سورة المائدة | ح 1006 | 60 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 1006 | 60 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • تحليل كلمة "الطاغوت" في قوله تعالى: "وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت" بأنها مشتقة من الطغيان وتعني كل ما يُعبد من دون الله.
  • الطاغوت صيغة سماعية قليلة الورود وعظيمة المعنى، على وزن "لاهوت" و"رحموت" و"عظموت"، وهي تفيد المبالغة.
  • الصيغ السماعية يجب الوقوف فيها عند ما سمع من العرب ولا يجوز القياس عليها.
  • كلمتا "شر" و"خير" تأتيان بمعنى "أشر" و"أخير" على أفعل التفضيل.
  • أفعل التفضيل يقتضي المشاركة غالبًا بين طرفين في صفة معينة مع زيادة أحدهما على الآخر.
  • قد يخرج أفعل التفضيل عن بابه فلا يقتضي المشاركة، بل يكون المفضل وحده متصفًا بالصفة والآخر كالعدم.
  • قوله "أولئك شر مكانًا" يعني أنهم أشر مكانًا وليس في المؤمنين شر، فالشر كله في أولئك.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

افتتاح الدرس وتلاوة آية سورة المائدة عن عبادة الطاغوت

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، وعند قوله تعالى:

﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَ أُولَـٰٓئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [المائدة: 60]

معنى كلمة الطاغوت وصيغتها الصرفية العربية النادرة

وعبَدَ الطاغوت؛ والطاغوت هو كل ما يُعبد من دون الله سبحانه وتعالى، وهي صيغة عربية قليلة الورود عظيمة المعنى.

فكلمة الطاغوت كلمة لها وزن، ووزنوا عليها لاهوت، ووزنوا على مثلها رحموت، ووزنوا أيضًا على مثلها عظموت من العظمة والرحمة والألوهية. وهي تفيد المبالغة في الشيء.

وهذه [الصيغة] سماعية؛ أي أننا سمعنا من العرب رحموت وعظموت وطاغوت، لكن ليست قياسية؛ يعني أننا يمكن أن نصوغ بها أي شيء.

لماذا لا يجوز القياس على صيغة فاعلوت في اللغة العربية

فلا يجوز لنا مثلًا أن نقول "رافوت" من الرأفة مثلًا، هذا غير صحيح. لماذا؟ لأنها سماعية، والسماعية نقف بها عند سماع العرب.

فهم نطقوا باللاهوت وبالعظموت وبالرحموت وبالطاغوت، ولم ينطقوا بالرافوت؛ فلا، لا يمكن لأحدنا أن يقيس لأنها هكذا وردت [عن العرب].

علاقة كلمة الطاغوت بالطغيان وتجاوز حد التوحيد

والطاغوت من الطغيان؛ لأن عبادة غير الله سبحانه وتعالى فيها تجاوز عن الحد. طاغوت فيها طغيان، والله سبحانه وتعالى لا يحب الطغيان لا في السلوك ولا في الاعتقاد.

وإذا تجاوزنا التوحيد الخالص نكون قد طغينا؛ أي تجاوزنا الحد. فعبادة غير الله سبحانه فيها تجاوز الحد.

بيان حال الذين عبدوا الطاغوت وأنهم شر مكانًا

وعبَدَ الطاغوت، وجعل منهم القردة والخنازير وعبَدَ الطاغوت. أولئك هؤلاء الذين تجاوزوا، وهؤلاء الذين غضب الله عليهم، وهؤلاء الذين لعنهم الله سبحانه وتعالى شرٌّ مكانًا.

وكلمة شر وكلمة خير تَرِدُ هكذا، والقصد منها أفعال التفضيل؛ كلمة شر معناها أشرّ، وكلمة خير معناها أخير.

شرح أفعل التفضيل واقتضاؤه المشاركة والزيادة بين طرفين

وعندما نستعمل أفعل التفضيل في الفهم العربي [نجد] أننا نقارن بين شيئين. أول شيء مباشرة حالما نسمع كلمة أشرّ أو أفعل أو أخير، فهذا يعني أن هناك شيئًا اشترك في المعنى وزاد أحدهما على الآخر في ذلك المعنى.

فعندما نقول "أجمل" و"أجمل منك لم تر قط عيني"، فهذا يعني أن هناك طرفين بينهما مقارنة يشتركان في الجمال، إلا أن أحدهما أكثر جمالًا، وهو الصفة التي اشترك فيها مع الآخر.

فكلمة أجمل معناها إثبات الجمال لطرف، وإثبات الجمال الزائد لطرف آخر.

