سورة المائدة | حـ919 | 13 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ919 | 13 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • يبين القرآن في سورة المائدة قاعدة عامة عن نقض العهد عند بني إسرائيل وتحذير المسلمين من تكرار ذلك.
  • نقض الميثاق أدى إلى لعنة الله لبني إسرائيل وقسوة قلوبهم وتحريفهم للكلم.
  • يجب على المسلمين الالتزام بميثاق الله حتى لا يغضب عليهم ويشملهم باللعنة.
  • الصلاة هي العهد الأساسي بين المسلم وربه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر".
  • ترك الصلاة كبيرة عظيمة وفيها نقض للميثاق المستوجب للغضب والطرد من رحمة الله.
  • ينبغي محاسبة النفس ومراجعتها للتأكد من الالتزام بالصلاة.
  • الصلاة خطوة أولى تدفع صاحبها إلى ترك الفحشاء والمنكر، ومن يصلي عليه الاستمرار في فعل الخير.
  • اللعنة تعني الإبعاد عن نظر الله الرحمن الرحيم، مما يؤدي إلى قسوة القلب وانتزاع الرحمة منه.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة في آية سورة المائدة عن نقض بني إسرائيل للميثاق وتوجيهها للأمة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يتكلم عن بني إسرائيل، ولكنه يوجه الأمر إلينا إلى يوم الدين، ويجعلها قاعدة عامة لمن وفى بميثاقه وعهده، أو من نقض ذلك الميثاق وخالف ذلك العهد.

قال تعالى عنهم وهو يلفت أنظارنا إلى ألا نكون أمثالهم، وأن نحافظ على ميثاقهم [أي ميثاقنا نحن]، وأن نحافظ على ميثاق الله الذي واثقنا به وعلى عهده الذي عاهدناه:

﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ لَعَنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَـٰسِيَةً يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: 13]

مفاخرة النبي ﷺ بأمته يوم القيامة ووجوب حفظ حرمته

فبيّن لنا [الله سبحانه وتعالى] أننا ونحن من أمته صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه سوف يفاخر بنا الأمم يوم القيامة، كما قال [صلى الله عليه وسلم] في حجة الوداع:

قال رسول الله ﷺ: «إني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة»

يعني سيفاخر بنا الأمم يوم القيامة، فلا تسودوا وجهي، ووجهه أزهر مضيء أنور صلى الله عليه وسلم.

لكنَّنا ينبغي أن نحفظ حرمته فينا، وألا نسبب له ذلك الضيق الذي سوف يشعر به إذا ما اطلع على مصائب تفعلها أمته. فينبغي علينا أن نقوم بالميثاق، وألا ننقض العهد.

عاقبة نقض ميثاق الله من اللعنة والغضب كما حدث لبني إسرائيل

لأن الذي ينقض عهد الله وينقض ميثاقه يلعنه الله سبحانه وتعالى، قال تعالى:

﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ لَعَنَّـٰهُمْ﴾ [المائدة: 13]

وإذا نقضنا نحن ميثاقنا سيتركنا [الله]، أو أنه نبّهنا إلى أنه إذا نقضنا ميثاقنا فإنه سيغضب علينا وستنالنا لعنة منه سبحانه وتعالى.

ربنا لا يظلم أحدًا، وما يظلم ربك أحدًا، ولذلك فهو يربينا بذكر المثال؛ يذكر لنا حال الأمم السابقة. هكذا لم يقل لنا "سألعنكم" حتى لا تكون ثقيلة على قلوبنا ونحن من اللعنة فررنا، إنما يقول لنا: لعنتهم لما نقضوا ميثاقهم.

ماذا يعني هذا؟ يعني إياك أن تنقض ميثاقك.

الصلاة هي الميثاق بين العبد وربه ومعنى قوله فقد كفر

وما هذا الميثاق الذي بيننا وبين ربنا؟

قال رسول الله ﷺ: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»

ومن رقة قلبه [صلى الله عليه وسلم] علينا قال: «فقد كفر» ولم يقل «فهو كافر»، فقد كفر. وكلمة "كفر" فعل، والفعل لا يفيد الاستمرار والثبات، بل يفيد التغير والتجدد.

ولذلك كان أهون من الاسم؛ "كفر" أهون قليلًا من ماذا؟ من "كافر". فكلمة "كافر" هذه تكون لاصقة به بشدة هكذا، فيكون كافرًا وهذا حق وحقيق. لكن "كفر" لا، أي يمكن أن يكون قد يكون عمل عملًا، أعمال الكفر صدرت منه، مصيبة منه.

