سورة المائدة | ح 980 | 44 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 980 | 44 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • وصف الله تعالى التوراة بأنها كتاب فيه هدى ونور، وأن النبيين الذين أسلموا يحكمون بها.
  • الإسلام هو دين جميع الأنبياء من آدم إلى خاتمهم محمد صلى الله عليهم وسلم.
  • أمية النبي محمد صلى الله عليه وسلم كانت معجزة، إذ لم يقرأ التوراة ولم يتعلم من بشر.
  • الذي علم النبي هو الله تعالى، كما قال: "شديد القوى ذو مرة فاستوى".
  • يحكم بالشريعة النبيون والربانيون والأحبار، والربانيون هم المشايخ ذوو التقوى والورع، والأحبار هم العلماء.
  • القرآن الكريم هو محور الحضارة الإسلامية وقد خُدم خدمة جليلة.
  • تطورت علوم كثيرة لخدمة القرآن كعلوم الشكل والنقط والتجويد والتفسير.
  • جمع العلماء كالزركشي والسيوطي رؤوس الأقلام في علوم القرآن.
  • تنوعت التفاسير وكثرت، حتى بلغت المئات المطبوعة والآلاف المخطوطة.
  • لا تنتهي عجائب القرآن ولا يخلق من كثرة الرد.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة تفسير آية إنزال التوراة من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة وعند قوله تعالى:

﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: 44]

يصف ربنا سبحانه وتعالى كتابه الذي أنزله على سيدنا موسى فيقول:

﴿يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: 44]

فـالإسلام عندنا دين كل الأنبياء، من لدن آدم إلى خاتمهم محمد صلى الله عليهم جميعًا وسلم تسليمًا كثيرًا. كلهم أسلموا وجههم لله وأسلموا أمرهم لله.

حكم أنبياء بني إسرائيل بالتوراة وشهادة ورقة بن نوفل

﴿يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ﴾ [المائدة: 44]

فحكم بالتوراة أنبياء بني إسرائيل؛ كان كل نبي يأتي يحكم بالتوراة. ولمّا سمع ورقة بن نوفل القرآنَ من النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«والله إنَّ هذا والذي أُنزل على موسى خرجا من مشكاة واحدة»

أنا أسمع، ما هذا الكلام! كأنني سمعته قبل ذلك ولكن لم أسمعه [من قبل]. والله إن هذا عليه نور، كأنه هو والتوراة خرجا من مصدر واحد.

أمية النبي ﷺ معجزة تثبت أنه لم ينسخ التوراة

سيدنا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] لم يرَ التوراة ولم يقرأها، ولم تُترجم التوراة بعدُ حينئذٍ؛ ولذلك لم يكن في استطاعته نسخ التوراة، حتى لو كان قارئًا، فما بالك وهو لا يكتب ولا يقرأ.

كفاك نعمةً بالأمي معجزة؛ فالأمية نقصٌ، لكنها في حق رسول الله [صلى الله عليه وسلم] معجزة.

لماذا كانت أمية النبي ﷺ معجزة؟ لأنه منقطع الموارد، لا يوجد أحد يعلمه.

﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: 103]

لا يوجد لا بشر ولا كتاب، لا أحد يعرف أن يعلمه [شيئًا].

الله هو الذي علّم النبي ﷺ بالوحي وعلّم المتقين

الذي علّمه [صلى الله عليه وسلم]:

﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ * ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ * وَهُوَ بِٱلْأُفُقِ ٱلْأَعْلَىٰ * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ * فَأَوْحَىٰٓ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ﴾ [النجم: 5-10]

ربنا هو الذي علّمنا:

﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]

إذا كان ربنا للمتقين يعلمهم، فما بالك بالمصطفين الأخيار! فسيدنا محمد [صلى الله عليه وسلم] كان لا يكتب ولا يقرأ.

إعراب الربانيون والأحبار ودلالتها على الحكم بالتوراة

﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ﴾ [المائدة: 44]

فتكون "الربانيون" معطوفة على كلمة "النبيون". كلمة "النبيون" هذه مرفوعة، و"الربانيون" مرفوعة؛ فيكون النبيون يحكمون والربانيون يحكمون.

لو كانت معطوفة على "الذين هادوا" لكان يُقال: "الذين هادوا والربانيين"؛ لأن "للذين هادوا" هذه في موضع كسر [جر]. لكن هنا الذي يحكم النبيون، والذي يحكم الربانيون.

