سورة المائدة | حـ921 | 13 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ921 | 13 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • يتحدث النص عن أهمية التدبر في القرآن الكريم بطريقة مختلفة عن قراءة الكتب البشرية، للفهم العميق لمراد الله تعالى.
  • يذكر تجربة بني إسرائيل مع موسى عليه السلام، وكيف أتعبوه حتى قال للنبي ليلة الإسراء: "إني قد ابتُليت بالناس من قبلك".
  • نتيجة نقض بني إسرائيل للميثاق لعنهم الله وجعل قلوبهم قاسية، فوقعوا في تحريف الكلم عن مواضعه.
  • التحريف يشمل صوراً متعددة: التقديم والتأخير والزيادة والنقصان والتبديل والحذف.
  • حذر النبي ﷺ من الكذب عليه بقوله: "من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار".
  • ابتكر المسلمون علوماً متعددة لحفظ السنة: كالجرح والتعديل والدراية والرواية والمصطلح وعلم الرجال.
  • وفق الله المسلمين لحفظ القرآن من التحريف فوصل إلينا طرياً كما أنزل.
  • بنو إسرائيل بعد تحريف النقل حرفوا العقل أيضاً ونسوا حظاً مما ذكروا به.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

مقدمة في تدبر القرآن الكريم والتفكر في سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، ونحن نتأمل كلام ربنا ونحاول أن نجعله هداية لنا في طريقنا إليه سبحانه وتعالى، فنتدبر القرآن الكريم ونقف عند حروفه وكلماته ونظمه وجمله ونتفكر، عسى أن نلتقط دُرره وجواهره.

فهو كنز لا تنتهي عجائبه ولا يخلق من كثرة الرد، لكننا ينبغي أن نقرأه بطريقة أخرى غير الطريقة التي تعودنا أن نقرأ بها أي كلام بشري أو أي كتاب آخر. إنها طريقة التدبر والتفكر والتقاط الجواهر وتداعي الأفكار، حتى نفهم بعمق مراد الله سبحانه وتعالى من كلامه.

تجربة بني إسرائيل التاريخية مع موسى في تطبيق الدين

يقول ربنا سبحانه وتعالى في شأن بني إسرائيل وهو يحكي عنهم تلك التجربة التاريخية التي خاضوها مع موسى في شأن تطبيق الدين في الحياة، وهو ما أشار إليه موسى وهو يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ويقول له:

«إني قد ابتُليت بالناس من قبلك، فاسأل ربك التخفيف»

ابتُليت بالناس الذين هم بنو إسرائيل من قبلك. أتعبوا سيدنا موسى أشد التعب، فقد اتخذوا العجل بمجرد غيابه؛ ذهب فقط ليعبد ربنا لمدة أربعين يومًا، ثم رجع فوجدهم قد اتخذوا العجل.

نقض الميثاق وقسوة القلوب وتحريف الكلم عن مواضعه

﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ لَعَنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَـٰسِيَةً﴾ [المائدة: 13]

فما النتيجة؟ يحرفون الكلم عن مواضعه. فأول شيء هي الخيانة في النقل، الخيانة في النقل: يحرفون الكلمة عن مواضعها.

التحريف يشتمل على صور كثيرة:

  1. منه التقديم.
  2. ومنه التأخير.
  3. ومنه الزيادة.
  4. ومنه النقصان.
  5. ومنه التبديل.
  6. ومنه الحذف.

صور كثيرة للتحريف، وهنا يتكلم عن نوع من أنواع هذا التحريف: يحرفون الكلمة عن مواضعه؛ يُزيل آية من مكانها ويضعها في موضع آخر، فيختل السباق واللحاق والسياق يختل.

تبرير التحريف بحجة حسنة ودخول الشيطان في صورة الحرص على الدين

لماذا تفعل هكذا [أي تحرّف الكلم عن مواضعه]؟ قال: والله أنا فعلت هكذا لأخفي عن أعدائنا هذا المعنى! كأنه حريص جدًا على الدين.

إن الشيطان عندما يدخل يجعلك تفعل الشيء صورته حسنة وحقيقته قبيحة. سدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المعنى [أي باب الكذب عليه] فقال:

قال رسول الله ﷺ: «من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»

هذا الحديث من الأحاديث النادرة المتواترة؛ ليس واحدًا فقط الذي رواه، ولا عشرين ولا ثلاثين صحابيًا، بل هو عدد كبير جدًا. ماذا يقول؟ من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار.

من كذبوا على رسول الله بحجة الموعظة الحسنة وزعمهم أنهم يكذبون له لا عليه

فجاء بعض الناس استهانوا بالعلم وأرادوا أن يكذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة حسنة؛ أي يؤلف كلامًا يبدو كأنه موعظة حسنة، لكنه يضيف إليها ويقول لك: ماذا قال رسول الله؟ حتى تنتبه قليلًا وتهتم وتأخذ الكلام مباشرةً.

فقالوا لهم: لماذا تفعلون ذلك؟ ألم يحذركم رسول الله من أن تكذبوا عليه؟ فقالوا: نحن نكذب لرسول الله، نكذب لرسول الله ولا نكذب على رسول الله!

فهؤلاء زنادقة وإن حسنت نيتهم.

جهود المسلمين في تأسيس علوم الحديث لحفظ سنة رسول الله والدفاع عنها

ولذلك رأينا المسلمين يؤلفون أكثر من عشرين علمًا لحفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والدفاع عنها:

  • علم الجرح والتعديل.
  • علم الدراية.
  • علم الرواية.
  • علم المصطلح.
  • علم الرجال.

لكي يضبطوها بدقة. ولذلك يحمل هذا العلم من كل خلفٍ عدولُه، يصدّون عنه تحريف تأويل الغالين وتحريف المفسدين. يحمل هذا العلم من كل خلفٍ عدولُه؛ النبي يقول هكذا صلى الله عليه وسلم.

وفّق الله المسلمين من غير حولٍ منهم ولا قوة، ووفقهم لئلا يقعوا في خيانة النقل.

حفظ القرآن الكريم ووصوله إلينا غضًا طريًا يحفظه الكبير والصغير

﴿يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: 13]

فوصل إلينا القرآن غضًا طريًا وكأنه نزل بالأمس، يحفظه الكبير والصغير والرجل والمرأة والعربي والأعجمي بطريقة عجيبة غريبة.

وإذا أخطأ إمام من الأئمة الكبار وهو في الصلاة ردُّوه. مَن الذي ردَّه؟ حتى الأطفال الصغار! هكذا لا يوجد الآن شيء [يمنع من تصحيح الخطأ]، لا يوجد شيء اسمه أنا رأيي هكذا أو أنا الشيخ الكبير. لا يوجد شيخ كبير ولا شيخ صغير؛ يقول لك القرآن غالب لا مغلوب.

المصيبة الثانية تحريف العقل بعد تحريف النقل ونسيان ما ذُكّروا به

﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ لَعَنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَـٰسِيَةً يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: 13]

هذه أول مصيبة [وهي تحريف النقل]. ثاني مصيبة: بعدما حرفوا النقل حرفوا العقل.

﴿وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: 13]

فأصبح التحريف يشمل النقل والعقل.

كيف حرفوا العقل؟ إلى لقاء آخر نذكر فيه كيف حرّفوا العقل، وكيف ينجينا الله سبحانه وتعالى من هذا التحريف.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.