سورة المائدة | ح 998 | 54 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 998 | 54 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • تفسير آية سورة المائدة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ يبين ضرورة تبادل الحب بين العبد وربه لتحقيق كمال الاتصال والوصال.
  • الصفات المذكورة في الآية تشمل: الذلة مع المؤمنين والعزة مع الكافرين، والجهاد في سبيل الله، وعدم الخوف من لومة لائم.
  • الجهاد يشمل جهاد النفس الذي وصفه النبي ﷺ بالجهاد الأكبر، والأمر بالمعروف، والحج، وكلمة الحق عند السلطان.
  • المجاهد في سبيل الله يعود فارساً نبيلاً يحمي مجتمعه، بينما المقاتل العادي قد يكون بلطجياً يستخدم القوة بغير حق.
  • نهى النبي ﷺ عن شهادة الزور وعدّها من أكبر الكبائر.
  • ليس في الإسلام قاعدة "الغاية تبرر الوسيلة"، فالوسائل الحرام لا يُتوصل بها إلى مقاصد شريفة.
  • عدم الخوف من لومة لائم يشمل كل جوانب الحياة والمعاملات، وليس فقط في الأحكام الشرعية.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية الردة وصفات القوم المحبوبين من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، وعند قوله تعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ﴾ [المائدة: 54]

وهذه [يُحِبُّهُمْ] واحدة،

﴿وَيُحِبُّونَهُٓ﴾ [المائدة: 54]

هذه الثانية،

﴿أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [المائدة: 54]

يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم. ست صفات وردت في هذه الآية الكريمة.

صفة الحب المتبادل بين العبد وربه وشرط كمال الاتصال والوصال

صفة الحب ويجب أن يكون من الطرفين؛ يحبهم ويحبونه. فإذا شعرت أنه [سبحانه وتعالى] يحبك وأنت لا تحبه، لا يتم كمال الاتصال والوصال. وإذا كنت تحبه وتشعر أنه لا يحبك، لا يتم كمال الاتصال والوصال.

فلا بد من الأمرين معًا حتى تتم الدائرة، دائرة الحب.

صفتا الذلة للمؤمنين والعزة على الكافرين وموازنات الأمة في التعامل

ثم هاتان الصفتان المتقابلتان: أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين. تجعل هذه الصفات لداخل الأمة؛ فليس من حق الكافر أن يتحدث معي [قائلًا]: لِمَ لا تكون ذليلًا معي كما أنت ذليل مع أخيك المؤمن؟ لأنك لست معي في أمتي.

ونحن هنا نبني أمة، هذه الأمة تعرف تمامًا كيف توازن في التعامل ما بين المبادئ والمصالح، وتعرف تمامًا كيف توازن بين التعايش والمفاصلة، وتعرف تمامًا كيف توازن ما بين البقاء وما بين حسن الجوار.

أساس القضية حب الله وحسن الجوار والصفات الأربع المتفرعة عنهما

وأساس القضية هي أننا نحب الله ونشعر أن الله يحبنا، وأن عندنا حسن الجوار. وتحت حسن الجوار هذه الصفات الأربعة:

  1. أذلة على المؤمنين.
  2. أعزة على الكافرين.
  3. يجاهدون في سبيل الله.
  4. ولا يخافون لومة لائم.

سعة مفهوم الجهاد في الإسلام وجهاد النفس هو الجهاد الأكبر

والجهاد وسَّعه الإسلام، فأصبح عندنا جهاد النفس، وهو جهاد كبير مستمر مع الإنسان. قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة رجع منها، فيما أخرجه البيهقي في كتاب [الزهد] مرفوعًا إلى سيدنا رسول الله:

قال رسول الله ﷺ: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، وهو جهاد النفس»

وذلك أن الجهاد الأصغر يمكث شهرًا أو شهرين، معركة سنة أو سنتين، ولكن الجهاد الأكبر هو جهاد العمر كله.

تقييد الجهاد بأنه في سبيل الله والفرق بين المجاهد والبلطجي

قيَّد الله دائمًا الجهاد بقوله في سبيل الله؛ ولذلك المجاهد فارس نبيل، والمقاتل قد يكون فارسًا نبيلًا وقد يكون بلطجيًا.

كلمة [بلطجي] كلمة تركية مشتقة من البلطة، والبلطة هي أداة كالفأس تُستخدم لضرب الشجر وفيها عنف، وكانوا يذبحون بها شر ذبحة. فحين يقال لك إنه بلطجي، فهذا يعني أنه يقتل بغير حق.

أما الجهاد فهو مقيد بأنه في سبيل الله، والمجاهد في سبيل الله عندما يعود، يعود فارسًا نبيلًا؛ فيُحسن جوار الجار، لا يفرض إتاوة على الحي، ويمسك الحي ويمارس عليهم قوته وفنون قتاله، لا، إنه يحمي الحي ويحمي أبناءه وبناته، فارس شهم علمته العسكرية الإسلامية أنه يفعل ذلك في سبيل الله.

