سورة المائدة | ح 965 | 35 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 965 | 35 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

12 دقيقة
  • الجهاد في الإسلام مفهوم أوسع من القتال، فالقتال مجرد صورة من صوره.
  • الرسول صلى الله عليه وسلم بيّن أن الحج جهاد للمرأة والطفل، وبر الوالدين جهاد لمن سأله الخروج للقتال وله أبوان.
  • من صور الجهاد: رعاية المريض كما أمر النبي عثمان بن عفان برعاية ابنته المريضة.
  • كلمة الحق أمام السلطان الجائر هي من أعظم الجهاد.
  • جهاد النفس ومنعها من المعاصي سماه النبي "الجهاد الأكبر" بينما القتال "الجهاد الأصغر".
  • كان النبي يصحح المفاهيم فقال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه".
  • الجهاد يشمل القتال والنفس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة.
  • هناك أعمال تساوي الجهاد أو تفوقه كالركعتين في جوف الليل.
  • من فروض الكفاية وجود مستجاب الدعاء في الأمة ليشعر الناس بأن الله معهم.
  • الجهاد بأنواعه المختلفة يجعل المسلم في مأمن وقوة مع ربه.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية الجهاد من سورة المائدة وبيان سعة مفهوم الجهاد

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوٓا إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ وَجَـٰهِدُوا فِى سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 35]

والجهاد كلمة في الشرع الشريف أوسع من القتال؛ فإن القتال صورة من صور الجهاد، له شروطه وله قواعده وله مبادئه وله نهايته وله أهدافه وله مآلاته وله مقاصده وله طرقه. إنما الجهاد هو أوسع من القتال، يشتمل على القتال وعلى غيره من الصور.

الحج جهاد المرأة والشيخ الهرم كما بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم

ولذلك نرى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول:

«الحج جهاد المرأة والطفل والشيخ الهرم»

فجعل [النبي ﷺ] الحج جهادًا. وعندما اشتكت له السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها الصديق أن الرجال قد أخذت بحظ وافر في القتال وأن النساء لم يأخذن بنفس الحظ، فقال [صلى الله عليه وسلم]:

«الحج لكنّ جهاد»

إذن فالحج جهاد [في ميزان الشرع].

بر الوالدين جهاد في سبيل الله كما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم

والنبي صلى الله عليه وسلم عندما أتاه رجل طلب منه أن يخرج معه في الجيش ليقاتل في سبيل الله، فقال له:

«ألك أبوان؟» قال: نعم يا رسول الله، قال: «فيهما فجاهد»

فجعل صلى الله عليه وسلم بر الوالدين والقيام بهما وخدمتهما جعلها جهادًا، والمتلبس بذلك [ببر والديه] مجاهد [في سبيل الله].

عثمان بن عفان ذو النورين وتخلّفه عن الغزوة لرعاية زوجته وجعل ذلك جهادًا

والنبي صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة من غزواته، وكانت إحدى ابنتيه عند عثمان بن عفان [رضي الله عنه]، فهو ذو النورين؛ لأنه تزوج الرقية وأم كلثوم وماتتا في ذمته، فسُمّي بذي النورين لأنه تزوج من ابنتي النبي صلى الله عليه وسلم، حتى قال له [النبي ﷺ]: لو كان عندي ثالثة لزوجتكها.

ما كان النبي ﷺ يتشاءم، بل كان يعلم أن ذلك مكرمة لبناته ولأصحابه رضي الله تعالى عن الجميع. فأمره النبي صلى عليه وسلم أن يلازم خدمتها ورعايتها وتمريضها، وجعل ذلك جهادًا، وجعله يتساوى مع مَن خرج معه صلى الله عليه وسلم للقتال.

أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

والنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي كان يقول:

«أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر»

فجعل [النبي ﷺ] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة خاصة للحاكم ولولي الأمر خاصة إذا كان معرضًا عن المصحف أو متجبرًا في الأرض أو يخافه الناس، فتجرأ مَن معه الحجة والنصيحة فبلّغه إياها، أن ذلك من أعظم الجهاد في سبيل الله.

جهاد النفس وتصحيح النبي صلى الله عليه وسلم لمفاهيم المسلم والمهاجر والمفلس

والنبي صلى الله عليه وسلم جعل جهاد النفس جهادًا في سبيل الله، ومنعها من المعاصي. وأراد ﷺ أن يضع الأسماء الصحيحة بإزاء المعاني الصحيحة، فكان صلى الله عليه وسلم دائمًا يصحح المفاهيم، فقال:

«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، المهاجر من هجر ما نهى الله عنه»

ليس المهاجر الذي هاجر من مكة إلى المدينة [فحسب].