ترك الصلاة كبيرة عظيمة فيها نقض للميثاق المستوجب للعنة

ولذلك ترك الصلاة كبيرة مصيبة عظيمة، فيها نقض للميثاق المستوجب للغضب الذي يتلوه حلول اللعنة.

العاقل خصيم نفسه، نحن لا نتدخل مع الإنسان في حياته ولا في علاقته مع ربه، ولكن الدين النصيحة. نقول له: كل واحد منا يحاسب نفسه، حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، حاسب نفسك وراجعها.

وانظر هل أنت تصلي أم لا؟ إذا كنت تصلي سنأمرك بأوامر أخرى، فهذا يعني أن الكأس معك وسنعرف كيف نرسلك إلى الصنبور لتملأ كأس ماء.

الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ومراجعة النفس عند التقصير

﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45]

فالصلاة ستدفعك إلى ترك الفحشاء، وإذا لم تدفعك إلى ترك الفحشاء راجع نفسك؛ لأنك قد أخللت بالميثاق.

وإذا لم يدفعك ذلك [أي الصلاة] لخدمة الناس، فلا بد عليك أن تراجع نفسك؛ لأنك قد امتلكت الكوب ولم تمتلك الماء الذي يرويك. فهذه مسألة تحتاج إلى مراجعة النفس؛ فالميثاق فيه مراجعة للنفس.

الرد على من يترك الصلاة بحجة أن المصلين يسرقون ويعصون

يقول لي أحدهم: لا، ما هم يصلون ويسرقون! وأنا مالي بأنهم يصلون ويسرقون؟ قال لي: لا، لأجل ذلك لا أصلي.

قلت: إذن أنت سينزل عليك غضب الله ولعنته. قال: يعني الصلاة نفعت بماذا هؤلاء الناس؟

قلت له: إنها خطوة، وأنا عندما أقول لك امشِ في طريق الإسكندرية، ومشيت عشرة كيلومترات ولم تصل إلى الإسكندرية، أيكون الخطأ في أنك مشيت عشرة كيلومترات أم الخطأ أنك توقفت؟ كان يجب عليك أن تستمر.

فالذي يصلي ولا يفعل الخير كان يجب عليه أن يستمر، ولا يحكم على صلاته بالبطلان، وينبغي ألا يتوقف عن الصلاة. لم يقل أحد من العقلاء هذا الكلام.

وجوب الصلاة والأمر بالمعروف وحال تارك الصلاة الذي يأمر نفسه بالمنكر

نحن يجب علينا أن نصلي ونفعل ما بعد الصلاة من الخير، لا بد أن نأمر بالمعروف وأن ننهى عن المنكر.

لكن هذا الذي لا يصلي ماذا فعل في نفسه؟ أمر بالمنكر ونهى عن المعروف؛ لأنه أمر نفسه بترك الصلاة، فحرم نفسه من كل شيء.

يقول لك: لكن الذي بيني وبين ربنا عامر. كذبت! لو كان الذي بينك وبين الله عامرًا من غير صلاة، لما فرض عليك [الصلاة]. أنت كاذب، تكذب على نفسك وتكذب علينا. الصلاة عماد الدين، لا فائدة بدونها.

معنى اللعنة وأثرها في الإبعاد عن رحمة الله وقسوة القلب

والصلاة هي الميثاق:

﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ لَعَنَّـٰهُمْ﴾ [المائدة: 13]

ماذا تفعل اللعنة؟ اللعنة هي الإبعاد، تُبعِد عن مَن؟ عن نظر الله. حسنًا، وربنا هذا ما اسمه عندنا؟ أول ما نبدأ نقرأ القرآن أو نفعل أي شيء، ماذا نقول؟ بسم الله الرحمن الرحيم. هذا هو الذي نعرف ربنا به: بسم الله الرحمن الرحيم.

أخونا [تارك الصلاة] أصبح بعيدًا عن الله الرحمن الرحيم من اللعنة، أصبح بعيدًا عن الله الرحمن الرحيم. فماذا يحصل له؟ تُنزع من قلبه الرحمة.

العلاقة بين اللعنة وقسوة القلب والبعد عن الله الرحمن الرحيم

فعندما يكون [العبد] محل نظر الله الرحمن الرحيم، يتحرك قلبه ويصبح فيه رحمة. وعندما تُنزع منه الرحمة:

﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَـٰسِيَةً﴾ [المائدة: 13]

فكانت اللعنة يلزم منها قسوة القلب.

كيف [يحدث ذلك]؟ بالبعد عن الله الرحمن الرحيم؛ فاللعنة تبعده عن الله. ماذا يحدث لو ابتعد عن الله الرحمن الرحيم؟ قسوة القلب.

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.