سورة المائدة | ح 996 | 54 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •تفسير الآية الكريمة "يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه" يبين رحمة الله وإمهاله للمرتد ليراجع نفسه.
- •استخدام "فسوف" يدل على إعطاء مهلة زمنية للمرتد للتفكر والعودة.
- •الموقف من المرتد يتضمن إنكار فعله وبيان خطورته مع ترك فرصة له للتفكر والعودة.
- •الارتداد قد يكون بسبب شبهات فكرية أو ميل للشهوات والهروب من تكاليف الدين.
- •الله سنته التغيير واستبدال الأقوام، والتركيز على تربية الجيل الجديد هو الأجدى.
- •أهمية بناء علاقة المسلم مع ربه على الحب قبل الخوف، فالله يحب عباده ويتجلى ذلك في عطائه لهم.
- •ينبغي تعليم الأبناء أن الله يحبهم وإظهار نعم الله عليهم كدليل على محبته.
- •الخوف من الله يأتي لاحقاً، فيكون خوفاً من إغضاب من يحبه، فيستحي العبد من معصيته.
- •المطلوب تحويل هدايات القرآن إلى برنامج حياة عملي.
افتتاح الدرس وتلاوة آية الردة من سورة المائدة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة المائدة يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ يُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍ﴾ [المائدة: 54]
الفرق بين قراءتي حفص وغيره في كلمة يرتد ويرتدد
في قراءة [غير حفص]:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدِدْ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 54]
وقراءة حفص: ﴿مَن يَرْتَدَّ﴾، فهذه مدغمة وهذه غير مدغمة. ﴿مَن يَرْتَدَّ﴾ و﴿مَن يَرْتَدِدْ﴾ هما واحد [في المعنى]، ولكن الأداء يختلف.
رحمة الله في إعطاء المرتد فرصة للتوبة والرجوع
﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ﴾ كلمة يجب أن نقف عندها، وهو أن الله رحيم يعطي الفرصة إثر الفرصة، والمرة إثر المرة لك حتى تعود وحتى تتوب.
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾ [المائدة: 54]
فالفاء للتعقيب، والتعقيب يقتضي مدة، وسوف للاستقبال، والاستقبال منسوب إلى الوقت المستقبل. إذن توجد قضية هنا [في الآية] فيها وقت، وهذا الوقت لصالح مَن؟ لصالح ذلك الذي فكّر أو قدّر أو نفّذ الارتداد.
إذن هذا المرتد لن تنخسف به الأرض؛ سيُعطى فرصة ووقتًا لأن يراجع نفسه وأن يعود.
التفكير والتقدير مع التراخي فرصة إلهية للمراجعة والتوبة
فكّر وقدّر، ثم فكّر وقدّر، يعني أن هنا فكّر وقدّر، وبعد ذلك قال ثم، فيكون فيها ترتيب مع التراخي في الفكرة. حسنًا، لقد أعطيتك فرصة لتفكر.
إذن الموقف من الارتداد أننا ننكره ونبيّن للناس وللمرتد أنه قد ارتكب كبيرة من الكبائر وفظيعة من الفظائع، وأنه انحرف عن الجنة وعن طريق الله، وأنه قد دخل في غضب الله، وأنه انسحب من طريق الجنة إلى طريق جهنم. ونقول هكذا للمرتد.
ثانيًا، نتركه يفكر لعله يعود ويفكر ويقدر، ثم ينظر ويفكر ويقدر حتى يهديه الله سبحانه وتعالى مما علق في ذهنه من شبهات، أو ألقى الشيطان في باله وخاطره من أسئلة.
من أسباب الردة التعلق بالشهوات والتضايق من التكاليف الشرعية
أو غلبته نفسه في المعاصي، فلقد شاهدنا كثيرًا ممن ارتد في سلوكه عن دين الإسلام كان سبب ذلك تعلقه بالشهوات والمعاصي، ورأى في التكليف قيودًا يريد أن يفلت منها: حرَّمتم علينا الخمر، وحرَّمتم علينا الخنزير، وحرَّمتم علينا الزنا، وحرَّمتم علينا هذا والمخدرات. لماذا هكذا؟ دعونا نمضي هكذا سبهللة!
فإذا كانت القضية أن الله رحيم وأنه يعطي للعاصي فرصة التوبة والرجوع إليه سبحانه وتعالى، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ [المائدة: 54].
قصة تيه بني إسرائيل وسنة الله في تغيير الأجيال والتربية
عندما تاه بنو إسرائيل في التيه، تاهوا كم سنة؟ أربعين سنة يتيهون في الأرض أربعين سنة، مرت على جيلين فتغيرت النفوس.
