سورة المائدة | ح 1013 | 64 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 1013 | 64 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • الرزق بيد الله سبحانه، يبسط لبعض الخلق ويقدّر على آخرين بحكمة بالغة.
  • المال اختبار وامتحان، فقد يبسط الله الرزق ليرى إن كان العبد سينفق في سبيل الخير أو سيفسد به.
  • يضيق الرزق على البعض ليختبر صبرهم وثباتهم على طاعته دون تذمر أو انحراف إلى المعصية.
  • حقيقة أن الرزق والأجل بيد الله تحرر الإنسان من الخوف والذل لغير الله، وتدفعه للتوكل عليه.
  • الرضا والتسليم أساس السعادة، بينما التعلق بالدنيا يُصيب الإنسان بالجنون والذل.
  • المسلم لا يترك الأسباب لكنه لا يعتمد عليها، فترك الأسباب جهل والاعتماد عليها شرك.
  • الداعية إلى الله مطالب بالبلاغ دون تحمل مسؤولية النتائج، مما يُكسبه الهدوء النفسي.
  • عندما يشعر المرء أن الدنيا ملك لله وليست ملكه، يعمل بهدوء وتوكل ويقول: "يا رب" لا "يا نفسي".
محتويات الفيديو(12 أقسام)

بسط الرزق وتقديره بيد الله سبحانه وتعالى وحكمته في ذلك

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ [المائدة: 64]

فالرزق بيد الله، بسطه لبعض الخلق وقدّره على بعضهم. والله سبحانه وتعالى يبسط الرزق ويقدّر بحكمة؛ لأن المال عند بعضهم إذا فقده فسد، وعند بعضهم إذا أعطاه فسد. فتراه أنه يبسط الرزق حتى يعالج هذا [من يفسد بالفقر]، ويضيق الرزق حتى يعالج هذا [من يفسد بالغنى].

المال اختبار وامتحان من الله في البسط والتضييق

والمال اختبار وامتحان، والدنيا اختبار وامتحان، ولذلك فإن الله يستعمل المال للاختبار والامتحان.

فيبسط لهذا [الغني] ليرى ما إذا نفذ ما أمره الله فيه، فأعان به المحتاج وأخرج الزكاة للفقير وأصلح الدنيا وعمرها بذلك المال، أو أنه سيفعل عكس ذلك من إفساد وفساد.

ويضيق على هذا [الفقير] للاختبار، من أجل أن يرى هل يصبر ويؤدي واجب الفقر من حسن الصبر. فصبرٌ جميل، الصبر الجميل الذي لا يكون معه شكوى، ولا يكون معه تبرم، ولا يكون معه إفساد، ولا يكون معه انحراف.

الرد على من يتذرع بالفقر لتبرير المعصية والسرقة والرشوة

حسنًا، ماذا أفعل؟ أنا مضطر أن أسرق وأرتشي وأفعل [المعاصي] لأنني لا أجد وليس لدي [ما يكفيني].

هذه [الحجة] عندما نبحث فيها نجدها يعني أيضًا ليست بهذا القدر [من الصدق]، أو هو معتاد على الرشوة والسرقة والمعصية، ثم إنه قد اعتاد على هذا فلا يستطيع أن يخرج من غناه الموهوم.

حقيقة أن الرزق والأجل بيد الله وأثرها على حياة الإنسان

فإذا ربنا سبحانه وتعالى كريم ينفق كيف يشاء، من أجل الحكمة ومن أجل الامتحان. الهدف هكذا في إنفاقه كيف يشاء.

وهذا يجعلنا نعلم حقيقة مهمة في حياة الإنسان: أن الرزق كالأجل بيد الله. كلمتان بسيطتان جدًا ويمكن لا أحد يعترض، لكن عِش معهما وانظر ما معناهما.

ما دام الرزق والأجل بيد الله لا تخف من أحد. ما دام الرزق والأجل بيد الله فلا تذل نفسك لأحد. ما دام الرزق والأجل بيد الله توكل حق التوكل على الله. ما دام الرزق والأجل بيد الله اتركها على الله، اتركها على الله.

معنى الرضا والتسليم وأثر غيابهما على سلوك الناس

ماذا يعني ذلك؟ يعني الرضا. ليكن لديك رضا وتسليم.

الرضا والتسليم هو [ما] عندما انسحب من حياة الناس أصابهم بالجنون. أصبحوا مجانين، أصبحوا مسعورين، يطلبون ويلحّون في الطلب، ويذلون أنفسهم من أجل الرزق أو خوفًا من الأجل، خشية أن يميتهم.

حسنًا، فليمتك! ما المشكلة في ذلك؟ أهي سهلة هكذا؟ هل الموت سهل؟ لا، ما ليس سهلًا هو الذل. ما ليس سهلًا ألا نكون بنو آدم جيدون؛ أي أريد أن أقول إنك إذا وضعت كرامتك في مقابل حياتك، فإن حياتك لا معنى لها في الأصل وأنت مُهان.

