفَّق ومهديٌّ من الله سبحانه وتعالى، جعله أسوة حسنة:

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]

﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]

إذن مولانا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم في سُنَّته؛ لأنها هي التطبيق المعصوم البشري. فكلام ربنا عالٍ جدًّا، ولكن عندما ننزل به إلى البشر، نعم، سيدنا رسول الله نزل به إلى واقع البشر فطبَّقه وحكم به بين البشر فأحسن الحكم.

﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44]

الإجماع حجة شرعية مستفادة من ولاية المؤمنين في الآية

﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ [المائدة: 55]

أيضًا حتى قال ابن مسعود [رضي الله عنه]: انتبهوا يا إخواننا، هؤلاء المؤمنون، ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن.

ومثل هذه الآيات: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين [آمنوا]﴾ هذه تدل على أن الإجماع حجة؛ لأن الناس كلها مجمعين - المسلمين - على أمرٍ ما يصبح حجة خالصة لا تستطيع مخالفته.

جاء واحد وظهر هكذا وفكَّر في شيء مخالف لما عليه المسلمون كلهم، لكن بشرط أن كلهم [مُجمعون].

أمثلة على ما أجمع عليه المسلمون من المحرمات والواجبات والمباحات

جميع المسلمين يحرِّمون الخمر، وجميع المسلمين يحرِّمون الزنا والخنا والفاحشة والشذوذ، وجميع المسلمين يحرِّمون القتل والسرقة وشهادة الزور والكذب.

وجميع المسلمين يوجبون الصلاة والحج والزكاة وصيام رمضان، وجميع المسلمين يقولون إن الزواج وإن البيع وإن الطلاق حلال، وجميع المسلمين يقولون إن حجاب المرأة واجب.

هذه أمور متفق عليها لم يختلف فيها اثنان ولم يتناطح فيها كبشان.

الرد على من يخالف إجماع المسلمين في تحليل المحرمات القطعية

فيأتي شخص ويخرج لنا قائلًا: والله، لماذا ستضيِّقونها؟ أليست الخمرة أيضًا حلالًا في الجنة فتكون حلالًا في الدنيا؟ لا، هذا غير صحيح؛ لأنها [خمر الجنة] ليست كذلك [كخمر الدنيا]:

﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات: 47]

ولا تغتال العقل، هذا غير مقبول.

أو يظهر لي شخص هكذا ويقول لي: أنا من رأيي أنه لا يوجد حجاب! لا يصلح. ومن رأيي أن نأكل الخنزير! [لا يصلح أيضًا]؛ لأنه [الإجماع ثابت بقوله تعالى]:

﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ [المائدة: 55]

كل هؤلاء [المؤمنين] عبر التاريخ وفي كل زمان ومكان [أجمعوا على هذه الأحكام].

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.