سورة المائدة | ح 991 | 51 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 991 | 51 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

12 دقيقة
  • الله تعالى أمر المسلمين بالوحدة وجمعهم على قبلة واحدة ونبي واحد وإله واحد، وحذرهم من الفتن الخارجية.
  • نهى الله المسلمين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، والولي في اللغة هو القريب، كالمطر الثاني الذي يأتي بعد المطر الأول.
  • هناك فرق بين المفاصلة والمعايشة، فالإسلام يقر التعايش مع أصحاب الديانات الأخرى دون إكراههم على ترك دينهم.
  • التعايش يعني حسن الجوار والبر والإحسان لمن لم يقاتلنا في الدين أو يخرجنا من ديارنا.
  • المفاصلة تعني عدم التنازل عن المبادئ الدينية، فلا يشارك المسلم غير المسلم في أمور محرمة كشرب الخمر أو أكل الخنزير.
  • الوحدة الوطنية تقوم على التعايش المشترك مع الاحتفاظ بالمفاصلة العقائدية، وبهذا الفهم انتشر الإسلام دون إكراه أو صدام.
  • بهذه التعاليم فهم المسلمون كيفية التعامل مع الآخرين عبر العصور فخلصت لهم الدعوة ونشروا الإسلام دون إكراه.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة حول وحدة الأمة الإسلامية وعدم الإكراه في الدين من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يُقِرُّ للمسلمين حالةً ليعيشوا فيها في الاجتماع البشري، وليكونوا أمةً واحدةً، وليكون ذلك أمرًا من الأمور الإلهية التي لا يتشتت بموجبها المسلمون، والتي بموجبها لم يحملوا السلاح على أحدٍ من الناس إكراهًا.

﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]

فكيف يعيش المسلمون في العالم؟ ينبغي ويجب عليهم أن يعيشوا أمةً واحدةً، وإذا كان الأمر يتعلق بهذا فإنه ينبغي ألا يسمعوا إلى فتنةٍ تأتيهم من هنا أو من هناك ابتغاء تفتيت الأمة.

أمر الله المسلمين بالوحدة في القبلة والكتاب والنبي والإله عبر التاريخ

ولا بدّ علينا أن نفهم هذه الآيات في نطاق الوحدة التي أمر الله بها المسلمين عبر التاريخ؛ أمرهم بالوحدة في القبلة، وأمرهم وجمعهم على كتابٍ واحد، وأمرهم وجمعهم على نبيٍّ واحد، وأمرهم وجمعهم على إلهٍ واحد، والحمد لله رب العالمين.

لم ينحرف المسلمون بكل مذاهبهم وجميع طوائفهم، من سلفٍ ولا خلفٍ، ولا في الشرق ولا في الغرب عن هذا، بل اجتمعوا على وحدة الأمة، وعلى أن هذه الأمة قد اجتمعت على هذه الصفات.

تحذير الله من الفتنة الخارجية وآية النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء

ولذلك أراد [الله سبحانه وتعالى] أن يحذرهم من أي فتنةٍ خارجيةٍ تأتيهم ولو باسم الدين، فقال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 51]

ولذلك فإن الأمة الإسلامية وبهذه الآية وعبر القرون عرفت كيف تتعامل مع الآخرين.

الفرق بين التعايش مع غير المسلمين وبين الموالاة التي تفرق الأمة

وهناك فرقٌ بين التعايش مع أقوامٍ لا يعتقدون في نبينا [محمد ﷺ]، بل إنهم في ورطةٍ لأن كثيرًا منهم يسبّونه ويصفونه بالكذب، وبالرغم من ذلك فإننا نتعايش معهم.

وربنا سبحانه وتعالى في القرآن، كما بيّنا مرارًا وتكرارًا من أوله إلى آخره، لا يحرم علينا أن نتعاون معهم، ولا أن نودّهم، ولا أن نعيش معهم في مجتمعٍ واحد، بل ولا أن نتزوج منهم وتكون منهم أمٌّ لأبنائنا وحبيبةٌ لبيوتنا.

وبالرغم من ذلك فإنه ينهى عن أن نتولاهم التولية التي نفرّق بها الأمة، ونجعل أمة الإسلام تتفق في قلوبها وفي حالها، بحيث لا توجد عداوةٌ مع الآخرين ولا تتقبل سعي العداوة من الآخرين.

خيانة يهود المدينة ونصارى نجران وتنبيه الله على وحدة الأمة

ولما كان من عاصر النبي صلى الله عليه وسلم من يهود المدينة قد خانوه الخيانة العظمى، وقد اشتركوا مع المشركين في تقويض الدولة الإسلامية بعد صحيفة المدينة التي أقرّ لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بالمواطنة، ولما أراد كثيرٌ من النصارى من نجران أن يفتّوا في عضد هذه الدولة، ولما رفض هرقلُ بعد أن آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتعاون معه؛ نبّهنا ربنا سبحانه وتعالى على أن نلتفت إلى أنفسنا، وأن نعيش أمةً واحدةً متحدةً حتى لا يستطيع الآخرون أن يَفُتّونا ولا يَفُتّوا من عَضُدِ مَن عَضُدَنا.

فقال [الله تعالى]:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 51]

بل لا بُدّ علينا أن نتخذ الأمة أولياء.

معنى الولي في لغة العرب وأصله من المطر الولي القريب من الوسمي

والولي في لغة العرب هو هذا المطر الذي ينزل ثانيًا بعد المطر الأول في موسم الأمطار، والذي يُسمى بالوسمي. فالمطر الأول الوسمي، والمطر الثاني الولي، وكان الولي قريبًا من الوسمي.

