سورة المائدة | ح 1025 | 72 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 1025 | 72 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • يؤكد النص مبدأ التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى استناداً إلى قوله تعالى: "لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم".
  • ينفي النص فكرة الحلول والاتحاد بين الله والبشر، فالله واحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد.
  • الفارق بين الخالق والمخلوق ثابت، فمن عرف ربه بالقدم عرف نفسه بالحدوث، ومن عرف ربه بالبقاء عرف نفسه بالفناء.
  • ظهر متألهون عبر التاريخ ادعوا الألوهية إما لخلل عقلي أو طغيان كفرعون والنمرود.
  • عيسى عليه السلام من أولي العزم من الرسل، وقد عظمه المسلمون ونزهوه عن الذنوب.
  • لم يدّع المسيح الألوهية بل قال: "يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم".
  • القرآن ذكر مريم بالاسم لينفي أي علاقة زوجية لله بها كما كانت تعتقد العرب.
  • من يشرك بالله أو يعتقد أن المسيح هو الله فقد انحرف عن جادة الإيمان والتوحيد.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة تلاوة آية سورة المائدة في تكفير من ادعى ألوهية المسيح

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يحكي لنا ربنا سبحانه وتعالى فيقول:

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 72]

تعليم الله البشرية وحدانيته ونفي الحلول والاتحاد في ذاته سبحانه

يُعلِّم الله البشرية أنه واحد أحد فرد صمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. هو واحد في ذاته وأحد في صفاته، سبحان الله.

وأن أحدًا من البشر لا يمكن أن يتحد به، ولا يمكن أن يحلّ سبحانه وتعالى فيه [في هذا البشر]؛ فالحلول والاتحاد ممنوعان، فالرب ربٌّ والعبد عبدٌ، وهناك فارق بين المخلوق والخالق.

معرفة العبد لربه بالقدم والبقاء تستلزم معرفة نفسه بالحدوث والفناء

ومن عرف ربه بالقِدَم عرف نفسه بالحدوث والعجز والعدم، ومن عرف ربه بالبقاء عرف نفسه بالفناء، ومن عرف ربه الأول الآخر عرف نفسه الحادث الميت.

ومن عرف ربه سبحانه وتعالى عرَّف نفسه:

﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ [الأنعام: 103]

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]

﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4]

المتألهون عبر التاريخ بين خلل العقل وطغيان النفس كفرعون والنمرود

المتألهون عبر التاريخ كثيرون، منهم من ادّعوا الألوهية إما عن خلل في عقولهم وإما عن طغيان وبغي؛ مثل فرعون، ومثل النمرود، ومثل الحاكم بأمر الله الفاطمي، ومثل فلان وعلان عبر التاريخ. هناك متألهون ادّعوا الألوهية.

وقال فرعون:

﴿أَنَا رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ [النازعات: 24]

هكذا بالتصريح الواضح. وهناك من لم يدّعِ الألوهية، ومنهم سيدنا عيسى وسيدنا عزير؛ فقد كانوا أنبياء أتقياء وكانوا من المصطفين الأخيار.

مكانة سيدنا عيسى عند المسلمين وحديث الشفاعة العظمى يوم القيامة

سيدنا عيسى هذا أمر آخر؛ إنه من أولي العزم من الرسل بعد سيدنا محمد ﷺ مباشرة عند المسلمين. هكذا هو سيدنا محمد ﷺ فيما أخرجه البخاري؛ يأتيه الخلق يوم القيامة بعدما ذهبوا إلى آدم وإبراهيم وموسى وعيسى، وكلهم، كل واحد منهم يعتذر عن الشفاعة العظمى لشيء بينه وبين الله.

ولما جاء الأمر إلى سيدنا عيسى قال: اذهبوا إلى محمد، من غير أن يذكر شيئًا يمنعه من الشفاعة العظمى. يعني سيدنا آدم اعتذر بالمعصية التي تتعلق بالأكل، وسيدنا نوح اعتذر بسؤاله عن ابنه، وسيدنا إبراهيم اعتذر عن كذبات ثلاث، وسيدنا موسى اعتذر عن الشخص الذي قتله.