الفرق بين وصف جميل وأجمل ودلالة التفضيل على المنافسة والفوز

فإذا قلت لأحدهم إنك جميل، لم يعنِ ذلك زيادة الجمال فيه، لكن لو قلت له إنك أجمل يعني هذا زيادة الجمال فيه.

فأيهما أبلغ: جميلٌ أم أجمل؟ فالأجمل فيها منافسة ثم فيها فوز؛ ففيها طرفان يتنافسان مع بعضهما، لكن أحدهما غلب وفاز. إذن دائمًا صيغة أفعل التفضيل فيها فوز.

تطبيق أفعل التفضيل على جمال النبي ﷺ في أبيات المدح

فعندما قال "وأجمل منك" إنما يقصد الزيادة والفوز والربح؛ فإن أحدًا من الكائنات الجميلة - لأن غير الجميل خارج من المنافسة - إنما الذي [يملك] الجمال كله إذا قارناه بجمال سيدنا [محمد] صلى الله عليه وآله وسلم لكان جمال سيدنا أعلى، فيصبح هو الفائز، ويصبح هو الأربح.

وأجمل منك، ثم التي بعدها: لم تر قط عيني، وأجمل منك لم تلد النساء، خُلِقتَ مبرأً من كل عيب، كأنك قد خُلِقتَ كما تشاء. فاللهم صلِّ وسلِّم على سيد الكائنات.

هل أفعل التفضيل يقتضي المشاركة دائمًا أم غالبًا

أفعل التفضيل يقتضي المشاركة، إلا أنهم في ذلك قد قالوا كلامًا: هل يقتضي المشاركة غالبًا أم دائمًا؟ قالوا: لا، يقتضي المشاركة غالبًا.

حسنًا، إذا لم يقتضِ المشاركة فماذا يتبقى من أفعل التفضيل؟ يتبقى الفوز والربح. لقد قلنا إنه يقتضي المشاركة ويقتضي أن أحدهما أزيد من الآخر، فهو يقتضي ذلك شيئان: المشاركة هي رقم واحد، والزيادة رقم اثنين. فهذا يقتضي المشاركة غالبًا.

معنى أفعل التفضيل حين لا تكون هناك مشاركة بين الطرفين

حسنًا، إذن هنا لا توجد مشاركة عندما يقول [العلماء] غالبًا؛ فما ليس غالبًا لا توجد فيه مشاركة. إذن ماذا يوجد؟ قال: توجد زيادة التي تدل على الربح في المنافسة، وكأن الآخر تضاءل حتى وصل به الحال إلى أنه عدم أو كالعدم.

عندما يكون "أجمل" من باب أفعل التفضيل الذي يقتضي المشاركة فإننا نسير على الغالب، وعندما تكون "أجمل" على غير بابه، أي ماذا يعني على غير بابه؟ يعني لا تقتضي المشاركة. وما معنى ذلك؟ أنه هو الجميل وحده فقط.

تشبيه أفعل التفضيل بدون مشاركة بالفوز بالتزكية في الانتخابات

حسنًا، والآخر لا يصح أن يُقارن به، لا علاقة لهذا بذاك. معناه أن الطرف الأول هو الذي بقي، والطرف المنافس هو عدم أو كالعدم.

مثل الانتخابات: المفترض أن يترشح فيها عدة أشخاص، ثم تُجرى الانتخابات وبعدها يفوز أحدهم ويخسر الآخر. حسنًا، افترض أنه لم يترشح إلا شخص واحد فقط، فيقولون إنهم أخذوها بالتزكية. التزكية هنا تعني أنه لا يوجد منافس، فيكون الذي سيفوز بها لأنه لا يوجد منافس، هو لا أحد أمامه، لا أحد بمستواه.

تطبيق صيغة التفضيل على آية أولئك شر مكانًا وختام الدرس

إذن، صيغة التفضيل قد ترد لتفيد المشاركة غالبًا، وقد ترد على غير أصلها. فهمنا هذا الكلام، فهمناه.

فعندما يقول [الله تعالى]: أولئك شرٌّ مكانًا، يعني أشرّ مكانًا. حسنًا، والمؤمنون فيهم بعض الشر، فيكون هذا [التفضيل] ليس على بابه، ويكون هؤلاء شرّ وأفعل تفضيل، لكن الشر كله [فيهم]، والذين أمامهم [أي المؤمنون] ليس فيهم ولا قطعة شر؛ فالشر فيهم [أي في المؤمنين] عدم أو كالعدم.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.