الشريعة دائمة يحكم بها النبيون والربانيون إلى يوم الدين

وهذا يعلمنا أن الشريعة دائمة، وأن الشريعة يحكم بها النبيون ويحكم بها الربانيون؛ لأن بعض الناس الآن يقول لك: لا، هذا القرآن كان زمان، وكان على أيام النبي [صلى الله عليه وسلم] يحكم به النبي. لا مانع، هو قرآن وهو من عند الله، والنبي [صلى الله عليه وسلم] هذا أيضًا من عند ربنا، لكن لا شأن لكم بنا الآن.

لا، هذه شريعة الله دائمًا، كانت وستظل إلى يوم الدين؛ يحكم بها النبيون ويحكم بها الربانيون والأحبار.

معنى كلمة الأحبار وأصلها اللغوي من الحبر والمداد

الأحبار هم العلماء. من أين جاءت كلمة أحبار؟ جاءت من أنهم يشتغلون بالعلم مع المحبرة إلى المقبرة؛ يشتغل [العالم] بالعلم [طوال حياته]. جاءت من الحبر، حبر [أي] المداد.

"أحبار" جمع حَبْر أو حِبْر، وسُمي العالم حَبْرًا أو حِبْرًا بناءً على أنه يستعمل الحبر والمداد في كتابته.

يقول ابن العصام في حاشيته: والحِبر بالكسر فصيحة. ليس "حَبْر" فقط، بل "حِبْر" أيضًا تشير إلى مصدر الكلمة. من أين جاءت كلمة حِبْر؟ هذه كلمة حِبْر فصيحة فيها، يعني سُمي العالم باسم المادة التي يستعملها لتسجيل علمه في أوراقه.

الفرق بين الأحبار والربانيين ومصدر حكمهم من التوراة

أحبار، هذه لو نقولها بلغتنا الحالية والأدبيات المعاصرة نقول: الأكاديميون. ماذا يعني أكاديميون؟ مثل الجامعة، هؤلاء الأكاديميون الذين يعملون بالعلم.

حسنًا، وأما الربانيون، فالربانيون هؤلاء كانوا يحفظون [كتاب الله] ويعبدون، ولديهم شفافية، ولديهم نوع من أنواع التقوى، ولديهم نوع من أنواع الورع، ولديهم نوع من أنواع معرفة السلوك إلى الله. تستطيع أن تقول عنهم مشايخ، هؤلاء هم الربانيون.

والأحبار يعرفون اللغة ويعرفون قواعد الاستنباط ويعرفون هذه الأمور. مصدر حكم الربانيين التوراة، ومصدر خدمة الأحبار التوراة، وهكذا كانت الشريعة.

القرآن الكريم محور الحضارة الإسلامية وخدمته بالعلوم المتعددة

ولذلك كان القرآن الكريم وهو كتاب الله سبحانه وتعالى الأخير للعالمين محور الحضارة الإسلامية؛ فخُدم خدمةً كلّفت علومًا لدراسته وشرحه ونقله وتفسيره وتبليغه والنطق به والحفاظ عليه.

علومٌ خُدم [بها القرآن]، ثم جُعل مصدرًا وجُعل حَكَمًا. يبقى إذن منه وإليه، والخدمة دائرة عليه. هذا هو المحور، ومعناه هكذا: شيء هو محور، عامود يدور حوله كل شيء، الحضارة كلها تدور حوله.

هكذا فعلوا في القرآن وخدموه خدمة جليلة؛ فكتبوه وأصبحت هناك علوم لشكل القرآن، وعلوم لنقط القرآن، وضبط القرآن ونقط القرآن، وهناك علوم لتفسير القرآن، وكذلك علوم لتجويد القرآن.

جهود العلماء في تصنيف علوم القرآن والتفسير عبر التاريخ

وهناك علوم لتفسير القرآن، وعلوم القرآن كثيرة، إلى أن جمعها وجمع رؤوس أقلام فيها الإمام الزركشي في كتابه [البرهان في علوم القرآن]، والإمام السيوطي في كتابه [الإتقان في علوم القرآن]. فتكلموا عمّا نزل ليلًا ونهارًا، وصيفًا وشتاءً، وأرضًا وسماءً، شيء توسّع هكذا.

وألَّف المؤلفون في تفسير القرآن من كل جهة. لدينا الآن أكثر من مائتي تفسير مطبوع، ولدينا آلاف التفاسير المخطوطة. ثم إنه بعد ذلك، والتفسير يصنع الواحد منهم ثلاثين جزءًا أو عشرين جزءًا؛ فهذه مطبوعات: تفسير القرطبي عشرين جزءًا، وتفسير الرازي ثلاثين جزءًا.

القرآن الكريم لا تنتهي عجائبه ولا يَخلَق من كثرة الرد

وهكذا، لا تنتهي عجائبه ولا يَخلَق من كثرة الرد [كما أخبر النبي ﷺ].

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.