سورة المائدة | ح 993 | 52 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •مقاييس التقدم والتخلف اختلفت عبر الزمن، فمنها دخل الفرد، والإنتاج الصناعي، وقوة الجيش، لكن جميعها أثبتت قصورها.
- •طرح كانون معياراً جديداً يتمثل في أسلوب الحياة اليومية وجدية الإنسان في عمله ووقته.
- •الإسلام حث على مقومات التقدم الحقيقي، كالحفاظ على الوقت في قوله ﷺ: "لا تزول قدم عبد حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه".
- •دعا الإسلام إلى طلب العلم وإتقان العمل والاستمرارية والنصيحة، كما في قوله ﷺ: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه".
- •المشكلة ليست في الإسلام بل في المسلمين الذين لا يطبقون تعاليمه في الجدية.
- •الخلل يكمن في المسلم نفسه، وعليه أن يبدأ بنفسه كما قال النبي ﷺ: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول".
- •المجتمع المسلم يحتاج إلى الجدية وقبول النصيحة والتعاون بدلاً من إلقاء اللوم على الآخرين.
مقدمة الدرس وتلاوة آية من سورة المائدة عن مرضى القلوب
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة المائدة، وعند قوله تعالى:
﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ [المائدة: 52]
دائمًا الذي يدعو إلى عدم الانتماء [للإسلام والالتزام بأحكامه]، حتى ملَّ كثير الآن من الناس، يقول: أيُّ انتماء هذا؟ دعنا نكون منتمين هكذا للجو العام للمعاصرة.
إشكالية معيار التقدم والتخلف واختلاف الناس في تحديده
دائمًا ما يبررون أفعالهم بقضية التخلف والتقدم، والتخلف والتقدم لا بد له من معيار. واختلف الناس عندما تكلموا في التقدم والتنمية والنمو، وما الفرق بينهم في قضايا المعيار الذي نقيس به التقدم والتخلف.
"نخشى أن تصيبنا دائرة"، أي أن نتخلف. إذن فما التقدم والتخلف؟ فاقترحوا معيارًا يتعلق بالمال، دخل الفرد؛ يعني أن الدول التي فيها دخل الفرد عالٍ متقدمة، والدول التي فيها دخل الفرد منخفض متخلفة.
فشل معيار دخل الفرد والإنتاج الصناعي وقوة الجيش في قياس التقدم
فوجدوا أن هناك دولًا دخل الفرد فيها عالٍ جدًا ومع ذلك متخلفة، فقالوا: إذن دخل الفرد لا يصلح كمعيار.
حسنًا، لنستخدم مقياسًا آخر وهو مدى التقدم الصناعي، الإنتاج الصناعي للدولة. فوجدوا الإنتاج الصناعي للدولة في بعض الدول مرتفعًا ومن الدول الصناعية السبعة، وفي أزمات حادة في الدخل عندها وليست من الدول المتقدمة.
قالوا: حسنًا، يصبح الجيش؛ عندما يكون الجيش قويًا تكون هذه دولة متقدمة، وعندما يكون الجيش ضعيفًا تكون هذه دولة غير متقدمة. فنظروا في دول متقدمة ليس عندها جيش [قوي] مثل ألمانيا ومثل اليابان ومثل سويسرا.
معيار كانون للتقدم والتخلف المبني على جدية أسلوب الحياة اليومية
قالوا: حسنًا، استمروا هكذا. وبعد ذلك ظهر شخص اسمه كانون، مختص بدراسات التنمية، وقال: لا، هذا المقياس يرتبط بأسلوب الحياة اليومية، برنامج الحياة اليومية؛ فإن كان برنامجًا جادًا فهذه دولة متقدمة، وإذا كان برنامجًا غير جاد فهذه دولة متخلفة.
فالشخص عندما يستيقظ فجرًا ثم يذهب إلى العمل ويعمل ثماني ساعات، هي ثماني ساعات، ويتقن عمله خلال هذه الساعات الثماني، ثم يعود فينام ليستيقظ للفجر غدًا.
تفصيل معايير الجدية عند كانون من حفاظ على الوقت والإتقان والنصيحة
هذه هي جدية الحفاظ على الوقت، والحفاظ على العلم والتعلم والتدريب، والحفاظ على الإتقان، والحفاظ على الاستمرارية، والحفاظ على النصيحة، والعمل بروح الفريق. استمر يتحدث كانون هكذا.
فقد أخذنا هذا المعيار [معيار كانون في جدية الحياة اليومية] وطبقناه على شيئين: على الإسلام وعلى المسلمين.