فمن كان قريبًا من أخيه سُمّي وليًّا له، ومن كان قريبًا من الله سُمّي وليّ الله، ومن كان قريبًا من أحدهم ومن طائفةٍ من الطوائف سُمّي أنه منهم ووليٌّ لهم.

فالولي هو ذلك القريب الذي ينزل بعد الوسمي، والفترة الزمنية بين الوسمي والولي قليلةٌ لا تتعدى أيامًا، ولذلك سُمّي كل قريبٍ بالولي.

الموالاة بين التقرب إلى الشياطين بالمعصية والتقرب إلى الله بالطاعة

فإذا ما كان الإنسان يوالي الشياطين، أي يتقرب إليهم بالمعصية وبمعصية الله تعالى، فإنه وليٌّ للشياطين. وإذا كان يتقرب لرب العالمين بطاعته فهو وليٌّ لرب العالمين.

ولذلك أولياء جمع وليّ، والولي هو القريب. أتوا له بذلك المجاز أن سمّوا هذا القريب باسم المطر القريب من بدايته؛ فالوسمي أول المطر، والولي ثاني المطر، وبينهما القليل من الزمن.

نهي الله عن الميل لغير المسلمين بغية تفريق الأمة ونشر الإسلام بلا إكراه

ولذلك نهانا ربنا سبحانه وتعالى من أن نميل إلى غيرنا من اليهود أو من النصارى أو من الملاحدة أو من أهل أي كتابٍ كان، فتنةً بغية الفتنة وابتغاء التفريق للأمة المحمدية.

بهذه التعليمات وبهذه الأوامر التي فهمها المسلمون وطبّقوها عبر العصور، فخلصت لهم الدعوة ونشروا الإسلام من غير إكراهٍ، ومن غير صدامٍ، ومن غير حمل الناس حملًا على أن يخرجوا من دينهم أو أن يتركوا عقائدهم وهم غير مقتنعين.

التفريق بين المفاصلة والمعايشة مع غير المسلمين وحكم كل منهما

بأن تركوهم لحالهم، ولكن أيضًا لم يجعلوهم قريبين من هذه الأمة داخلين فيها. فهناك مفاصلة وهناك معايشة، ولا بدّ علينا أن نفهم هذا.

لأن الذي أنكر التعايش متطرف، والذي أنكر المفاصلة كاذب؛ لأنه ليس هناك اتحاد.

ولذلك فالوحدة الوطنية التي نتحدث عنها بين المسلمين والمسيحيين واليهود إنما هي في التعايش، ولا أُرغم اليهودي بأن يؤمن ولا بدّ بعيسى [عليه السلام]، ولا أن يؤمن ولا بدّ بمحمد ﷺ؛ فإن هذا نوعٌ من أنواع الإكراه.

حق الجوار في الإسلام والتعايش مع غير المسلمين كما أوصى النبي ﷺ

ولكن المعايشة هي أن نعيش في الجوار مع جاري، فإن مرض أسرعتُ به إلى المستشفى؛ حق الجوار كما قال النبي ﷺ:

«لا يزال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه» يُدخله في الميراث

من شدة حق الجار على الجار، ولو كان هذا الجار من غير دين.

ولكنني لا أصف مَن أنكر نبوته [نبوة محمد ﷺ] بأنه وليٌّ لي، فهو ليس وليًّا لي بل هو جارٌ لي.

﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ﴾ [الممتحنة: 8]

لم ينهنا الله عنهم أن نبرّهم وأن نودّهم وأن نقوم بشأن التعايش فيهم.

وجوب التفريق بين المفاصلة والمعايشة والصدق مع النفس والوطن

فلا بدّ علينا من أن نكون صادقين معهم [مع غير المسلمين] أنفسنا، ومع قائدنا، ومع وطننا، ومع معيشتنا، أن نفرّق بين المفاصلة وبين المعايشة.

فنحن نُقِرُّ المعايشة، ولكن نُقِرُّ أيضًا المفاصلة.

أمثلة عملية على المفاصلة في أكل الخنزير وشرب الخمر مع غير المسلمين

ولذلك مع هذه المفاصلة يأتي [غير المسلم] ويقول لي: أنا الخنزير حلالٌ عندي، تعال عندي اليوم حفلة شواءٍ على خنزيرٍ جميل هكذا. قال [المسلم] له: لا، ديني يمنعني.

اليهودي يشربون هم الخمر، كثيرٌ ما يأتي ويقول له: والله عندنا زجاجة نبيذٍ معتّقة رقم واحد، مضى عليها ستمائة سنة، تعال نشرب معًا هكذا من أجل الودّ. ليس في ودّ! قلت له: في ودّ. قال: نشرب. قلت له: لا، مفاصلة.

لا أمنعه من أن يشرب، في ديننا هكذا، ولا أكسر له أيضًا قنينته، ولو كسرتها له أدفع ثمنها كاملًا. لو كان مسلمًا لكسرتها، ولكن عندما يكون غير مسلمٍ لا أكسرها له، ولا أشرب معه.

رفض الخلط بين الوحدة الوطنية والتنازل عن أحكام الدين والخاتمة

ولا يأتيني بعد ذلك ليقول لي: إن الوحدة الوطنية تقتضي ماذا؟ أن تأخذ رشفةً هكذا، وأنت لماذا متعصب؟ لا يصحّ أن يكون هكذا.

نحن نخلط بين المفاصلة والمعايشة، نُقِرُّ أيضًا بالمفاصلة. وهكذا علّمنا ربنا سبحانه وتعالى، فعِشنا ونجحنا.

وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.