سورة المائدة | ح 1009 | 63 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 1009 | 63 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

13 دقيقة
  • الربانيون هم العُبّاد المتقون الذين بينهم وبين الله صلة وثيقة، وهم كثيرو الذكر والدعاء، وجوههم منيرة بنور العبادة وقيام الليل.
  • الأحبار هم العلماء الذين يعلمون الناس الخير، والحبر مفرده حَبْر أو حِبْر، وسمي بذلك نسبة للمداد الذي يكتب به العلماء.
  • وجود الربانيين في الأمة فرض كفاية، فهم يدعون فيستجاب لهم، وليس بالضرورة أن يكونوا من العلماء الأكاديميين.
  • مهمة الربانيين والأحبار البيان وتبليغ أحكام الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، خاصة النهي عن قول الإثم وأكل السحت.
  • الإثم في القول يشمل شهادة الزور والكذب والغيبة والنميمة وكتمان الشهادة، وحذر النبي من خطورة اللسان.
  • على المجتمع الاستماع للربانيين والأحبار لأن نصحهم صادق، ومراحل الاستجابة: الاستماع، الفهم، التصديق، الحفظ، ثم العمل.
  • ينبغي المحافظة على الصلة بالله بكثرة الذكر والدعاء، فالدعاء عبادة والذكر سبب لطمأنينة القلوب.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة وتفسير آية النهي عن الإثم وأكل السحت في سورة المائدة

بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا رسولِ اللهِ وآلِهِ وصحبِهِ ومَن والاهُ.

معَ كتابِ اللهِ وفي سورةِ المائدةِ وعندَ قولِهِ تعالى:

﴿لَوْلَا يَنْهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: 63]

معنى الربانيين والأحبار في اللغة والاصطلاح

الربانيونَ والأحبارُ هُمُ العُبّادُ والعلماءُ. والأحبارُ جمعُ حَبْر أو حِبْر، أفادَهُ ابنُ العصام وقال: هو يأتي من المداد الذي يكتب به العلماء، ولذلك فأجاز [لفظة] حِبْر، في حين أن الجمهور [يرون] أنه أحبار مفردها حَبْر.

والربانيون أولئك الذين بينهم وبين الله سبحانه وتعالى صلة، وهم العبّاد الذين اتقوا الله سبحانه وتعالى فعلّمهم الله. ترى أحدهم كثير الذكر، كثير الدعاء، كثير الصلة بالله، مرشد يذكّرك وجهه بالله؛ إذا رأيته ذكرت الله، من الصالحين.

نور الوجه عند الصالحين وأسبابه من العبادة والعفاف

وهؤلاء [الربانيون] نراهم كثيرًا، نرى وجوههم منيرة، والحمد لله رب العالمين. وهذا النور الذي في الوجه يأتي من أمور كثيرة:

  • منها قيام الليل.
  • ومنها كثرة الذكر.
  • ومنها كثرة الصلاة على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
  • ومنها العفاف والبعد عن الخنا والفاحشة.

ولذلك ترى نساء المسلمين في كبر سنهن قد أنارت وجوههن جدًا، وذلك من العفاف.

الفرق بين الربانيين والأحبار في الدعاء والتعليم

المسلم يعرف أن الربانيين هم أولئك الذين يدعون فيُستجاب لهم، والأحبار هم أولئك الذين يعلّمون الناس الخير على العلم.

يقول الإمام السيوطي في كتاب ماتع له اسمه «تأييد الحقيقة العلية في تأييد الطريقة الشاذلية»: إن وجود الربانيين فرض كفاية في الأمة. يعني يجب أن يكون هناك شخص [من الربانيين]، وليس المقصود كل الأمة أن تذهب إليه وتقول له: ادعُ لي، فيدعو لك فيُستجاب، فتصبح مسرورًا، والهمّ الثقيل الذي عليك يزول ويخفّف عنك قليلًا.