إذن ربنا عندما يريد أن يذهب بقوم ويأتي بآخرين، جرت سنته أنه ماذا [يفعل]؟ يعني أن يكون هناك جيل مضى ثم جيل ثانٍ حتى يأتي الجيل الثالث.
وهذا [معنى] ﴿فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ [المائدة: 54]، يبين من طرف خفي التربية. فالناس التي فسدت هذه والجيل الذي فسد، إذا أردت تغييره فلا بد من التربية. يجب أن تربي الجيل الجديد، والجيل القديم هذا لا نرجو منه فائدة مثل التفاحة الفاسدة. ابدأ في الجيل الجديد، ربِّ الجيل الجديد.
صفات التربية الإيمانية وأهمية تعليم الأبناء محبة الله من خلال نعمه
صفات هذه التربية: الحب، والحب عطاء. ﴿يُحِبُّهُمْ﴾ [المائدة: 54]، فلا بد عليك أن تُشعر ابنك ومن تربي بعطاء الله له. ربنا يحبك، لماذا؟ لأنه يعطيك. ماذا أعطاني؟ نعم!
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم: 34]
اجلس وعُدّ له النعم، وانظر إلى النعم التي منحها الله لك، فهذا عطاء، وهذا العطاء دليل المحبة. فالله يحبك، هذا هو ما تربي عليه ابنك.
ربِّه على أن الله يحبه، ولا تربِّه على أن الله ينتقم منه وسيدخله النار، وأنه إذا كذب سيقطع لسانه، فيظل الولد نائمًا وهو خائف من شيء سيأتي ليقطع لسانه، والعلاقة بينه وبين ربنا تُبنى على الخوف قبل الحب.
أليس من الأفضل أن تعكس هذا المفهوم؟ ففي هذا [الآية] إشارة، وإلا فما فائدة تدبر القرآن؟ أنك تقف وتتفكر.
كيف تحصل على محبة الله وكل شيء من عطائه سبحانه
﴿يُحِبُّهُمْ﴾ [المائدة: 54]، وكيف تحصل على هذه المحبة؟ أولًا ما هو الحب؟ الحب عطاء. وهل الله يعطينا شيئًا؟ وهل من شيء إلا من عطاء الله؟
هذا كله من عند الله: صحتنا وأجسادنا ورزقنا وأوضاعنا وعلاقاتنا وهدايتنا، هذا كله من عند الله، هذا كله من خلق الله.
﴿هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ [لقمان: 11]
هذا كله من عند الله يقول: إنه يحبنا كثيرًا، نعم هذا.
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم: 34]
لن تستطيعوا إحصاءها.
بناء علاقة الطفل بالله على الحب أولاً ثم الخوف من إغضابه
عليك أن تُشعر الولد أن الله يحبه، وأن تبني العلاقة بينه وبين ربه على الحب لا على الخوف. الخوف يأتي بعد ذلك، بحيث يكون خائفًا من إغضاب الله الذي يحبه كثيرًا، فيستحي من أن يرتكب المعصية أمامه.
وإذا ارتكب المعصية فإنه يذوب كما يذوب الملح في الماء استحياءً من الله. هذا هو الكلام، فيكون الحياء من الله، والخوف من الله، والرهبة والإجلال لله، تنبع من أي شيء؟ من الحب.
تحويل مبادئ القرآن إلى برنامج حياة عملي في التربية على محبة الله
﴿يُحِبُّهُمْ﴾ [المائدة: 54]، علّمه في برامج تعليمك، وحوّلها. إبداعك يكمن في تحويلها من مبدأ، من إرشاد، من هداية؛ فهذا الكتاب [القرآن الكريم] هو كتاب هداية إلى برنامج حياة.
ماذا نقول له إذن؟ في المدرسة وفي المسجد وفي البيت كي نعلّمه كيف يحب ربنا.
كيف ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُٓ﴾ [المائدة: 54]؟ يجب أن هذا الولد لا يعرف فقط أن ربنا يحبه. وعلى فكرة، هذا الولد هو نحن أيضًا، فسنظل هكذا ونغير من أنفسنا على هذا الأساس إذا استطعنا، وإذا لم نستطع فلننظر إلى أولادنا.
حب الله عطاء وبيع النفس والمال لله دليل على المحبة المتبادلة
﴿وَيُحِبُّونَهُٓ﴾ [المائدة: 54]، حب الله والحب هذا عطاء.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ﴾ [التوبة: 111]
فبيع نفسك لربنا هو عطاء، هو حب، وبيع مالك لربنا الذي رزقك [هو كذلك حب وعطاء].
﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُٓ﴾ [المائدة: 54]، اسرح الآن في معنى ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ واستمتع بكلام الله سبحانه وتعالى.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
