سورة المائدة | ح 1005 | 60 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 1005 | 60 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

13 دقيقة
  • في قوله تعالى "قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله" تعليم للصفات الذميمة التي يغضب الله عليها.
  • كلمة "قل" فيها معنى التبليغ الذي بدأ بالرسول ﷺ ومستمر في أمته لقوله: "بلّغوا عني ولو آية".
  • "هل" في الآية ليست للاستفهام بل للوعيد والتهديد للتنبيه على ما هو أشد شراً مما سبق.
  • من علامات الكبيرة من الذنوب: اللعن، الخلود في النار، غضب الله، النص على أنها كبيرة، وجود حد شرعي لها.
  • اللعن معناه الطرد من رحمة الله، والغضب أشد من اللعن لأنه لا يتركه بل ينتقم منه.
  • أحصى العلماء الكبائر في مؤلفات كالذهبي في "الكبائر" وابن حجر الهيتمي في "الزواجر".
  • جعل الله بعض الأمم السابقة قردة وخنازير حين غضب عليهم بعد انحرافهم عن شرع الله.
  • المسخ كان تحولاً أيضياً لا يمكث أكثر من ثلاث ليالٍ ثم يموت، وقد ألغاه الله مع بعثة النبي ﷺ.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة تلاوة آية سورة المائدة في صفات أهل اللعنة والغضب

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، وعند قوله تعالى:

﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَ أُولَـٰٓئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [المائدة: 60]

لا يزال ربنا سبحانه وتعالى يعلمنا الصفات الذميمة التي يغضب عليها، وتعليمنا إياها يقوم على أمرين: أن نُقِرَّ بقبحها أولًا، وأن نبتعد عنها نحن ثانيًا.

معنى كلمة قل ودلالتها على التبليغ المستمر إلى يوم القيامة

﴿قُلْ﴾ وكلمة "قل" فيها معنى التبليغ، والتبليغ بدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه لا ينتهي إلى يوم القيامة؛ بدأ ولا ينتهي إلا يوم القيامة.

فلما نأتي بآية فيها ﴿قُلْ﴾ فهذا تكليف بالتبليغ لأمة المسلمين، وبه يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«بلّغوا عني ولو آية»

"قل" إذن الذي بعده على الفور يكون تبليغًا، يكون دعوة.

أساليب الحوار في القرآن وأنواع السؤال في اللغة العربية

﴿هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ﴾، يعلمنا ربنا سبحانه وتعالى من أساليب الحوار مع البشر مع الآخرين: السؤال.

والسؤال في اللغة قد يكون:

  1. للاستفهام وتحصيل الجواب.
  2. وقد يكون للاستنكار.
  3. وقد يكون للتعجب.
  4. وقد يكون للاسترحام؛ طلب الرحمة أو إعطاء الرحمة.
  5. وقد يكون للوعيد والتنبيه والتهديد.

وهذا السؤال الذي معنا هو من هذا النوع [الوعيد والتهديد]: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ﴾؛ إنه يهددهم بهذا.

هل في الآية ليست للاستفهام بل للوعيد والتهديد مع أمثلة توضيحية

لا أنتظر أن يقولوا له: نعم أنبئنا، أو لا لا تنبئنا؛ لأن "هل" هنا ليست للاستفهام، وإنما "هل" هنا، وإن كانت من أدوات أو أسماء الاستفهام وكل شيء، لكن "هل" هنا في الحقيقة هي للوعيد والتهديد.

مثلما يقول رئيس المصلحة للموظف الذي تحت إشرافه: هل أحيلك إلى التحقيق الآن؟ هل أذهب بك إلى التحقيق؟ هذا تهديد ووعيد. هل أوقع عليك الجزاء؟ هذا أيضًا ما هو؟ هذه ليست ديمقراطية، فهو لا يستشيره هنا، بل هو يهدده.

التهديد الإلهي بالالتفات إلى ما هو أشد شراً مما سبق في الآيات

وهذا التهديد معناه الالتفات إلى أنه ينبغي علينا أن نلتفت لما هو أشد شرًا مما سبق. الذي سبق أنهم ينقمون منا، والذي سبق أن كثيرًا منهم فاسقون، في الآية التي قبلها:

﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَـٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 59]

﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ﴾ الذي هو سبق، هذا مضمون ما سبق.

معنى المثوبة عند الله وأنها قد تكون بالخير أو بالشر

﴿مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ﴾ أي أن المثوبة عند الله ستكون بالشر. المثوبة قد تكون بالخير وقد تكون بالشر، وإن كانت هي في الخير أكثر استعمالًا؛ مثوبة أي أجر.

قال [الله تعالى]: أعطيك إذن أجرًا، ولكنه أجر شر في مقابل ما قدمته من شر.

من هو هذا الأشر عند الله؟ هو ﴿مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ﴾.

من لعنه الله هو مرتكب الكبيرة واللعن من علامات الكبائر

ومن هو هذا الذي لعنه الله؟ الذي لعنه الله هو من ارتكب كبيرة عند الله، ولذلك فمن علامات الكبيرة اقتران هذا الذنب باللعن.

فعندما نرى "لعن الله كذا" فهذا يعني أن هذا الأمر كبيرة من الكبائر.