مَن تظنون فيكم المفلس؟ قالوا: المفلس من لا درهم له ولا دينار، من لا يمتلك المال اسمه مفلس. قال ﷺ: لا،

«المفلس من أتى يوم القيامة قد سبّ هذا ولعن هذا وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته، ويضع هذا من سيئاته عليه»

إذن المفلس قد تغيّر مفهومه، والمهاجر قد تغيّر مفهومه، والمسلم قد تغيّر مفهومه، والمجاهد كذلك قد تغيّر. يصحّح المفاهيم صلى الله عليه وسلم.

جهاد النفس هو الجهاد الأكبر لدوامه مقارنة بالقتال المحدود الزمن

كلام طويل في تصحيح المفاهيم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصحح المفاهيم. احذر أن تظن هكذا على البداهة فتقول نعم، لكن لا، هناك شيء آخر. فقال ﷺ فيما أخرجه البيهقي في كتاب [الزهد الكبير]:

«رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، وهو جهاد النفس»

فسمّى جهاد النفس ومقاومتها جعله الجهاد الأكبر؛ لأن القتال يمكث يومًا أو يومين، يعني ظلت بدر يومًا واحدًا، يوم الخندق كذا يوم، يومين، ثلاثة. لكن النفس هذه معك على الدوام، ولذلك سُمّيت بالجهاد الأكبر نسبة إلى الزمن.

والثاني [وهو تسمية القتال بـ] الجهاد الأصغر ليس احتقارًا له وتصغيرًا وتحقيرًا، لا، وإنما لأن مدته قليلة. ستصبر كم؟ يومًا واحدًا، لكن الأخرى أنت مانع نفسك [طوال حياتك].

التحذير من ترك النفس للبلطجة والوعيد بالخزي في الدنيا والآخرة

إذا الذين تركوا أنفسهم لمزاولة أعمال البلطجة، هؤلاء يا ويلهم من الله، واستمرأوها واستحلوها وشاعت فيهم، فسيكون لهم خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يُردّون إلى أشد العذاب.

شمولية الجهاد في سبيل الله لجميع أنواعه من قتال وعبادة ونصيحة وحج

فالجهاد عندما يأمرنا الله سبحانه وتعالى به ويجعله في سبيله، ويأمرنا أن نخلص النية فيه ونجعله في سبيله سبحانه وتعالى، يشمل كل ذلك: يشمل القتال، ويشمل [جهاد] النفس، ويشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويشمل الحج، ويشمل النصيحة، ويشمل كل هذا، كل ما ذكرناه وما لم نذكره.

أعمال تساوي الجهاد أو تفوقه كركعتين في جوف الليل وأهمية العبادة

والنبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أرشدنا إلى أن هناك أعمالًا تساوي الجهاد أو تفوق الجهاد. ولذلك فالأعمال التي تفوق الجهاد يسمونها العمل الرابح أو الربيح؛ إنها أشياء يعني ركعتان في جوف الليل كل يوم.

هذه مسألة كبيرة جدًا بالرغم من أن الجهاد ذروة سنام الأمر، ولكن بالرغم من ذلك إلا أنه أيضًا بهاتين الركعتين اليوميتين أنت لا تعرف ماذا تفعل، إنك أنت تفعل أشياءً كثيرة.

يقول الإمام السيوطي في [كتابه] تأييد الحقيقة العلية: إن من ضمن فروض الكفايات في الأمة أن يكون فيها مستجاب الدعاء.

يعني أن يكون بيننا شخص لو رفع يديه إلى السماء قائلًا: يا رب، يستجيب الله له، لماذا؟ لكي يشعر الناس بأن الله معهم. يعني عندما نضيق ذرعًا نذهب [إلى] هذا الشيخ ونقول له: ادعُ لنا، فيدعو لنا فيُستجاب، فنقول: نعم، الحمد لله، ها قد استجاب ربنا.

وجوب وجود العابد ومستجاب الدعاء في كل جيل من فروض الكفاية

من فروض الكفاية، أي من الضروري أن يوجد شخص ما يدعو الله سبحانه وتعالى. من كثرة ما قلنا وأنتم تجلسون في المساجد إن العمل أفضل العبادات، وأحاديث مثل هذا، ظنوا أن العبادة وجودها ليس ضروريًا. فالعمل واجب وعبادة وكل شيء، وهذا الصنف العابد لا بد أن يكون موجودًا، واحد اثنان هكذا.

هو وظل في كل جيل ربنا أيضًا يجعل شخصًا مستجاب الدعاء، يمد يده إلى السماء: يا رب، يا رب، فيستجيب الله له؛ لأنه جاهد في سبيله [سبحانه وتعالى].

الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة بأنواعه المختلفة وختام الآية بالفلاح

ولذلك قال [الله تعالى] في ختام الآية:

﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 35]

فوجود الجهاد وهو ماضٍ إلى يوم القيامة بأنواعه المختلفة يجعل الإنسان المسلم في مأمن وفي قوة مع ربه.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.