تطبيق معيار كانون على الإسلام وموافقة تعاليم النبي لمعايير التقدم
لنرَ هل النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بأن نضيع أوقاتنا ونلتفت لعبادتنا [فقط] ونترك إتقان العمل، ونعمل الشيء ولا نكمله، ولا نعمل بروح الفريق، أم أنه أمرنا بالعكس؟
فوجدنا أن الكلام الذي قاله كانون لا علاقة له بنا [أي لم يكن يقصد المسلمين تحديدًا]؛ كانون كان ليس له علاقة بالمسلمين ولا بغير المسلمين، كانون يتحدث عن مقياس للتقدم والتخلف. فوجدت النبي [صلى الله عليه وسلم] يقول:
قال رسول الله ﷺ: «لا تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه»
إذن هو يتحدث عن الحفاظ على الزمن.
شواهد من أقوال السلف والأحاديث النبوية على الجدية في الإسلام
ووجدت عمر بن الخطاب [رضي الله عنه] يحاسب نفسه بالأنفاس، إذن هو منتبه على مستوى النَّفَس. ووجدت الشافعي [رحمه الله] يقول: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك. ووجدت عبر التاريخ هكذا نجد هناك الجدية أمرًا أمرنا به الإسلام.
ووجدت النبي [صلى الله عليه وسلم] يقول:
قال رسول الله ﷺ: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا يسّر الله له طريقًا إلى الجنة»
ووجدته يقول:
قال رسول الله ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ»
قال رسول الله ﷺ: «إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملًا أن يتقنه»
حديث الدين النصيحة وشموليته للسياسة والاقتصاد والحياة اليومية
الدين النصيحة، لينوا في أيدي إخوانكم، هذه يد يحبها الله ورسوله. قالوا: النصيحة لمن يا رسول الله؟ قال:
قال رسول الله ﷺ: «لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»
يعني دخل [ذلك] في السياسة وفي الاقتصاد وفي الحياة اليومية وفي كل شيء. الله يكون الإسلام يدعونا بصراحة إلى الجدية، فيكون الإسلام هذا دين تقدم، اطمأننا على ذلك.
تطبيق معيار كانون على واقع المسلمين ومحاسبة النفس بالجدية
رجعت ثانية، بل أيضًا بنفس المقياس الذي للأستاذ كانون، دعنا نرى المسلمين. اسأل نفسك: إن كنت تحافظ على الوقت وتكون جادًا في حياتك، وتقوم فتصلي الفجر في المسجد، ثم تفتح الدكان أو تذهب إلى المصنع أو إلى المدرسة أو المعمل.
أتراعي ربنا في الثماني ساعات؟ أتتقن عملك؟ أتقبل النصيحة من إخوانك على جميع المستويات؟
حاسب نفسك وانظر أين العلة، وتأمل قول النبي [صلى الله عليه وسلم] حين يقول لك:
قال رسول الله ﷺ: «ابدأ بنفسك ثم بمن يليك، ابدأ بنفسك ثم بمن تعول»
لا تلقِ المسؤولية على غيرك، ابدأ بنفسك.
قصة محاورة عن الجدية في الحياة والعلاقة بين الصفات والنجاح
أنت جادّ في حياتك، فظهر لي أحدهم وقال لي: نعم، أنا جادّ في حياتي وكل ما تقوله أنا أفعله. قلت له: أنا لا أعرفك، لكن أنت ناجح، أأنت ناجح أم لا؟ قال لي: غاية النجاح. قلت له: حسنًا، يكفي، هذا ما أريده.
أنت أنا لا أعرفك، لكن إذا كان فيك كل هذه الصفات [صفات الجدية والإتقان والنصيحة] تكون ناجحًا في حياتك.
ما من أحد يا أخي قال لي أنني أملك كل هذه الصفات، فسألته وقلت له: أنت فاشل؟ قال: نعم أنا فاشل. لا أحد يكون كذلك [أي لا أحد يملك كل صفات الجدية ويكون فاشلًا].
العلة في أنفسنا وضرورة تربية الأولاد على الجدية والنصيحة
إذن العلة فينا نحن، ابدأ بنفسك ثم بمن تعول، وربِّ أولادك أيضًا على هذه الجدية؛ لأن مجتمعنا لو أصبح جادًا يقبل النصيحة ويرفق بعضه ببعض، لا يرى أحد شخصًا يلقي قمامة في الشارع ويتركه، ولا يترك القمامة دون أن ينصحه قائلًا: يا أخي، إن ما تفعله خطأ، ويمسك كيس القمامة ويلقيه في المكان الصحيح.
لكنه يقول لك: وما شأني؟ سلامة رأسي أهم، مادمت أنا بأمان يكون ابني والطوفان! هذه أمثلة فاشلة اسمها الأمثلة والأمثال الفاشلة؛ لأنه كيف تتعامل وأنت لست جادًا في حياتك أيها المسلم، وتلقي باللوم على الآخرين؟
ختام الدرس بآية الوعد الإلهي بالفتح والندم على التفريط
يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَآ أَسَرُّوا فِىٓ أَنفُسِهِمْ نَـٰدِمِينَ﴾ [المائدة: 52]
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