لماذا؟ لأن من علامات الكبيرة اللعن. من علامات الكبيرة:

  • أن يرد فيها لعن.
  • أو أن يرد فيها خلود في النار كالقتل العمد.
  • أو أن يرد فيها غضب الله.
  • أو أن يُنَصَّ في الحديث على أنها من الكبائر الموبقات سبعة.

الموبقات وهي شيء كبير، ويظهر ذلك في النص أو اللعن أو الخلود في النار أو الغضب، وهذه علامات الكبيرة، فإذن منها اللعن.

خمس علامات تدل على الكبائر منها إقامة الحد والنص على الكبيرة

فالذي لعنه الله هو ذلك الذي يرتكب الكبيرة. حينما نتتبع ما ورد في الحديث وما ورد في القرآن عن الكبائر، ثمة خمس علامات تدل عليها:

وهو أن يجعل الله بإزائها حدًا؛ مثل حد السرقة وحد الزنا وحد القتل وحد كذا، فيكون هناك حد يُقام على الإنسان، يعني مثل حد الخمر، فتكون هذه كبيرة.

كتاب الكبائر للذهبي وكتاب الزواجر لابن حجر الهيتمي في إحصاء الكبائر

فلو جلسنا نعد الكبائر، هل يمكن أن نحصي الكبائر؟ فقد ألّف الإمام الذهبي كتابًا سماه [الكبائر]، حاول في كتاب الكبائر أن يجمع كل ما ورد من الكبائر بهذه الصيغة؛ بأن يكون ذنب فيه لعنة أو خلود في النار أو حد أو غضب أو نص بأنه كبير.

عدّ من الكبائر أشياء كثيرة جدًا، أشياء تصل إلى أربعمائة كبيرة، أربعمائة كبيرة، أربعة صفر صفر أربع مائة.

والإمام ابن حجر الهيتمي ألّف كتابًا آخر سماه [الزواجر عن اقتراف الكبائر]، فذكر فيه أن شهادة الزور من الكبائر، وأنواعًا كثيرة من الكذب من الكبائر، والقتل من الكبائر، والسرقة والخمر والزنا والربا وشهادة الزور والسحر والفاحشة والشذوذ، كل هذا جعلوه من الكبائر، ونبش القبور من الكبائر.

نصيحة العلماء بترك جميع الذنوب كبيرها وصغيرها والمبادرة بالتوبة

إذن فالذي يسأل ويريد أن يبعد عن لعنة الله، يقرأ الكبائر ويبتعد عنها. فجمع العلماء لما وجدوا المسألة كثيرة هكذا، ماذا فعلوا؟ قالوا:

خَلِّ الذنوبَ كبيرَها وصغيرَها ذاك التُّقى واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر مما يرى لا تحقرنَّ صغيرةً، إن الجبال من الحصى

يعني ليس المهم أن تعرف أن هذه كبيرة؛ لا توجد معصية صغيرة؛ فأنت قد ترتكبها على أنها صغيرة، وإذا بها كبيرة لأنها ترتبت عليها تداعيات أفسدت الدنيا.

لذا ينبغي على الإنسان الابتعاد عن لعنة الله وغضبه أن يبتعد عن كل الذنوب بقدر المستطاع، فإذا وقع في الذنب، فلا يكون إلا عن ضعف، ثم يبادر بالتوبة.

الفرق بين اللعنة والغضب الإلهي وخطورة الطرد من رحمة الله

﴿مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ﴾، إذا كان شخص يريد أن يُفصَّل [معنى] ﴿مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ﴾، فسيجد في ذلك مؤلفات وشروحات مستفيضة في هذه الكلمة فقط.

﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ﴾، اللعنة هي الطرد من الرحمة؛ الذي طُرد من الرحمة، عندما يطردهم من الرحمة تُركوا، وإذا تركك الله - والعياذ بالله - فهذه تكون مصيبة. ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

ما الفرق إذن بين اللعنة والغضب؟ اللعنة فيها ترك سابق، وإنا لله وإنا إليه راجعون، هذه مصيبة كبيرة. والمصيبة التي أكبر منها أنه [الله سبحانه وتعالى] لا يتركك بل ينتقم منك، فتصبح بلية كبيرة. فاللعن الطرد، والغضب لا، لن يتركه بل سيصب عليه العذاب.

نزول غضب الله على الأمم السابقة ومسخهم قردة وخنازير وإلغاء المسخ ببعثة النبي

حدث ذلك في أمم سابقة؛ بعد ما فعلوا بأنبيائهم ما فعلوا، وبعد ما انحرفوا وأشركوا وأفسدوا في الأرض، أن الله سبحانه وتعالى أنزل عليهم غضبه.

﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠]، في أمر كان يُسمى المسخ.

وعندما أرسل [الله] الرحمة المهداة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ألغى الله المسخ، فلم يعد هناك مسخ. وكان المسخ لا يمكث فوق ثلاث ليالٍ ثم يموت، ينتهي.

لا أحد يقول لي: ما هذا! هذا الخنزير من الممكن أن يكون منهم أم لا؟ لا، هذا الكلام فارغ؛ لأن هذا المسخ هو تحول أيضي - تحول أيضي يعني أن يتحول شيء إلى شيء آخر ثم يفنى أو يموت بإذن الله.

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.