نقاء سيدنا عيسى من الذنوب وعدم استهلاله صارخًا عند ولادته

أما سيدنا عيسى ماذا فعل؟ نقيٌّ تمامًا، مخلصٌ، لم يرتكب ذنبًا قط. أنه عندما وُلِد لم يستهلّ صارخًا؛ فكل مولود عندما يولد تجده يصرخ لكي يستنشق الهواء؛ لأن رئتيه مكتومة في الداخل، هو كان يتنفس عبر الحبل السُّري.

فعندما يخرج إلى الهواء يصرخ، ويسمون هذه الصرخة استهلّ صارخًا. يقولون إن أصل هذا أن الشيطان متغيّظ منه فيقوم بوكزه هكذا. يقول لك: ولم يستهلّ عيسى صارخًا، يعني كأن الشيطان ليس له عليه سبيل، شيء من عند الله. هذا تعظيم المسلمين لسيدنا عيسى.

تسمية القرآن لعيسى بالمسيح ونفي عقيدة الحلول والاتحاد بالنص القرآني

وقد سماه القرآن المسيح؛ لأنه كان ملكًا لبني إسرائيل، وكلمة المسيح معناها الملك.

ولكن القرآن جاء وبنى عقيدة الحق على نفي الحلول والاتحاد؛ فليس هناك من البشر قد اتحد به الله أو حلّ فيه، سواء بالطبيعة الواحدة أو بالطبيعتين أو بالإشعاع الرابط أو بأي حال من هذه الأحوال. وهذا انحراف عن جادة الإيمان والتوحيد.

ومن يعتقد في المسيح أنه هو الله أو أنه ابن لله ليس بالمعنى المجازي -فكلنا أبناء الله- وإنما بالمعنى النسبي، فقد كفر بالإيمان الذي يريده الله للخلاص يوم القيامة، وانحرف بهذا الكفر عن جادة الصواب.

تفرد القرآن بذكر اسم السيدة مريم ونفي الزوجية عن الله سبحانه

﴿لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 72]

ولم يصرّح ربنا باسم امرأة قط في القرآن إلا بالسيدة مريم الصدّيقة.

﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: 30]

هذا الكلام ممنوع؛ عزير لم يقل [إنه ابن الله]، ولا سيدنا المسيح قال [ذلك]، لا في كتبنا ولا في كتبهم.

مناقشة النصارى في دعوى عبادة المسيح والرد عليهم بالنص القرآني

ولذلك عندما نناقش الناس في العالم فيقولون: لا، أنتم لديكم فكرة خاطئة عنا، نحن لا نعبد المسيح. نقول لهم: حسنًا، إذن نحن أخذنا فكرة خاطئة، لكن على فكرة:

﴿لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 72]

قال [أحدهم]: لا، ولكن هذه مسائل فلسفية لا نستطيع شرحها. فقلنا له: حسنًا، ليكن، الله هو الأحد الواحد الأحد، ولكن على فكرة:

﴿لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 72]

حكمة ذكر اسم مريم في القرآن لنفي الزوجية عن الله ومخاطبة العرب

وقد أظهر الاسم الشريف للسيدة مريم حتى ينفي عن نفسه [سبحانه] أنه زوج لها، كما كانت تعتقد العرب: أن السيدة مريم تكون متزوجة؟ ربنا لا، ليس هناك شيء مثل هذا؛ لأن العرب كانت لا تذكر على الملأ أسماء نسائها.

فعندما ذُكرت مريم مباشرة، العربي يقول: لا، ليس ممكنًا. بالتأكيد هو [القرآن] جاء يخاطب أيضًا جماعة جاهلية وأخرجهم من الظلمات إلى النور بمثل هذه اللطائف والطرائف اللغوية التي خاطبت وجدانهم وخاطبت أحوالهم.

قول المسيح اعبدوا الله ربي وربكم وشواهده من الإنجيل والختام

وقال المسيح:

﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱعْبُدُوا ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: 72]

وهذه العبارة «اعبدوا الله ربي وربكم» موجودة في الإنجيل: «أبونا الذي في السماء»، «أبانا الذي في السماء»، «أبوكم الذي في السماء»، وردت كثيرًا جدًا. ولم يقل السيد المسيح عن نفسه إنه الله.

﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَىٰهُ ٱلنَّارُ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة: 72]

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.