حقيقة إنفاق الله كيف يشاء ترفع الإنسان من ذله وتقيم فكره

هذه مسألة بسيطة، فانظر إلى حقيقة:

﴿يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ [المائدة: 64]

حقيقة عجيبة غريبة تُخرج الإنسان من ذُله وترفع رأسه، ويستقيم بذلك فكره، وتحسن بذلك معاملته مع ربه.

ويأتي في هذا النطاق وعلى هذه الحقائق:

قال رسول الله ﷺ: «وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» رواه الترمذي

واضحة إذن. لماذا؟ لأنه هو الذي ينفق كيف يشاء. ولماذا؟ لأن الآجال بيده سبحانه وتعالى، فلا تخف من أحد.

المسلم لا يترك الأسباب ولا يعتمد عليها بل يتوكل على الله

وكما قلنا إن المسلم لا يترك الأسباب لكنه لا يعتمد عليها؛ فترك الأسباب جهل، والاعتماد عليها شرك. هذه هي الوسطية والاعتدال، وهذه هي المفاهيم، وهذا هو السلوك المبني في طريق الله سبحانه وتعالى.

إن الفلاح يلقي البذرة ثم يدعو قائلًا: يا رب. لكن لو لم يلقِ البذرة فلن تنبت نبتة. نعم، إنه لا يعتمد على الإلقاء ولا على حوله ولا قوته، هو أنه يقول: يا رب استرها، فلا يأتِ إعصار ولا يأتِ فيضان ولا تأتِ زوبعة ولا تأتِ آفة تأكل الزرع وتدمره، ويخرج بعد هذا المجهود كله بلا شيء.

زيادة الطغيان والكفر عند كثير ممن أنزل إليهم القرآن

﴿يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ [المائدة: 64]

﴿وَلَا يَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 64]

رجعنا مرة ثانية، يكشف [الله تعالى] أن الأمر ليس عامًا، كثيرًا منهم ولا يزيدنَّ، ولا يزيدنَّ كثيرًا منهم.

حسنًا، والقليل القليل يكون الله قد هداه ويعرف الحقيقة.

﴿مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَـٰنًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: 68]

أول ما يأتون ويسمعون هكذا، أول شيء يكذبونه. لا، نحن لسنا هكذا، لا أحد يقول فينا أن يد الله مغلولة. كذب، أنت حر، هذا ليس علمًا ولا حقًا.

معنى الطغيان والكفر والتصميم على الباطل رغم معرفة الحق

هذا [التكذيب بالحق] يدخلك في نطاق المغضوب عليهم؛ لأنك تعلم الحق ولا تتبعه.

هذا هو الطغيان والكفر: التصميم على ما يقول [الإنسان من باطل]، نفس الكلام الذي ربنا سبحانه وتعالى وضح له أنه لا ينبغي وأنه كفر، فإنه سيستمر عليه.

وبعضهم قال: الطغيان الزيادة في الكفر، والكفر الاستمرار فيه. يعني سيستمرون وسيزيدون.

عدم اليأس من الدعوة والتوكل على الله وأثره في الهدوء النفسي

طيب، يؤدي [هذا البيان] بماذا؟ أنك لا تيأس؛ هذا حكم الله فيهم هكذا، وأنك لا تنتظر النتائج من تبليغك ودعوتك وإرشادك وبيانك. قُلْ وتوكل على الله، ليس لديك شأن بذلك.

وهذا سيؤدي بك إلى ماذا؟ إلى الهدوء النفسي. ستجد نفسك هادئة. لماذا؟ لأنك غير مسؤول عن النتائج.

فالدنيا ليست ملكك ولا خاصة بك. عندما يشعر المرء أن هذه الدنيا ملكه وخاصته، يبدأ بالإفساد في الأرض؛ فهي خاصته إذن يدافع عنها. أما عندما يشعر أنها ملك لله، تجده هادئًا تمامًا.

الفرق بين من يتوكل على الله ومن يعتمد على حوله وقوته

أعجبك هذا الكلام؟ قم واجعلها دمًا [في عروقك]. الأمر لله، الله غالب يا أخي.

إذن هؤلاء القوم الذين ظنوا أنفسهم قد ملكوا الأرض وأن لهم حولًا وقوةً وفعلًا ونتيجةً، يقول لك: أنت بليد، لماذا هكذا؟ قل له: أنا لست بليدًا، حاشا لله. أنا أغضب لغضب الله وأنا أُبيّن بيان الله، لكنني لست بليدًا.

بل أنت الذي تفتري قليلًا، وأنت الذي تريد أن يكون لك حولٌ وقوةٌ ومُلكٌ، وأنك أنت الذي تفعل. أنا أقول إن الله هو الذي يفعل.

العمل بهدوء وتوكل على الله والختام بالتوديع

وأنا لا أسكت، بل أعمل أيضًا، لكنني أعمل بهدوء، أعمل بتوكل، أعمل وأنا أقول: يا رب. وأنت تعمل وتقول: يا نفسي.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.