قصة الرجل الذي دعا له الشيخ محمد أمين البغدادي فتنازل خصمه عن القضية

كان هناك من يحب الشيخ، شيخ مشايخنا، الشيخ محمد أمين البغدادي رحمه الله تعالى، وكان عليه شيك في المحكمة وقضية، فانقطع عن الشيخ شهرًا أو شهرين. فالهمُّ فالدَّين همٌّ بالليل وذلٌّ بالنهار.

وبعد ذلك قابل الشيخ مرة هكذا خلف [مسجد] سيدنا الحسين هنا، فقال له: لم نرك منذ زمن، لماذا؟ كان النبي [صلى الله عليه وسلم] يتفقد أصحابه، فعندما لا يراك مدة طويلة هكذا، يقوم ويقول لك هكذا [يسأل عنك]. قال له: أنا صاحب همٍّ ولا أريد أن أُثقِل عليك بهمّي يا سيدنا.

قال له: حسنًا، تعالَ لكي ندعو لك. همٌّ ماذا؟ لا قدَّر الله. قال له: لديَّ قضية فيها كذا وكذا، والرجل يريد أن يحبسني. فدعا له الشيخ وانصرف.

استجابة الدعاء وتنازل الخصم عن القضية والدين بعد دعاء الشيخ

وذهب الرجل إلى المحكمة، فإذا بالرجل [الخصم] يتنازل عن القضية، ثم يعفو عنه في دينه. فقال له: خلاص، عفونا عنك وأنا مخطئ، ثم قبَّل رأسه وأسقط عنه دينه.

فذهب فرحًا إلى الشيخ وقال: يا سيدنا، الحمد لله! فقال له: ألم أخبرك منذ قليل أن هؤلاء من الربانيين، ووجودهم في الأمة فرض كفاية؟ لا بد أن يكون هناك أناس هكذا تذهب إليهم وتقول: ادعُ لي. أناس من الصالحين هكذا، وليس ضروريًا أن يكونوا من العلماء أبدًا، لكن يكون من الصالحين ويدعو لك.

الفرق بين الرباني والحبر في العلم والتقوى ودورهما في النهي عن المنكر

أما الأحبار فهم العلماء. الربانيون لأنه رجل تقي، قال تعالى:

﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]

أيضًا عنده علم ولكن ليس علمًا أكاديميًا، لا يعرف العلم الأكاديمي، هذا ليس ضروريًا. كانوا يقولون لسيدنا الشيخ الخطيب رحمه الله: نجد بعض الأخطاء النحوية في الوظيفة الزروقية. الشيخ زروق من أولياء الله الصالحين، إنما فيه بعض الهنات [اللغوية]. قال له: ما هو كان من الربانيين وليس من الأحبار.

يعني هذا أمر سهل، فالرباني ليس بالضرورة أن يكون لديه العلم الأكاديمي أو ما شابه، ولكنه منوَّر [بنور الإيمان].

دور الربانيين والأحبار في النهي عن أكل السحت وقول الإثم

فكانوا [الربانيون والأحبار] ينهونهم عن أكل السحت؛ لأن الرباني لا يحب الرشوة ولا الاغتصاب ولا السرقة ولا البهدلة هذه كلها، فينصحك في دينك مرشد.

والأحبار ينهونه [بالحجة والدليل]؛ هذا [الرباني] يقول له: حرام عليك، وهذا [الحَبْر] يقول له: لقوله تعالى كذا، ولقول النبي [صلى الله عليه وسلم] كذا، ولأن العلماء أجمعوا على كذا. يعني إنما الاثنان يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر.

أنواع الإثم في القول من الشرك وشهادة الزور والكذب والغيبة وكتمان الشهادة

﴿لَوْلَا يَنْهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلْإِثْمَ﴾ [المائدة: 63]، والإثم في القول يتمثل في:

  1. الشرك بالله [سبحانه وتعالى].
  2. شهادة الظلم [شهادة الزور].
  3. الكذب.
  4. الغيبة والنميمة والبهتان.
  5. كتمان الشهادة؛ أي يقول: لا أعرف وهو يعرف، لن أشهد. كلامه فيه إثم.

فالإثم في القول متعلق باللسان.

تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من خطورة اللسان وحصائد الألسنة

ورسول الله صلى الله عليه وسلم حذّر معاذًا [بن جبل رضي الله عنه] من اللسان، فقال [معاذ]:

أنُؤاخَذ بما نقول يا رسول الله؟ ما نحن قاعدون نقول لا يحدث شيء! يعني [هل نُحاسب على الكلام؟] قال [صلى الله عليه وسلم]:

«وهل يكبّ الناسَ في النار على وجوههم إلا حصائدُ ألسنتهم»

هل هناك شيء يُدخل النار أكثر من حصائد الألسنة؟ وكان [صلى الله عليه وسلم] يقول:

«اضمن لي ما بين لَحْيَيك وما بين فخذيك أضمن لك الجنة» صلى الله عليه وسلم.

مهمة الربانيين والأحبار في البيان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

مهمة الربانيين ومهمة الأحبار في المجتمع هي البيان؛ فلا بد أن يبلّغوا عن الله سبحانه وتعالى، ولا بد عليهم أن يأمروا بالمعروف وأن ينهوا عن المنكر، ولا بد عليهم من إسداء النصيحة.

ولا بد على المجتمع أن يستمع إلى هؤلاء؛ لأن نصحهم صادق يخرج من قلوبهم، يريدون به وجه الله، يريدون به مصلحة الأمة، [يريدون به] إصلاح حال الناس، يريدون به عمارة الكون، يريدون به الخير والحق. ولذلك فلا بد أن نستمع إليهم.

مراحل الاستماع الخمس من السماع إلى الفهم والتصديق والحفظ والعمل

والاستماع قد يكون بالظاهر وقد يكون بالاستجابة. سمعتك، حسنًا، لقد فهمت حسنًا، أين [العمل]؟

يقول لك أربع مراحل يتلوها خامسة:

  1. أن تستمع.
  2. ثم أن تفهم.
  3. ثم أن تصدّق.
  4. ثم أن تحفظ.
  5. ويتلوها العمل.

فلو لم تسمع، فلن تفهم ولن تصدّق. فاسمع! العمل [يبدأ] بأول مرحلة وهي الاستماع. اسمع أولًا، وبعد ذلك افهم، وبعد ذلك صدّق وآمن، وبعد التصديق احفظ، وبعد الحفظ اعمل. إنما لو لم أسمع ضاع عليك هذا كله.

ذم الله لمن لم يستجب لنهي الربانيين والأحبار عن الإثم والسحت

﴿لَوْلَا يَنْهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: 63].

أما لو لم يكن الأحبار والربانيون نهوكم، كنتم ماذا [ستفعلون]؟ فنهيُ الأحبار ونهيُ الربانيين عن أكل السحت وقول الإثم وغير ذلك إلى آخره، [يكون] في التبليغ وفي إقامة الحجة على الناس، وإعذار بأنهم ليس لهم حجة وليس لهم أن يعتذروا بعدم العلم.

ثم بعد ذلك الاستماع، وبعد الاستماع بمعنى الاستجابة يكون حسن الصناعة، صناعة الفعل. ولكنهم لم يفعلوا هذا فلم يستجيبوا لهم، فذمّهم الله سبحانه وتعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: 63].

وجوب التخلق بالأخلاق الحسنة والإكثار من الذكر والدعاء وفضلهما

يجب علينا أن نتخلق بهذه الأخلاق وأن نبتعد عن الإثم في القول والعمل، وعن العدوان، وعن أكل السحت. ويجب علينا أن نحافظ على الصلة بيننا وبين الله، وأن نكثر الدعاء وأن نكثر الذكر.

الدعاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«الدعاء هو العبادة»

والذكر لأن الله سبحانه وتعالى جعله دليلًا على رقة القلوب وعلى الفضل العميم، فقال:

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35]

﴿وَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10]

فضل من شغله ذكر الله عن مسألته في الحديث القدسي والختام

ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث قدسي يبلّغ فيه عن ربه:

«من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أُعطي السائلين»

فاللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.