سعة معنى الجهاد في سبيل الله ليشمل الحج والأمر بالمعروف ومجاهدة النفس

فالجهاد في سبيل الله معناه واسع، يشمل:

  • الحج.
  • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  • القتال في سبيل الله.
  • مجاهدة النفس.
  • ويشمل كل شيء، حتى كلمة الحق عند السلطان الجائر.

وهذا في حسن الجوار.

صفة عدم الخوف من لومة لائم والحكم بالعدل والقسط دون تحيز

لا يخاف لومة لائم؛ فدائمًا يحكم بالعدل، يحكم بالقسط والقسطاس المستقيم، يحكم من غير تحيز، لا مع ولا ضد.

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]

ولو كان ذا قربى،

﴿وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُوا﴾ [الأنعام: 152]

يعني كلام فيه نزاهة، فيه شفافية، فيه صدق. وهذا هو أنه لا يخاف لومة لائم.

تحريم شهادة الزور وتشديد النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير منها

لقد حرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا وشدّد في التحريم شهادة الزور. وكان يعدد أشياء [من الكبائر] وكان متكئًا على أريكته، فقام وقال:

قال رسول الله ﷺ: «ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور»

يكررها ثلاثًا. هذه الالتفاتة [من النبي ﷺ بالقيام والتكرار] تجعل المتلقي يدرك أن شهادة الزور من أكبر الكبائر وليس لها تأويل.

حرمة شهادة الزور حتى لو كان صاحبها يظن أنه ينصر صاحب حق

يأتيني شخص يسألني قائلًا: هذا معه الحق ولكن ليس معه شاهد أو لم أرَ، [فهل أشهد له؟] النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن كل ذلك وقال:

قال رسول الله ﷺ: «أرأيت الشمس؟ فعلى مثلها فاشهد»

أما هذا [الذي لم ترَ حقه بعينك] فربنا لم يخصص له شاهدًا؛ فالله غالب على أمره. وإن كان صاحب حق ينصره الله، ولكن من عنده [سبحانه]، لا بشهادة الزور.

ولو كان صاحب حق يأخذ الله حقه في الدنيا والآخرة. الأمر ليس لعبة، ولكن ليس من طريق شهادة الزور أن تشهد زورًا أمام القاضي؛ فهذه كبيرة من الكبائر، وستظل كبيرة ولا مبرر لها مهما كانت الظروف ومهما كانت المقاصد الحسنة.

قاعدة أن الغاية لا تبرر الوسيلة والوسائل تأخذ حكم المقاصد في الإسلام

فإنه ليس في دين الإسلام أن الغاية تبرر الوسيلة، ليس عندنا هكذا. الوسائل تأخذ حكم المقاصد؛ فإذا كانت المقاصد حرامًا حُرمت وسائلها، لكن الوسائل الحرام لا يُتوصل بها إلى مقاصد شريفة، لا يصح.

الفرق بين عدم خوف لومة لائم في الله وعدم خوف لومة لائم مطلقاً

إذا كونك لا تخاف في الله لومة لائم، وكونك لا تخاف لومة لائم [مطلقًا]، وفي فرق بينهما:

لا تخاف في الله لومة لائم يعني أن الأمر متعلق بحكم شرعي؛ فلا تخاف في الله حينئذ لومة لائم، فلتأمر بالمعروف وانهَ عن المنكر ولتبلّغ أحكام الله.

لكن هنا [في الآية] أطلقها فقال:

﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍ﴾ [المائدة: 54]

ليس فيها "في الله"، وهذا معناه أن الأمر يتعلق بعمارة الدنيا، ويتعلق بالنصيحة العامة، ويتعلق بحسن الجوار.

حسن الجوار يشمل كل مجالات الحياة وليس السكن فقط

وحسن الجوار ليس فقط جارك في السكن، وهو أمر مهم أن تكرم جارك وأن تعطيه حقه في السكن، لكن أيضًا جارك في كل شيء: في المسجد، وفي العمل، وفي المدرسة، وفي كل شيء.

فهنا قالوا: كلما قلت القيود كثر الموجود؛ فعندما لم يذكر لفظ الجلالة هنا [في الآية]، كانت هذه الكلمة "ولا يخافون لومة لائم" يعني في الدنيا والآخرة، يعني في الدين والدنيا، يعني في العام والخاص، في كل شيء.

ليس في قضية تتعلق بالأحكام الشرعية الإلهية فقط، لا، وهو أمر مطلوب لكنه فرد من أفراد هذه الآية.

عدم خوف لومة لائم يشمل كل مناحي الحياة ومعنى الدين النصيحة

ولا يخافون لومة لائم في كل شيء؛ فلا يخافوا لومة لائم في صناعة، في زراعة، في تجارة، في حياة، في أي شيء. عليه أن يؤدي [ما عليه من حق].

وهذا معنى الدين النصيحة. قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال:

قال رسول الله ﷺ: «لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»

فدخلنا حينئذ في نطاق واسع.

خاتمة الدرس وبيان أن هذه الصفات فضل من الله يؤتيه من يشاء

﴿ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: 54]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.